Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore تونس والانتقال الاديمقراطي - ابو يعرب المرزوقي

تونس والانتقال الاديمقراطي - ابو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-11-06 12:37:54

Description: تونس والانتقال الاديمقراطي - ابو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫التونسي بوصف تونس ممثلة حاليا لفجر نهوض شعوب الإقليم كلها وسعيها للإمساك‬ ‫بمصيرها بيدها‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪145‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫سمعت البارحة جزءا مهما من المناظرة بين بعض المترشحين‪ ،‬وهذه المناظرة هي الجلي‬ ‫من مناظرة أوسع هي مرحلة الانتخابات‪ ،‬التي هي مناظرة الخفي فيها أهم من الجلي‪ .‬وقد‬ ‫جرت بين ثمانية من المترشحين حول موضوعات حددها من يفترض نفسه معبرا عن هموم‬ ‫المواطنين في ضوء واقعين‪:‬‬ ‫• نص الدستور المحدد لمجال ولاية الرئيس‪.‬‬ ‫• مشاغل المواطنين ذات الصلة بهذا المجال‪.‬‬ ‫لن أعلق على أي من هذين البعدين‪.‬‬ ‫ولن أفاضل بين المتناظرين لأن التقييم المستند إلى الوعود يقتضي تعيير الموقف من‬ ‫مصداقية أصحابه السياسية التي غالبا ما تخلط بصدقه الخلقي‪.‬‬ ‫والخلط بين المصداقية والصدقية يجعل المقيمين لنتيجة المناظرة الجلية يركزون على‬ ‫الشخص والوعود وليس على السياسي الذي يستمد مصداقيته من حيازته لشروط الفعل‬ ‫السياسي‪ .‬وهذه ليست مقصورة على الصدق الخلقي وحده‪ ،‬بل لا بد لها من شروط‬ ‫الانتقال إلى المصداقية السياسية‪.‬‬ ‫وب ّين أنه من بين المشاركين في مناظرة البارحة من أثبتت تجربتهم في الحكم ما يمكن من‬ ‫اعتبار وعودهم أقوالا تناقضها الأفعال ومن ث ّم‪ ،‬فلا مصداقية لوعودهم‪.‬‬ ‫ومنهم من طبيعة وعودهم حتى من دون مشاركة في الحكم سابقا تنفي كل مصداقية لأنهم‬ ‫فاقدون لشرطها السياسي من حيث الخبرة والقاعدة الشعبية حتى لو لم نعير صدقهم‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪146‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫والمعلوم أن المرء يمكن أن يكون صادقا خلقيا أي إنه يقول ما يعتقد فعلا لكنه غير صادق‬ ‫معرفيا أي إنه يقول ما لا يطابق المطلوب في المسألة المطروحة‪ .‬وبذلك‪ ،‬فالوعود التي ليس‬ ‫لصاحبها شروط انجازها غالبا ما تكون المعيار المفضل لمعرفة ذلك وأعتقد أن ما سمعته من‬ ‫وعود لا يعبر عن مصداقية أغلب المتدخلين‪ .‬فجلهم \"تر وفي يده خاتم\"‪.‬‬ ‫ولهذه العلة‪ ،‬فإني اريد أن أذهب إلى مناظرات أخرى هي التي أسميها المناظرات الخفية‬ ‫والتي يغفلها الكثير من المتابعين للمناظرة الجلية إنها‪:‬‬ ‫‪ .1‬المناظرة الجلية مثل التي حدثت البارحة بين المرشحين‪.‬‬ ‫‪ .2‬المناظرة الجلية بين شخصيات المترشحين وتاريخهم السياسي‪.‬‬ ‫‪ .3‬المناظرة التي تبدو جلية وهي خفية وتحميها دعاوى حرية الأعلام وهي تجري في‬ ‫وسائل الإعلام التي تمولها المافيات‪.‬‬ ‫‪ .4‬المناظرة الخفية التي تجري بين رافضي التغيير من الانتفاعيين وطالبيه من المثاليين‬ ‫الحالمين بالخروج من الاستبداد والفساد‪.‬‬ ‫‪ .5‬المناظرة الخفية رغم كونها الأكثر جلاء وهي بين محركي الدمى السياسية والشعوب‬ ‫التي تبحث عن شروط التحرر واستكمال التحرير والتي ليس لها إلا القوة المعنوية‬ ‫والخلقية لأن كل المتكلمين باسمها حاليا سيطر عليهم \"أمراء\" حرب سياسية بدليل التفتت‬ ‫الذي آل إليه أمر الساحة السياسية التي تتكلم باسمهم‪.‬‬ ‫ولن أتكلم على النوعين الجليين أي الأول والثاني القابلين للرد إلى نوع واحد يجمع بين‬ ‫صدق المترشح ومصداقية البرنامج‪ .‬وذلك ما يمكن استنتاجه من المناظرة التي جرت‬ ‫البارحة وأمثالها بحضور المترشحين‪.‬‬ ‫كما لن أتكلم على النوع الخامس لأنه رغم خفائه المزعوم فجلاؤه يفقأ العيون حتى‬ ‫للعادي من المواطنين الذين ليس لهم ثقافة سياسية دولية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪147‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫سأكتفي بالكلام على النوعين الثالث والرابع القابلين للرد إلى نوع واحد هو نوع‬ ‫المؤيدين للمرشحين وبرامجهم في نوعي المشاركة الجماهيرية‪.‬‬ ‫‪ .1‬مناظرة بين المؤيدين للمترشحين ممن يعتقدون أنهم من ذوي الصيت والصوت أو‬ ‫بلغة فقه السياسة في حضارتنا ممن يعتقدون أنهم من أهل الحل والعقد‪ .‬وهي على نوعين‪:‬‬ ‫نوع القوائم المؤيدة لمترشحي استعادة النظام السابق بحجج مستمدة من “فساد” الثورة‪.‬‬ ‫إنها قوائم بعض \"المثقفين\" وغيرهم من الوجهاء في الأعمال والفن المؤيدين للمرشحين‬ ‫من أصحاب المصلحة في عودة النظام السابق والحاصلين على دعم الثورة المضادة رغم‬ ‫مجاراتهم لما لا يصادم الثورة في الخطاب‪ :‬واحدة لصالح الزبيدي والثانية لصالح الشاهد‪.‬‬ ‫نوع القوائم المؤيدة لمترشحي معارضة النظام السابق بحجج مستمدة من \"فساد\" الثورة‬ ‫المضادة‪.‬‬ ‫وهي قوائم مجانسة لها وهم في الغالب عديمو القاعدة الشعبية الفعلية‪ :‬واحدة هي‬ ‫قائمة لصالح حزب التيار عبو والثانية لصالح \"جماعة\" \"آد هوك\" لم تتعين بعد كحزب هي‬ ‫قائمة الكرامة‪.‬‬ ‫‪ .2‬مناظرة بين البارزين من قواعد النظام السابق والمعارضين له في ساحات التواصل‬ ‫الاجتماعي‪:‬‬ ‫وهي أيضا مناظرة أعم وأكثر قدرة تعبيرية على الصدق الفعلي والتزييف الفعلي في‬ ‫المعركة السياسية‪ .‬ذلك أن الكثير من الشباب المثالي والكتاب الصادقين ينتسبون إلى هذه‬ ‫المناظرة لكن الغالب عليها هو الذباب الالكتروني الذي تموله المافيات التي أنشأت الأحزاب‬ ‫والتي تحرك الجميع وتزيف الرأي العام ومنه الاعلام المهيكل في المؤسسات التي صارت‬ ‫أدوات هذه المناظرة العامة والتي تتجاوز الوعود إلى التهديد تهديد الثروة وتبخيسها‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪148‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫وبين هذين النوعين توجد النهضة التي يمكن اعتبارها منتسبة إلى النوعين لأنها شاركت‬ ‫في الحكم بعد الثورة وهادنت النوع الأول‪ .‬ولذلك‪ ،‬فهي بسبب هذه المهادنة للنظام السابق‬ ‫تتهم معه من قبل الكثير من المثاليين حتى وإن كان البعض منهم عن حسن نية وغلو في‬ ‫الثورية‪.‬‬ ‫فمن يستعمل المعايير السياسية بصدق لا ينبغي أن ينسى أنها الوحيدة التي كانت العمود‬ ‫الفقري لمعارضة النظام السابق وليس لأنها تدافع عن الإسلام‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالتصوف أيضا يدافع عن الإسلام والسلفية الجامية أيضا تدافع عن الإسلام لكن‬ ‫سلوك الأنظمة معهما مختلف عن سلوكها إزاءها‪.‬‬ ‫‪ .2‬وليس لأنها تعارض شكليا وبالأقوال بدليل سلوك النظام إزاء غيرها من المعارضات‬ ‫بل لأنها تدافع عن قيم رمزها الإسلام تخلى عنها الصنف الأول من المدافعين عن الإسلام‬ ‫ولها قاعدة شعبية مفقودة لدى الصنف الأول من المعارضات‪.‬‬ ‫إنها إذن الوحيدة التي تعاقب لوعيها بالمستوى القيمي الذي يعني الفعل السياسي في‬ ‫شعب يؤمن بثقافة لا معنى من دونها للحرية والكرامة مطلبي الثورة ولحيازتها القاعدة‬ ‫الشعبية التي تجعل النظام يعاملها المعاملة التي يعلمها الجميع‪.‬‬ ‫ولما رفضت ان تعامل أتباع النظام السابق بمنطقه ظن الكثير أنها خانت الثورة خلطا‬ ‫بين الثورة والانتقام بمنطق النظام القديم فلا يكون لها حينئذ فضل عليه‪.‬‬ ‫فمن يريد أن يبني وطنا للجميع ويقلب صفحة الماضي لن يخون الثورة بل هو يقدم المثال‬ ‫في العمل بمقتضى قيمها‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪149‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫لذلك فالأستاذ مورو كان ممثل الفعل السياسي الموجب لقوة سياسية فعلية ذات قيم سامية‬ ‫يمكن القول إنها هي الوحيدة التي تريد تجاوز الماضي والالتفات إلى المستقبل لأنها تؤمن‬ ‫بالفعل السياسي الموجب‪.‬‬ ‫إنه التحرر من عقلية الانتقام التي يتظاهر بها من كان جلهم صبابة النظام السابق‬ ‫والمصفقين لأفعاله ضد من يعتبرونهم عدوهم الحقيقي في معركة صدام الحضارات‬ ‫الداخلية‪.‬‬ ‫ولهذه العلة‪ ،‬فإن ما سمعته البارحة يفيد أن خطاب الحاضرين إذا ما استثنينا الأستاذ‬ ‫مورو يضمر فقدان هذا الشرط الذي يجعل الفعل سياسيا لانطلاقه من الوعي بطبيعة‬ ‫المأزق الذي تعيشه تونس‪.‬‬ ‫فكل من يتصور الخروج من المآزق من دون الاعتراف بما أصاب تونس من داء يفسر كل‬ ‫أمراضها‪-‬وجل بلاد العرب‪-‬أعني سيطرة المافيات المحلية الخادمة للمافيات الخارجية ومن‬ ‫ثم سيطرة العملاء نوابا للمستعمر المباشر على مقومات القيام الذاتي للجماعة‪.‬‬ ‫ومن يجهل أو يتجاهل علاقة ما يجري في أي قطر في الاقليم بالمعركة العالمية حول استعادة‬ ‫استعماره من جديد بسايكس بيكو ثانية لا يخدع نفسه فحسب بل هو يخدع الشعب‪ ،‬ومن‬ ‫ثم فهو فاقد للصدقية والمصداقية‪:‬‬ ‫• فاقد للصدق لأنه لا يمكن أن يكون ساذجا فيجهل هذه الحقيقة‪.‬‬ ‫• وفاقد للمصداقية لأنه لا يبحث عن شروط التصدي لها‪.‬‬ ‫لذلك فكل من يدعي الانتساب إلى التحرر والتحرير من دون السعي إلى تحقيق جبهة‬ ‫وطنية حقيقية تحاول إخراج البلاد من الصراع الذي تجاوزه التاريخ بين التأصيل‬ ‫والتحديث فهو غير مدرك إلى أن الساعين لهذه الاستعادة لا يميزون بين التحديثي‬ ‫والتأصيلي بل بين من يريد الندية ومن يريد التبعية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪150‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫هم لا يقبلون إلا من يريد التبعية وهي عندهم ليست سياسية واقتصادية فحسب بل هي‬ ‫بالأساس ثقافية بمعنى آخر حصون الدفاع عن البقاء في المجتمعات الإنسانية لأنها المرحلة‬ ‫الأخيرة في انتصار أي عدو على عدوه‪ :‬مرحلة القضاء على إرادة بقاء الذات مستقلة‬ ‫روحيا عمن يغزوها شرطا في بقاء المقاومة‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪151‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫كان يمكن للأستاذ مورو أن يزايد مع المزايدين فيستعمل نبرة \"ثورجية\" على المنظومة‬ ‫مثل من لا يميزون بين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الخطاب المسؤول لمن يترشح لرئاسة الدولة ولدور التوحيد بين كل قواها السياسية‬ ‫وحساسياتها الفكرية والايديولوجية‬ ‫‪ .2‬وبين العنتريات التي أصبحت أفضل طريقة للاستعداء الخاطئ الذي أدمن عليه‬ ‫الكثير من \"الجنرالات\" بدون جيش ومن أمراء الحرب السياسية‪.‬‬ ‫فكل ما نراه هو أصوات العجزة الذين يرمون مسؤولية عجزهم ليس على ما يوهمون‬ ‫الناس أنهم يتصدون لهم أعني النظام القديم ومافياته الاقتصادية والاجتماعية‬ ‫والاعلامية والثقافية بل على من يحاربونهم حقا بتهمة من أسخف ما عرفت السياسة‪ :‬عيب‬ ‫الإسلاميين أنهم لم يتركوهم يحصدون ما زرعوه أكثر من مرة‪.‬‬ ‫كلنا يعلم أنهم بالمزايدات والعنتريات أفسدوا كل إمكانية لنجاحها إذ هي كانت لسنة‬ ‫ولكتابة الدستور‪ .‬حولوها إلى محاولة للحكم مدة كاملة برئيس ليس له قوة سياسية ولم‬ ‫يختره الشعب بل اختارته الحركة الإسلامية بنفس المنطق التوافقي إذ هي لا تجهل أنه‬ ‫علماني وان من جمعهم حوله ‪-‬وهم من انفضوا من حوله إلا بعض الصادقين من ذوي الميول‬ ‫الإسلامية‪ -‬كما نراهم الآن هم أكثر عداوة للإسلاميين حتى من عتاة النظام السابق مثلهم‬ ‫مثل صبابته من أحزاب اليسار والقوميين الذين خدموا مع ابن علي‪.‬‬ ‫نعم لا ينبغي للأستاذ مورو أن يجاريهم وعليه أن يواصل ما يخدم وظيفة الرئيس الذي‬ ‫يؤمن بأن وظيفته الأساسية أي أمن تونس ومناعتها شرطها الاول والاخير هو التوافق بين‬ ‫التونسيين على المصلحة العليا للوطن بصرف النظر عن اختلافاتهم السياسية والفكرية‬ ‫وخياراتهم القيمية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪152‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫أما الكلام على الفساد وعلى الاستقلال الوطني وعلى إصلاح الحوكمة فهي أمور يعالجها‬ ‫ممثل السلطة الأعلى في البلاد كما يحددها الدستور في نظام ليس للرئيس فيه الدور الأول‬ ‫دون أن يفقد ما يعود إلى هذا الدور من التوجيهات العامة التي توحد ولا تفرق‪ .‬فالبرلمان‬ ‫الذي يمثل السلطة الأعلى والذي يختار الحكومة ورئيسها من الاغلبية هو الذي يعالج هذه‬ ‫القضايا عن طريق الحكومة وبالمبادرة القانونية التي لكتله سواء كانت من الحاكمة أو من‬ ‫المعارضة‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪153‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫لا أعتبر فائدة المناظرة بين المترشحين أساسية لتعيير المشاركين فيها بل هي عندي أساسية‬ ‫لتعيير معييريهم أو بالأحرى تعييرهم‪ .‬ومعنى ذلك أنها كانت مناسبة لمعرفة معايير التعيير‬ ‫لدى من علقوا على المتناظرين شخصهم ومواقفهم وحيازتهم لما يجعلهم أجدر من غيرهم‬ ‫بالدور المنتظر منهم‪.‬‬ ‫من الطبيعي أن تكون هذه المعايير أكثر دلالة على صاحب التعيير منها على الشخص‬ ‫المعير بها‪.‬‬ ‫ومن ثم فالمناظرات كانت مناسبة استسنحها لتصنيف المعايير عند الذين يقيمون المرشحين‬ ‫أكثر منها مناسبة لتقييم المترشحين أو مناسبة لتعيين من سيكون منهم أجدر بوظيفة الرئيس‬ ‫إذا ما تم اختياره من غالبية الشعب‪.‬‬ ‫ما أقدمه هنا هو صورة للطيف التقييمي الذي من المفروض أن يتوزع عليه أصحاب‬ ‫التقييم أكثر منه لمناسبة المترشحين لما يترشحون له‪.‬‬ ‫ويمكن أن أعير هذه المعايير التي تداولها المشاركون في التواصل الاجتماعي في ضوء‬ ‫المتغيرات التالية التي من المفروض أن تحكم كل تعيير يراد له أن يكون علميا وموضوعيا‬ ‫لأن التعيير الذي ليس له محددات موضوعية يكون تعبيرا عن أحوال نفسه صاحبه وليس‬ ‫عن صفات موضوعية للشيء الذي يراد تعييره‪:‬‬ ‫‪ .1‬المهمة التي يترشح لها‪:‬‬ ‫وهي مهمة يحددها الدستور بوضوح حتى وإن كان لها مستويان مباشر وغير مباشر أعني‬ ‫تعيين عناصر ولايته ثم تعيين ما يمكن أن يساعد على أداء دورها العلاجي والوقائي في‬ ‫مجال تخصصها الدستوري‪.‬‬ ‫‪ .2‬تكوين المترشح العام‪:‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪154‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫وتحددها ثقافة الجماعة التي تتردد في بلادنا بين ثقافتين فرنسية وعربية أو عربية‬ ‫وفرنسية بتقديم وتأخير لهذه العاملين‪ .‬وواضح أن هذا المعيار جوهري لأن الخيارات‬ ‫السياسية هي بالأساس ثمرة رؤية ثقافية معينة ذات صلة بالمعرفة وبالقيم أي بما يعتبره‬ ‫الإنسان شرطا في سلطانه وغاية لوجوده‪.‬‬ ‫‪ .3‬خصائص شخصية المترشح القيادية‪:‬‬ ‫وتحددها ثقافة الجماعة في رؤيته للسلطة السياسية بحسب العاملين السابقين والارث‬ ‫التاريخي والتأثر بما يجري في الغرب وهي إذن بنت الرؤية الثقافية والمصلحة الاقتصادية‬ ‫ودور السياسي فيهما في نظرية الدولة الحاضنة خاصة وهي من أكبر عوائق التقدم في‬ ‫مجتمعاتنا‪.‬‬ ‫‪ .4‬القوة السياسية والقاعدة الشعبية التي يمثلها المترشح‪:‬‬ ‫وهذه ذات صلة بتاريخ القوى السياسية التي لها صلة بتحصيل العوامل الثلاثة السابقة‬ ‫لأن الوضعية الحالية تحددت بعلاقة ما تقدم على الثورة بما تلاها‪.‬‬ ‫‪ .5‬ظرف التنافس المحلي والإقليمي والدولي‪:‬‬ ‫وهذا العامل ما كان ليكون ذا أثر لو لم يكن الرهان ليس تونسيا فحسب بل هو رهان‬ ‫يتجاوزها بسبب علاقة الإشكال بالإسلام السياسي الذي صار وإن سلبا عند المنتسبين إلى‬ ‫الثورة المضادة وحماتها العامل المحدد لكل ما يجري في الاقليم‪ .‬لكنه عند الشعوب وخاصة‬ ‫بالنسبة إلى مستقبلها يمثل العامل الإيجابي الوحيد الذي يمكن أن يكون مناسبا لشروط‬ ‫السيادة التي لم تعد تعتمد على القطريات في العالم كله بل على المجموعات الكبرى الذي‬ ‫لها القدرة على التنافس العالمي وتحقيق شروط السيادة المادية والروحية‪.‬‬ ‫لكني ألاحظ إذا اعتبرنا ما يوجد في التواصل الاجتماعي شبيها بما يحصل في العينيات‬ ‫المتحررة من التواطؤ (أت رندوم) أمكن أن أقول إن هذه المعايير الخمسة ليست هي التي‬ ‫حددت تعيير الشعب التونسي بل ما حددها هو إما الاسقاط النفسي لأصحاب التقييم‬ ‫والتعيير أو الخيارات الإيديولوجية أو خاصة عامل آخر يشمل كل العوامل الذي ذكرتها‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪155‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫وهو حصيلتها‪ :‬إنه صدفة اجتماع أولئك المترشحين في ساحة التنافس‪ .‬فالتحديد الإضافي‬ ‫يتعين دائما بحسب صدفة تعين المشاركين في التنافس‪ .‬وهذا العامل هو المحدد النهائي‪ .‬وهو‬ ‫ينقسم إلى عاملين بسبب وجود قوتين حقيقيتين في المعترك والبقية مما يمكن أن يشوش‬ ‫عليهما دون أن يكون له تأثير ذاتي لصالحه بل هو سيكون لصالح أحد طرفي التنافس أي‪:‬‬ ‫• لصالح من شرط بقائه هو عودة النظام القديم وهذا هو صف السيستام السابق على‬ ‫الثورة‪.‬‬ ‫• أو لصالح من شرط بقائه هو ذهاب النظام القديم وهذا هو صف من السيستام بني‬ ‫على نفي حقه في الوجود أي الإسلاميين‪.‬‬ ‫ومن ثم فالجميع يعتبر المعركة مرة أخرى مع الإسلاميين سواء كان ذلك إما بنفي حقهم‬ ‫في الوجود بإطلاق (النظام القديم) أو بنفيه نسبيا بمعنى القبول بهم كمصوتين وليس‬ ‫كمرشحين (أدعياء الثورية ومتهمي النهضة بأنها متواطئة مع النظام القديم الذي ينفي‬ ‫حقها في الوجود أصلا)‪.‬‬ ‫لذلك فأدعياء الثورة والعلمانية يشاركون النظام القديم نفس الإيديولوجيا التي‬ ‫يظنوها حداثة وما بالحداثة لأنها الحداثة التابعة‪ .‬وهم بكل المعايير دون الإسلاميين‬ ‫حداثة إذا كان القصد بها حيازة قيم الحداثة السامية وأدواتها العلمية والتقنية‬ ‫والسياسية ثم إن الإسلاميين أقرب إلى مستقبل الإنسانية المعتمدة على تجاوز القطرية‬ ‫بحثا عن شروط السيادة القادرة والخروج مما يجعل الجماعة متسولة ومن ثم تابعة بنيويا‪.‬‬ ‫فأوروبا التي أنشأت مفهوم الدولة الوطنية تجاوزته إلى ما يحقق شروط السيادة بعد أن‬ ‫صارت بحجم يحول دونها وشروط التنافس مع عماليق العصر‪ .‬فكيف بأقطار ميزانيتها دون‬ ‫كلفة حاملة طائرات أمريكية تقبل أن تسمى دولا ذات سيادة وهي متسولة في الرعاية‬ ‫والحماية‪.‬‬ ‫وخلاصة القول إذا سلمنا بأن التواصل الاجتماعي عينة ممثلة مما يدور في أذهان‬ ‫التونسي فإن أقضي بأن تونس لم تنضج بعد لثورة فعلية بل هي في الحقيقة صارت ثقافيا‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪156‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫فاقدة للقدرة على تحمل تبعات ما ترفعه من شعارات الحرية والكرامة‪ :‬فما يمثله من يخلط‬ ‫بين العنتريات والسياسة لا يمكن الا يكون كذابا على نفسه وعلى الشعب‪ .‬وفي هذه الحالة‬ ‫فعندي أن التابعين للنظام القديم أكثر صدقا من أدعياء الثورة والحرية والكرامة‬ ‫ومحاربة العمود الفقري لشرط الصمود في كل حرب وخاصة حرب التحرر والتحرير التي‬ ‫هي جوهر الثورة‪ :‬فكما حدد ذلك كلاوسفيتز في نظرية الحرب الأمم تهزم عندما تفقد‬ ‫الصمود الروحي‪.‬‬ ‫وذلك عينه من يحاربه سخفاء الثورية الذين يتكلمون على الدولة المدنية في ما هو‬ ‫بالجوهر حاليا مجرد محمية استعمارية ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وهم محاول إلغاء خط‬ ‫الدفاع الاخير أي البعد الروحي من ثقافة الجماعة‪ .‬لم أر في حياتي أسخف من هؤلاء‬ ‫الحمقى الذين يتصورون الحداثة الغربية هي ثقافة الاستعمار الغربي وليس الثقافة التي‬ ‫بنت الغرب أي التجديد الديني والفلسفي والعلمي والتقني والسياسي والاجتماعي شروطا‬ ‫للإبداع وعدم التبعية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪157‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫لست مستشارا للأستاذ مورو ولا أريد أن أفرض على أحد رأيي‪ .‬لكني تابعت المناظرات‬ ‫وتصريح الشيخ راشد الأخير الذي قال فيه إنه لا يستثني أحدا في التوافق (دون احتراز‬ ‫ضد من هم خاضعون لتتبعات عدلية مع علمي بأن المتهم بريء حتى يثبت العكس‪ .‬لكني‬ ‫أستبعد أن ينطبق هذا المبدأ على من يتقدم للمسؤوليات العليا في الدولة الديموقراطية‬ ‫التي يكفي فيها خدش مهما كان بسيطا لاستبعاد المرشح)‪ .‬كما استمعت إلى بعض مداخلات‬ ‫الاستاذ مورو لذلك فلا يمكن أن أبقى متفرجا ومكتفيا بأحكام عامة دون تحديد ما أعنيه‬ ‫بكامل الدقة والتعيين‪ .‬فما بقي من زمن الحملة كاف للتصويب إن رأى المترشح الوجاهة في‬ ‫ما ارى من واجبي قوله لعلتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الخوف على انتكاس الثورة لأن خسران الجولة الحالية كليا أو حتى جزئيا سيكون نكبة‬ ‫على البلاد والعباد‪.‬‬ ‫‪ .2‬الخوف على تبعاته على وضعية تونس ورمزية دورها في اخراج العرب من الاستثناء‬ ‫الذي بقي عالقا بنا لأن جل نخبنا النافذة تستمرئ الاستبداد والفساد وتتمعش منه‪.‬‬ ‫لست أدرى من الأستاذ مورو بما يحول دونه والانطلاق في استراتيجية تثبت أنه غير‬ ‫ملتزم بالموقف الدفاعي الذي فرضته النهضة على نفسها إلى حد الآن والذي ينبغي أن‬ ‫يكون هو في حل منه لئلا يقتصر على قاعدتها فيكون مرشحا للطيف الذي يمثل العهد‬ ‫الجديد في تونس‪.‬‬ ‫ورغم أني من البداية حاولت إقناع قيادات النهضة بان موقفهم الدفاعي كان حذرا زائدا‬ ‫عن اللزوم وحاولت أن أقنع بضرورة جعل النظام القديم يعود بسرعة ليرحل بنفس‬ ‫السرعة لأن المعركة مع السبسي أيسر مما يمكن أن يحصل لو أن حكم النهضة مباشرة أو‬ ‫بقاعدتها (المرزوقي الذي ترشح ضده ولهذه كانت معارضتي له شديدة مثلما فعلت أول‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪158‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫مرة لما فرضوه رئيسا) سيكون نكبة عليها وعلى الثورة في المدى البعيد وأن السبسي رحمه‬ ‫الله كان أحوج إليهم منهم إليه وذلك كما بينت حينها لعلتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬لأن سنه لم تكن تسمح له بالدخول في خصومة يعلم أكثر من غيره أن من كانوا أقدر‬ ‫منه وأصغر سنا خاضوها وخسروها‪.‬‬ ‫‪ .2‬لأنه كان يعلم أن حزبه ليس بالمتانة التي يتصورها من لا يعلم أنه كان \"كوكتال‬ ‫مولوتوف\" وهو أمر لا يخفى عليه وكان يخشى اليسار والاتحاد أكثر من النهضة‪.‬‬ ‫لذلك اقترحت في أول ندوة للمركز الاستراتيجي وخلال تعيين أول رئيس وزراء بعد‬ ‫‪ 2014‬بأن يقبلوا بالتوافق الندي على برنامج مشترك وليس بالتوافق التابع الناتج عن‬ ‫الخوف من أمر لا وجود له إلا في أذهان قيادات ملتاعة وهو أمر مفهوم ولذلك لم ألح على‬ ‫نصيحتي‪.‬‬ ‫أعتقد جازما أن الخطأ الاستراتيجي في حملة الأستاذ مورو هو أنه ما يزال يعيش نفس‬ ‫الموقف الدفاعي الناتج ربما عما حصل من توافقات بين قيادة النهضة والشاهد قبل وفاة‬ ‫المرحوم السبسي‪ .‬وقد كتبت مباشرة بعد وفاته أن كل تلك التوافقات تجاوزها الوضع ولم‬ ‫تعد صالحة ولا بد من استراتيجية بديلة‪.‬‬ ‫واعتقد أن تردد النهضة وتأخرها في حسم ترشيح مورو علته انتظار العصفور الذي لم‬ ‫يجيء أو فرض شروطا مذلة تكتفي بوعود للحصول على التأييد دون التزام‪.‬‬ ‫وهذه هي الوضعية التي تضفي بعض المصداقية على خصوم النهضة من أمراء الحرب‬ ‫السياسية الذين يدعون أن مورو مجرد كمبارس للعبة في الخفاء تنتهي إلى نفس التوافق‬ ‫المغشوش واللاندي بعد الدور الأول من الانتخابات الرئاسية‪.‬‬ ‫فكل من يزايد على الإسلاميين في الثورية هو في الحقيقة من جنس \"عريان الطوق وفي‬ ‫يده خاتم\"‪ .‬وأعدهم أنهم إذا واصلوا هذه الحركات سيعودون إلى ما كانوا عليه مجرد‬ ‫ظاهرات صوتية لأنهم لا يمثلون أدنى قوة سياسية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪159‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫والدليل ان جلهم يريدون أن يبدأوا من رأس السلم السياسي لكأنهم لم يولدوا إلا‬ ‫ليكونوا رؤساء في حين أنهم \"ديكة\" يكثرون الصياح في ثورة سيجعلونها زبالة لنشر اجنحتهم‬ ‫فوق أكداسها كل صباح‪.‬‬ ‫أعتقد أنه من الحكمة أن ينتقل الاستاذ مورو من الدفاع إلى الهجوم‪ .‬والهجوم لا‬ ‫يستهدف أحدا من الصفين صف العائدين وصف القادمين إلى الحكم‪ .‬الهجوم هو في الموقف‬ ‫الموجب الذي يقترح توافقا نديا بين القوتين السياسيتين الحقيقتين أعني‪:‬‬ ‫‪ .1‬النظام القديم الذي يريد أن يعود‪.‬‬ ‫‪ .2‬والنظام الجديد الذي يريد أن يستكمل الانتقال الديموقراطي‪.‬‬ ‫والهجوم إذن يتعلق بجعل الندية بين التوجهين غاية ترشحه وهو ما أعنيه بالصلح‬ ‫العميق بين حجج العائدين المؤثرة فعليا وحجج القادمين المؤثرة فعليا‪ .‬فغالبية الشعب لا‬ ‫تريد عنتريات الثوريين المزيفين وأصحاب الشعبوية التي لن تحل مشاكل تونس لكنهم مع‬ ‫حجج القلة من الثوار الصادقين بشرط ألا يقعوا في خطأ المطالبة بكل المنشود ولو بتهديم‬ ‫كل الموجود‪ .‬لذلك فلا بد منه التعاون بين الصفين لإنقاذ تونس من مآزقها التي لا تخفى‬ ‫على أحد‪.‬‬ ‫وواضح أن العائدين لا يستطيعون المجاهرة بنية إلغاء مكاسب الثورة لأن ذلك يقتضي‬ ‫عودة ما لن يستطيعوا استعادته لا محليا ولا اقليميا ولا دوليا‪ .‬فمن سبقهم إلى استعمال‬ ‫العنف لإرجاع الاستبداد أو منع سقوطه فشل فشلا ذريعا ويكفي أن نرى حال مصر وسوريا‪.‬‬ ‫وواضح كذلك أن القادمين لا يستطيعون نفي وجود قوة سياسية يعسر إلغاؤها من دون‬ ‫جعل الثورة عنيفة وهو أمر لا يقبل به الشعب التونسي الذي يفضل التدرج والعلاج‬ ‫التوافقي والسلمي للحلول الوسطى‪.‬‬ ‫فإذا أعلن مورو عن هذه الاستراتيجية وقدم نفسه على أن هدفه الاساسي هو تحقيق‬ ‫التوافق الندي في الرأس والسعي للتشجيع عليه في السلطة التنفيذية والتشريعية فإن‬ ‫الاستراتيجية ستسكت أعداء الثورة واصدقاءها الزائفين الذين هم في الحقيقة أعداؤها‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪160‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫الفعليون لأن المثل يقول \"الأفضل في الاقوال عدو الفاضل في الأفعال\" ‪Le meilleur est‬‬ ‫‪.l'ennemi du bien‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪161‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫عاب علي البعض وصف من يدعون الانتساب إلى صف الثورة بأنهم \"أمراء حرب سياسية\"‬ ‫قياسا على أمراء الحرب في ما يسمى بحركات المقاومة إذا ما استثنينا مليشيات الملالي الذين‬ ‫يوحدهم قائد جوقة اسمه الولي الفقيه في علاقتهم بمستعبدهم لكنهم من حيث العلاقة‬ ‫بالأوطان من نفس القبيل‪.‬‬ ‫ولأبدأ فأذكر بتكوينية هذا النوع من أمراء الحرب السياسية في تونس وهي تكوينية‬ ‫أشبه بأمراء الحرب في حركة التحرير الفلسطينية سابقا وفي الثورة السورية والليبية‬ ‫واليمنية حاليا‪ .‬والفرق الوحيد هو أنهم ليسوا مسلحين لا غير وإلا لأدخلوا البلاد في حرب‬ ‫أهلية مماثلة‪ .‬ووجه الشبه ليس في التفتت فحسب بل في علل التفتت‪ .‬وهي في الغالب ذات‬ ‫مصدرين مباشر وغير مباشر‪:‬‬ ‫• المصدر الأول مباشر‪:‬‬ ‫هو ثقافة زعماء أغلبهم يعاني من تضخم الذات خرجوا من أحزاب تكونت على عجل‬ ‫للمشاركة في الانتخابات الاولى والثانية ثم انفرط عقد تلك الأحزاب وهي خمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬حزب المرزوقي‪.‬‬ ‫‪ .2‬وحزب الشابي‪.‬‬ ‫‪ .3‬وحزب ابن جعفر‪.‬‬ ‫‪ .4‬وحزب السبسي‪.‬‬ ‫‪ .5‬وقبلها جميعا حزب ابن علي او التجمع لأن جل المنتسبين إلى الاحزاب الاربعة‬ ‫السابقة هم من بقاياه أو ممن تنكروا في الانتساب إليه‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪162‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫والظاهرة أوضح في حزب السبسي وهو لا يعنينا هنا لأن المنتسبين إليه لا يدعون تأييد‬ ‫الثورة كالبقية‪ .‬وهم أقرب إلى استعادة الوحدة منهم لأن التوحيد حول الحكم أيسر من‬ ‫التوحيد حول المعارضة‪.‬‬ ‫• المصدر الثاني غير مباشر‪:‬‬ ‫وهو إما الإيديولوجيات الغربية التي أكل الدهر عليها وشرب مثل اليسار والعلمانية‬ ‫والليبرالية أو نفس هذا الإيديولوجيات بإضافة دوزة من الفاشيات الغربية أعني اصناف‬ ‫الأحزاب القومية العربية مثل الناصرية و القذافية والبعثية العراقية والسورية وحتى‬ ‫الصفوية‪.‬‬ ‫تلك هي المليشيات التي لها أمراء حرب كل واحد منها أشبه بالبغدادي من حيث انتفاخ‬ ‫الذات إذ هو ادعى أنه سيكون فاتحا للعالم بدولة داعش وهم يريدون تغيير العالم وسنن‬ ‫السياسة بصبيانيات لا تدل إلا على الأمراض النفسية عند من يتصور نفسه ولد ليكون‬ ‫رئيسا أو لا يكون‪.‬‬ ‫لذلك فمن السخف انتظار أن يخرج منهم شيء يمكن من المحافظة على ما تحقق إلى حد‬ ‫الآن أعني على الأقل منع الصف المعادي للثورة من استرداد كل قوته التي كانت له قبل‬ ‫الثورة كما حدث في مصر وكما نراه يحدث في سوريا وليبيا‪ .‬وأغلب هذه المليشيات أمراء‬ ‫حرب سياسية ميالون للحلف مع هذين النظامين المصري والسوري مهما اختلفت الشعارات في‬ ‫الداخل‪ .‬فغلوهم المزعوم ثوريا ليس إلا من علامات طبعهم الاستبدادي‪ .‬وترى ذلك حتى‬ ‫في تعبيرهم الجسدي وعنترياتهم الخطابية‪.‬‬ ‫وإذا ما استثنينا قيس سعيد ‪-‬الذي أرى ألا معنى لوجوده أصلا في الساحة السياسية‪ -‬فإن‬ ‫البقية كلها من جنس ما وصفت وليس فيهم من يمكن أن يثبت حتى ما يمكن أن يعتقد المرء‬ ‫أنه من صفات سعيد من حيث \"النفس المؤمنة\"‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪163‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫فكلهم يمثلون الوجه الأقبح من السياسة أعني طلب النجاح السريع في تحمل مسؤولية لا‬ ‫شيء يثبت أنه أهل لها لأن المسؤولية السياسية إذا كانت لخدمة الجماعة وليس لاستخدامها‬ ‫من أعسر الأمور تقنيا وخلقيا‪.‬‬ ‫فمجرد ادعاء المثالية في السياسة إذا لم يكن من جنس السذاجة التي يمثلها من يتصور‬ ‫معرفة القانون كافية أو الشرعية الانتخابية كافية لتغيير بلد صار كله محكوما بالمافيات‬ ‫والفساد هو إما \"إنسان طيب وساذج مثل الاستاذ سعيد\" يعيش في جمهورية أفلاطون أو‬ ‫\"إنسان خبيث\" أعني نقيضه يخادع الشعب ولا يخدع إلا نفسه‪.‬‬ ‫فالشعب جله صار من أخبث ما عرف تاريخ البلاد والأمة وليس بسبب شيء آخر غير‬ ‫الثقافة التمعشية التي سيطرت على مجتمع كله مبني على اللصوصية والتطفيف والرشوة‬ ‫واعتبار السياسة طريقا سيارة لملء الجيوب والحسابات في بنوك الغرب أو في دبي‪ .‬وفي ذلك‬ ‫هم لا يبدعون شيئا من عندهم فهم يريدون محاكاة من حكم البلاد منذ استقلالها المزعوم‪.‬‬ ‫صحيح أن بورقيبة لم يسرق مباشرة‪ .‬لكن نظامه مبني على تكوين المافيات التي استعملته‬ ‫لتسرق وتنهب كل المناطق من أجل المناطق التي تسندها في صعود السلم السياسي طريقا لما‬ ‫وصفت‪ .‬وعندما حكم ابن علي صار ذلك سياسة رسمية وعلنية بدليل قولته الشهيرة لما‬ ‫خاطبه أحد في أصهاره فقال‪\" :‬احسبوهم أمراء مثل أمراء الخليج\"‪.‬‬ ‫وهو محق فهؤلاء هم رمز الظاهرة في كل بلاد العرب التي حولوا بعض دولها الفقيرة‬ ‫باسم السياحة إلى \"مواخير\" عمومية وملأوا بنوك الغرب بثروات أوطانهم وتجويع شعوبهم‬ ‫فضلا عن الجزية التي يدفعونها نقدا وعينا لحماتهم‪ .‬ولا تختلف الاحزاب الذرية التي‬ ‫نشأت في تونس عن ذلك لأنها تدفع عينا من ثروات البلاد حتى تمولها المافيات والاستعمار‬ ‫والثورة المضادة لعلهم يصلون إلى \"ميزاب\" الثروة ويتحولوا إلى \"أمراء\" كما طلب ابن علي‬ ‫منزلة لأصهاره والمنتفعين معهم في تبديد ثروات تونس وترذيل تربيتها وافساد ناشئتها‬ ‫حتى صار بعض \"أمراء الحرب السياسية\" يعتبر الحل في تحويل زراعة تونس إلى فلاحة‬ ‫المخدرات‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪164‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪165‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫منذ وفاة السبسي تكلمت على تغير اللعبة التي كانت تكتيكيا قيادات النهضة تعمل‬ ‫بمقتضاه منذ انقلاب الشاهد على الباجي‪ .‬ومع ذلك واصلت النهضة نفس اللعبة والبحث‬ ‫عن العصفور النادر‪.‬‬ ‫ولما تواصلت هذه العملية صار التشكيك في ما تدعيه حاليا مشروعا‪ .‬ويعسر أن يصدق‬ ‫الإنسان من شارك في تصعيد الشاهد الذي هو أعدى أعداء الثورة ليس حكما على النوايا‬ ‫بل على الأفعال‪.‬‬ ‫وقد توقعت أن نفس الخيانة للسبسي ستتكرر مع الغنوشي الذي استعمل حجة الاستقرار‬ ‫الحكومي استعمال حق يراد به الباطل ضد نفسه وضد الحركة التي لم يبق لها صاحب في‬ ‫الصفين الذي يريد عودة النظام القديم والذي يسعى للنظام الجديد‪.‬‬ ‫لكن موقفي من صف ادعياء الثورة أكثر صرامة من قيادات النهضة التي كانت تحاول‬ ‫التكيف مع وضع ليس مقصورا على تونس بل هو إقليمي ودولي يجعل أدعياء الثورة في‬ ‫حقيقة الامر أكثر خدمة لصف الثورة المضادة مما يتهمونها به من توافق لم تختره طمعا في‬ ‫شيء عدى الابقاء على نبض الثورة حيا حتى تمر العاصفة‪ .‬وهو الأمر الوحيد الذي يشفع‬ ‫لها ولقياداتها عندي رغم كوني كنت ولا زلت أعتقد أنهم كان يمكن أن يكونوا أكثر شجاعة‬ ‫في التصدي‪.‬‬ ‫ولأبدأ بأكثر أعضاء صف الثورة صدقا وأمانة أعنى المرزوقي لأشير لعلل رفضي رؤيته‬ ‫في توهم علاج مشاكل تونس يكفي فيه اختياره هو رئيسا ودعواه حماية الإسلاميين قلبا‬ ‫للحقائق‪ :‬فهو من دونهم ليس له وجود سياسي أصلا لان من يحتمي بمانديلا وشيراك ليس‬ ‫سياسيا كبيرا خاصة بعد فشل التقرب من ابن علي‪.‬‬ ‫لذلك فقد عارضت تعيينه الأول دون ضجيج‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪166‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫وقاومت ترشحه الثاني صراحة وسعيت لإفشاله‪.‬‬ ‫وأعارض ترشحه الحالي الذي اعتبره خيانة موصوفه للثورة لأنه يعلم أنه لن ينجح‬ ‫وأقصى دوره هو المشاركة في إنجاح أحد اعدائها‪.‬‬ ‫ولست ضده لشك في أخلاقه أو في ثقافته أو في اخلاصه كما بينت له ذلك لما سألني عن‬ ‫موقفي منه مؤخرا‪..‬‬ ‫ما فعلته في موقفي منه هو ما أراه واجبي في خدمة الثورة التي شاركت فيها بقدر‬ ‫استطاعتي‪ .‬ولما تبين لي استحالة المشاركة في المنعرج الجديد للحركة التي سعيت للتعاون‬ ‫معها استقلت صامتا‪.‬‬ ‫وما فعلته في ‪ 2014‬لم يكن خدمة للباجي أو خيانة للثورة كما يتوهم الحمقى من‬ ‫المستفيدين من المرزوقي أعني أولئك الذين خانوه لما يئسوا من الطمع فيه‪.‬‬ ‫فقد كان قصدي التسريع في عودة النظام القديم وهو ضعيف بقيادة شيخ لا مستقبل له‬ ‫فيكون مضطرا لتجنب المجابهة التي كان يمكن أن تنهي كل أثر للثورة يمكن أن يمثل قوتها‬ ‫السياسية الكبرى أعني النهضة‪.‬‬ ‫فكل المتكلمين اليوم باسم الثورة لو سقطت النهضة ثانية لا قدر الله لدخلنا حقبة أخرى‬ ‫أطول من حقبة ابن علي فضلا عن كون نجاح المرزوقي لو نجح في ‪ 2014‬فإن ذلك كان‬ ‫سيكون فرصتهم لضربها منذئذ به وبجماعته الذين نراهم اليوم في الحزيبات التي نشأت‬ ‫عن تفتت حزبه باسم ثورة لفظية هي في الحقيقة شعبوية للوصول إلى الحكم من جنس كل‬ ‫المكثرين من الشعارات‪.‬‬ ‫أما لماذا لا اعتقد أن المرزوقي يصلح للرئاسة فأول العلل أنه يتصور نفسه وكأنه ولد‬ ‫ليكون رئيسا دون أن يكون له شرطها الاول والاخير أعني القوة السياسية التي يمثلها‬ ‫والتي يكون لها الثقل الكافي لقيادة الدول‪ .‬فمن فشل في قيادة حزيب كلنا يعلم أن جل‬ ‫المنتسبين إليه انتفعوا منه وخانوه فتفتت إلى خمسة حزيبات من جنسه ولعلها أدهى وأمر‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪167‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫من حيث العنتريات والاعتقاد بأنهم ولدوا ليكونوا رؤساء لا يمكن أن يكون قادرا على قيادة‬ ‫تونس خاصة إذا كان يعتبرها مثلما كان يعتبر القذافي ليبيا جماهيرية عظمى‪.‬‬ ‫والآن أنا أكثر معارضة لترشحه الثالث مني في الأول وفي الثاني‪ .‬فهو لا يريد أن يخرج‬ ‫بكرامة بل هو سيخرج في أدنى منزلة في الرأي العام الناخب وبوصفه ساعد أعداء الثورة‬ ‫في الصفين على أنهاء حقبتها‪.‬‬ ‫فهو يشجع \"المتناقزين\" مثله على الرئاسة ممن ليس لهم مؤهلاته الثقافية ولا الخلقية‬ ‫بدلا من الوقوف ضدهم وهو بذلك سيجعل أسفل الساسة من الصف الذي يسعى لإعادة‬ ‫النظام بإعادته ديموقراطيا لأن الفشل هذه المرة سيطال جميع من ينبض فيه بقيم‬ ‫الثورة‪ .‬ولا أحد من المتكلمين باسمها في هذه الحزيبات منهم بدليل التسرع الدال على‬ ‫الطمع وليس الإخلاص‪ .‬فلا أحد يمكن أن يثبت بحق إخلاصه للثورة بمجرد الاقوال لأن‬ ‫نسبة الصدق في نسبة عكسية مع المزايدات‪.‬‬ ‫اما بقية المترشحين فلا يستحقون أن أعلق عليهم لأن مجرد ترشحهم مباشرة للرئاسة دليل‬ ‫حمق ومرض نفسي قد يكون استسهالا باسم التشبيب والشعبوية متوهمين أن ما كرون نجح‬ ‫لأنه شاب مثلهم‪.‬‬ ‫لا أحد منهم له مؤهلات ماكرون ولو ذرة ولا سنده في مجتمعه‪ .‬فلا هم قابلون للمقارنة‬ ‫معه شخصيا ولا لهم ما له من سند مستمد من قاعدة شعبية ومن انشطة مقومة لحيوية‬ ‫الأمة الفرنسية‪ .‬فالسند في تونس إن وجد فهو مافياوي وهو يذهب إلى مرشحي الثورة‬ ‫المضادة التي اختارت اصحاب خبرة ليس في السياسة فحسب بل وكذلك في مجالات معترف‬ ‫بها دوليا ولا يكتفون بمجرد الشعبوية والشعارات الثورية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪168‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫سبق أن وصفت البنية العميقة للحكم في النظامين الأساسيين أي الثيوقراطيا (الحكم باسم‬ ‫الله) والديموقراطيا (الحكم باسم الشعب) بالأبيسيوقراطيا (الحكم باسم وثن العجل)‪.‬‬ ‫وقد صادف أن كانت نتائج الانتخابات مؤيدة لهذا الوصف‪ :‬سعيد والقروي‪.‬‬ ‫ودون أن يكون المثال دليلا كافيا فيعتبر برهانا على الرؤية فإنها كذلك ليست من‬ ‫الصدف‪.‬‬ ‫‪ .1‬فلا يمكن تصور ما يجري من دون المافية المالية أي معدن العجل والمافية الأيديولوجية‬ ‫أي خوار العجل مجتمعين اجتماع المرشحين اللذين نجحا في الوصول إلى الدور الثاني في‬ ‫انتخابات تونس‪ .‬ومثلما أن معدن العجل في القصة القرآنية مسروق لأنه أمانة لم ترد‬ ‫لأصحابها فإن تمويل الحملة مسروق لأنه صدقة من أصحابها حوّلها المافيوزي إلى تمويل‬ ‫لحملته التي كان يخطط لها بإيهام الناس أنه يصدق من أجل ابنه‪.‬‬ ‫‪ .2‬ولا يمكن إذن أن ننفي أن القروي يمثل معدن العجل الذي اشترى به رتبته في‬ ‫الانتخابات لأنه منذ ثلاث سنوات يعمل على تكوين قاعدة انتخابية بتمويل في ظاهره خيري‬ ‫وهو في الحقيقة تمويل لحملة انتخابية سابقة لأوانها تبينت الآن حقيقتها للجميع بعد أن‬ ‫علمنا من هي قاعدته الانتخابية‪.‬‬ ‫‪ .3‬لكن ذلك لم يكن مقصورا على المال والإعانات التي توزع على الفقراء بل كان‬ ‫مصحوبا بالخوار الذي جند له فضائية تعمل ليلا نهارا من أجل هذه الغاية وهي خوار كله‬ ‫كذب ورياء ويعتمد على الدعاية والاخبار الكاذبة وثقافة المسلسلات المنحطة وخلط ذلك‬ ‫كله مع دعوى خدمة الفقراء ترحما على ابنه الذي توفاه الله في حادث مرور ولكن بصدقات‬ ‫التونسيين الذين يدعوهم بفضائيته للتصدق ومساعدة الفقراء بواسطته هو‪ .‬فكان إذن‬ ‫يعمل الخير بصدقات غيره في الظاهر ويمول حملته الانتخابية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪169‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪ .4‬لكن الأمر يبدو معكوسا عند رفيقه في الترشح والنجاح للرئاسية الذي حصل على‬ ‫الرتبة الأولى أي إنه ليس بتوزيع المال مباشرة بل بالوعد به وخدمة الفقراء والعدالة‬ ‫الاجتماعية ‪-‬وكلها وعود كاذبة لأن ذلك ليس من مشمولات سلطة رئيس الدولة في النظام‬ ‫التونسي إلا إذا كان ينوي القيام بانقلاب دستوري على رئيس الحكومة وأخذ صلاحياته‪-‬‬ ‫وهو إذن مثل صاحبه يدفع من جيب غيره ويكذب مثله فلا هو استاذ قانون دستوري ولا هو‬ ‫قادر على الوفاء بما يعد لأن ما يعد به ليس من مهامه كرئيس‪ -‬فيكون خوار العجل عنده‬ ‫مقدما عنده على معدن العجل حتى وإن كان وعودا وليس مثل الأول أفعالا‪.‬‬ ‫‪ .5‬وبذلك فكلاهما استعمل البنية العميقة للنظام الثيوقراطي بخطاب ديني بين ولعله‬ ‫بسند خفي من نظام ثيوقراطي كلنا يعلم دسائسه (الثاني) والعلماني المافيوزي في‬ ‫الديموقراطية التابعة والنظام الثاني يمكن لزعماء المافية أن يحكموها (صاحب الحملة‬ ‫الخيرية والاعلامية شروط أحد زعماء المافية الإيطالية)‪.‬‬ ‫فتكون الحالة التونسية في هذه الانتخابات تمثل عينة مما عرفته بالبنية العميقة لنوعي‬ ‫الحكم إما باسم الله والدين أو باسم الإنسان والمال‪ :‬والرمز هنا هو التقوى الزائفة التي‬ ‫للخداع وهي تقية وليست تقوى أما المال فهو بنفسه رمز القوة التي تصبح من جنسها عندما‬ ‫تقدم بصفة اعمال الخير‪ .‬وهذان هما معدن العجل أو الذهب وخوار العجل أو الإعلام‪.‬‬ ‫أعلم أن القارئ العربي لا يعنيه الكلام في البنى العميقة للسياسة لأنه يتصورها أمرا‬ ‫مزاجيا ويتوهم أن ما حدث في تونس ليس إلا تعبيرا عن حرية الشعب حتى لو كان يعلم‬ ‫العكس تماما إذ ما وصفت هنا لا يجهله أحد على الاقل بالنسبة إلى القروي‪ .‬وحتى الثاني‬ ‫فلا يجهل أمره إلا من يتجاهل الاختراقات التي تنخر كيان تونس السياسي والثقافي وخاصة‬ ‫الإعلامي والمالي‪ .‬وطبعا من يقول ذلك ينسى أمرين‪:‬‬ ‫• الأول هو أن الثقافة الديموقراطية ما تزال في تونس جنينية ومن ثم فلا أحد ينتظر‬ ‫أن تكون فعلا في شكل يمثل بحق ما نتمنى أن تكون عليه‪ .‬فأوروبا خاصة والغرب عامة لم‬ ‫يصل إلى الديموقراطية العامة إلا بعد المرور بمراحل كلنا يعلمها ولم يكن الناخبون كل‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪170‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫الشعب بل تدرج التعميم بتدرج أمرين‪ :‬الوعي الشعبي بالحقوق والواجبات‪ ،‬والمستوى‬ ‫الاقتصادي والاجتماعي الذي يقلل من استعمال المال القذر والإعلام المغالط‪.‬‬ ‫• أن تونس وكل البلاد العربية ليست بمنأى عن أمر طال حتى أمريكا‪ .‬فإذا كانت روسيا‬ ‫قد استطاعت أن تتدخل في انتخابات امريكا فإن دولنا التي هي أشبه بالمحميات الفاقدة‬ ‫للسيادة مخترقة إلى حد يجعلها قطعة جبن كل من هب ودب يخترق أحزابها ومؤسساتها‬ ‫وخاصة ذراعا الاستعمار في الإقليم أي إسرائيل وإيران مع الاستعمار ومع ذيوله وذيول‬ ‫ذراعيه من الأنظمة العربية المعادية للثورة ولحرية الشعوب‪.‬‬ ‫وكل من يتصور أن من جرى هو من المعجزات التي تنتج عن إرادة الممثلين النظاف أمر‬ ‫يكذبه نجاح القروي أو من الممثلين ألأقدر أمر يكذبه نجاح سعيد الذي ليس له خبرة‬ ‫سياسية اصلا ولم يكن مشاركا في الحكم بالفعل بأي مستوى منه أو بالحكم بالقوة ‪-‬المعارضة‪-‬‬ ‫في وقت لا قبل الثورة ولا بعدها‪ .‬ذلك أن المشاركة في المظاهرات التي تلتها لم تكن مشاركة‬ ‫في معارضة بل هي عمل شعبي شارك فيه تقريبا كل الشعب وخاصة المثقفون والنقابيون‬ ‫وأصحاب المهن الحرة‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪171‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫لا يمكن أن يوجد في تونس أو في الاقليم ممن يتابعون الشأن السياسي على الأقل منذ‬ ‫الربيع العربي من يجهل أني أكثر الناس حرصا على المساهمة في عمل الإسلام السياسي‬ ‫وأكثرهم نقدا لبعض تصرفات قياداته‪.‬‬ ‫لكن حرصي المضاعف هذا لا يعني أني أنكر فضل حركات الإسلام السياسي عامة‬ ‫والنهضة خاصة على الأمة على الأقل منذ بداية الربيع‪ .‬فكل ما يجري في الإقليم من‬ ‫علامات الاستئناف تدين به الأمة لرجال هذه الحركات ونسائها بكل أجيالهم ومنذ قرن‬ ‫كامل على الاقل‪.‬‬ ‫لكن حركة النهضة صارت اليوم ضحية ظلم ذوي القربى‪ .‬وهو الأشد مرارة من ظلم‬ ‫أعدائها الذين يعلمهم القاصي والداني‪.‬‬ ‫لذلك يبنغي أن أشرح علة وصفي إياها بـ\"سفينة نوح\" للربيع العربي ليس في تونس‬ ‫وحدها بل في كل الإقليم وربما في العالم الإسلامي كله‪.‬‬ ‫وما حدث في تونس بفضل دور النهضة مثال ينبغي أن يحتذى به‪.‬‬ ‫كان من المفروض أن يكون مثالا يحتذيه جميع الإسلاميين في بلاد العرب للوصول إلى ما‬ ‫تحقق في تونس من بداية مشجعة للمسار الديموقراطي‪.‬‬ ‫فأولا كل الذين يدعون تمثيل الثورة في تونس يدينون بوجودهم لبقاء الربيع فيها‪.‬‬ ‫ومن تقدم عليه من المعارضة لبورقيبة استوعبها ابن على فصار جلها \"صبابة\" نظام السابع‬ ‫من نوفمبر أو على الأقل تربية نظامه و\"مثقفيه\" من جنس ك ّتاب \"الثورة الهادئة\"‪ .‬وهم‬ ‫إلى الان من توابع مافية ابن علي أعني ما يسمى باليساريين والقوميين والعلمانيين ممن‬ ‫قفزوا من أقصى البداوة إلى التظاهر بأقصى الحضارة‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪172‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫ولذلك فهم أشد الناس على النهضة رغم أن بقاءهم نفسه شرطه بقاء دورها في حماية‬ ‫الربيع لأن الثورة كان يمكن أن تتحول إلى عنف فيصفيهم مثيلهم في الحركات الإسلامية‪.‬‬ ‫فالثورة كان يمكن أن تكون حربا أهلية بين من حولوا الحداثة السطحية إلى سلفية ظلامية‬ ‫ومن حولوا الأصالة السطحية إلى سلفية ظلامية‪.‬‬ ‫وكان الأمر سيكون من جنس ما حدث في إيران لما أخذ الخميني الحكم فكانت تصفية‬ ‫الظلامية الملالية للظلامية الشيوعية في إيران أو ما يحدث في سوريا أو ما يحدث في اليمن‬ ‫و ما يحدث في ليبيا و ما حدث في العشرية السوداء في الجزائر‪.‬‬ ‫لكن هؤلاء الذين لم يصبح لهم وجود سياسي إلا بفضل بقاء الربيع في تونس \"مزروبون\"‬ ‫أعني فتات حزب المرزوقي وحزب الشابي وحزب ابن جعفر وحزب ابن علي وبعض من‬ ‫يريد أن ينضم إلى ركبهم من جنس \"هاني معاكم لا تنسوني\"‪ .‬كل هؤلاء لم يكن لهم ذكر‬ ‫أو وزن سياسي‪ .‬لكن النهضة مدت لهم يدها حتى لا يكون تمثيل الثورة بالإرادة الشعبية‬ ‫مقصورا عليها خاصة‪.‬‬ ‫وكان يمكنها بما حصلت عليه أن تفعل ما فعل الإخوان في مصر ما جعل الصراع يصبح‬ ‫داميا دون أن يكون ذلك بإرادتهم بل كان مؤامرة الجيش والنخبة اليسارية والقومية‬ ‫وخاصة السلفية والمسيحية التي ارادت الفشل للثورة‪.‬‬ ‫لكن هذه المؤامرة لم تجد آذانا صاغية من جيشنا الوطني الذي كان مع الحكومة الاولى‬ ‫للربيع الحامي الثاني للمسار الثوري في تونس‪ :‬وقد كنت شاهد عيان للتعاون على الامن‬ ‫الوطني بثقة متبادلة مطلقة بين السلطة التنفيذية وقيادات الجيش والامن الوطنيين‪.‬‬ ‫وما كنت لأكتب هذا النص لو لم تفض الكأس من سماع من يذهبون إلى اعتبار النهضة‬ ‫من السيستام لأنها ضحت في مهادنة ليس خوفا منه بل أخذا بعين الاعتبار لما كان يمكن أن‬ ‫يقضي على التجربة الوحيدة ذات النجاح النسبي في ثورة الربيع‪ .‬فلما أسمع جل الصبابة‬ ‫يزايدون على من دفعوا جل شبابهم في الصراع الذي كان داميا وهم في خدمة مافية ابن‬ ‫علي يتفاحلون حاليا للكلام على السيستام وما يضاده لم يعد بوسعي أن أقبل هذه المهازل‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪173‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫فما أقوله في قيادات الحركة ليس للمس منهم أو من دورهم بل الهدف هو الاعداد‬ ‫للمستقبل لأن الأحزاب لا تبقى إلا بما تبقى به الحياة أعني تداول الأجيال‪ :‬وقد حان‬ ‫أوان اعداد الجيل الخالف لبقاء الحركة دون التخلي عن الجيل السالف الذي يصبح ممثلا‬ ‫لجيل الرمز المتابع لجيل الفعل‪ .‬فيكون الجيل السالف مسددا لفعل الخالف وتلك هي‬ ‫الحياة‪ .‬فالآباء المؤسسون هم من يعد الأبناء المواصلين لما أسسوا له‪ .‬ومجرد قيامهم بهذا‬ ‫الدور يزيد من منزلتهم الخلقية فيصبح للجيل الخالف رموزا يعتد برأيها ولا يعمل من‬ ‫دون الاستفادة من خبرتها ومشورتها‪.‬‬ ‫أما أن يتطاول \"المفرخة \" على الحركة الوحيدة التي ضمنت لتونس بقاءها رغم الأمواج‬ ‫العاتية في الزوبعة التي يمر بها الاقليم فإن الواجب يقتضي أن أقول إن حركة النهضة ‪-‬‬ ‫كما قلت في بداية مشاركتي المستقلة في العمل السياسي ‪ -‬هي قمة الإصلاح في الإسلام‬ ‫السياسي الذي سيجد في تجربتها طريق السلامة لتحقيق شروط الاستئناف‪ .‬وهي بهذا المعنى‬ ‫\"سفينة نوح\" بكل معاني الكلمة‪.‬‬ ‫وحتى موافقتي على قرارها التصويت لسعيد‪ ،‬رغم رفضي لرؤاه وعلمي بعدم أهليته‪،‬‬ ‫فهي لأني أعتقد أن ذلك ليس لقناعة بأنه الرجل المناسب‪ ،‬بل لأنها تريد أن تحول دون أن‬ ‫يستغله أعداء الثورة والأمة فتكون مرة أخرى الحرز الحامي للثورة وللوطن وللأمة‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪174‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫الوسط بين رذيلتين مفهوم أرسطي يعرف به الفضائل‪.‬‬ ‫اعتمده الكثير من السياسيين مع غياب المطلوب من التعريف الأرسطي أي الفضائل‬ ‫وبقيت الرذيلتان‪.‬‬ ‫ومن دون الانطلاق من الفضيلة لا يمكن تحديد الرذيلتين اللتين يمكن أن تحرفاها‪.‬‬ ‫لذلك فأرسطو لا يحدد الفضيلة بالوسط بل يحدد بها تحريفي القيمة التي تبدو وسطا‬ ‫وهي ذروة التحرر بتعاليها من الانحطاط الذي ينتج عن تحريفيها فيجعلانها رذيلة‪.‬‬ ‫وهو قياس على الهندسة لأن أرسطو يقيس التحليل الخلقي على التحليل الرياضي عامة‬ ‫والمفهومات على المفهومات‪.‬‬ ‫• فالزاوية القائمة هي المعيار‬ ‫• وما دونها يسمى حادة‬ ‫• وما فوقها يسمى منفرجة‬ ‫• وكلاهما ابتعاد عن المبدأ في تعريف الزاوية عامة لأنها تسمى الحادة بكونها ما دون‬ ‫القائمة والمنفرجة ما فوقها‪.‬‬ ‫وهذا المعنى يطبق على الفضيلة التي تعرف الاستقامة الخلقية والحسن الجمالي‬ ‫بتحريفهما بما هو دونهما افراطا أو تفريطا‪.‬‬ ‫لكن سياسيي تونس يقصدون ما يسمونه الظلامية الإسلامية ويقابلونها بالتنويرية‬ ‫العلمانية أي بتطرفهم الذي لا يعترفون بكونه أشد رذالة من كل الرذائل فيبحثون عن‬ ‫وسط بينهما أي تماما عكس هدف ارسطو‪.‬‬ ‫فأولا هم يعتبرون الإسلام ظلامية والعلمانية فضيلة وهم ليسوا وسطيين لا في الاسلام‬ ‫دين شعبهم ولا في العلمانية دين سادتهم الذين يحركونهم كالدمى‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪175‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫ومن ثم فهم لا ينطلقون من رذيلتين بل مما يعتبرونه رذيلة أي حكم الإسلاميين ومما‬ ‫يعتبرونه فضيلة أي حكم العلمانيين‪.‬‬ ‫ولا معنى حينئذ للكلام على العائلة الوسطية لأن الوسط يقتضي حدين يتوسط بينهما‪.‬‬ ‫وكلا الوصفين للحكم باسم الإسلام والحكم باسم العلمانية لا يطابقان الموجود في الساحة‬ ‫السياسية‪.‬‬ ‫فالأولون لم يحكموا بالإسلام والثانون لم يحكموا بالعلمانية بل هم أكثر الناس استعمالا‬ ‫للإسلام إما إيجابا أو سلبا بحسب الحاجة التي تناسب من يستعملهم لأنهم دمى‪ .‬فعندما‬ ‫احتاجت أمريكا للإسلام في افغانستان وللمسيحية في أوروبا الشرقية ضد السوفيات حالفت‬ ‫الانظمة الدينية‪.‬‬ ‫وإذن فالكلام على الوسطية لا معنى له عند سفهاء الأحزاب التونسية التي لا تريد أن‬ ‫تحدد حقيقتها أعني أنها أحزاب مافيات داخلية في خدمة مافيات أجنبية‪.‬‬ ‫كل الكلام على الوسطية في المسرح السياسي التونسي من أوهام النخب التي تمثل‬ ‫الانحطاط الإسلامي والانحطاط الحداثي‪ .‬وطبعا الوسط بين انحطاطين هو ذروة هي‬ ‫الانحطاط عندما لا يكون المطلوب من التوسط الخروج من تحريف الفضيلة بالمعنى‬ ‫الأرسطي‪.‬‬ ‫ولما كان الإكثار من الكلام على الوسطية اليوم في تونس على الأقل مقصورا على من لم‬ ‫يجدوا لهم مكانا في الفضيلتين اللتين يمكن أن يعرفا السياسة قياسا على الاخلاق لأن‬ ‫السياسة هي أخلاق الجماعة سواء كانت فاضلة أو راذلة لم يبق لهم إلا الاسترذال بجعل‬ ‫السياسة حربا على الأراذل بأرذل ما يوجد في الجماعة إرادتها ومعرفتها وقدرتها وذوقها‬ ‫ووجودها‪ .‬وتلك هي حال السياسية في بلاد العرب لأنهم جعلوها تابعا بنيويا بسبب ما حل‬ ‫بدار الإسلام من تفتيت جغرافي وتشتيت تاريخي يجعلها كلها محميات وليست دولا‪.‬‬ ‫وحتى لا يكون لكلامي ما يتهم به عادة من التجريد فلأعين‪:‬‬ ‫ففي تونس وعملا بطبيعة التحزب السياسي من المفروض ألا يوجد إلا‪:‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪176‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫• اليمين (أي الرأسمالية المتوحشة)‬ ‫• واليسار (أي الاشتراكية المتوحشة)‬ ‫• ويسار اليمين (أي الوسطية التي تعدل مبدأ التوحش الاول بشيء من مبدأ التوحش‬ ‫الثاني للحصول على تحرر من توحشهما)‬ ‫• ويمين اليسار (نفس الغاية أي الوسطية التي تهدف لنفس الغاية ولكن بالعكس أي‬ ‫تعديل مبدأ التوحش الثاني بشيء من مبدأ التوحش الأول)‪.‬‬ ‫لكن الوسط بينهما لا يهمه التعديلان بل هو يتبع الأقرب إلى ربح المعركة في الساحة‬ ‫السياسية ولذلك فهو حليف الغالب وهو إذن تابع للتوحش الغالب‪.‬‬ ‫ماذا عندنا في تونس؟‬ ‫كل من ليس من الستالينية (أدعياء اليسار ومعهم أدعياء القومية) وليس من الإسلام‬ ‫الراديكالي (السلفيات) ومن المافية الراديكالية (بقايا نظام ابن علي) وليس من بقايا‬ ‫الثعالبية وليس من بقايا البورقيبية حقا لا ادعاء يسمون أنفسهم وسطية ويتبعون من‬ ‫يرونه الاقرب لربح المعركة‪.‬‬ ‫وطبيعي أن يكون أغلبهم أميل إلى بقايا البورقيبية ليس حبا في بورقيبة بل لأنهم‬ ‫يتصورونه درعا ضد الإسلاميين ولأن مموليهم من المافية الراديكالية المحلية والإقليمية‬ ‫والدولية يتصورون هذا النهج هو الاقرب لمنع الشعب من التعبير الصادق عما يريد‪.‬‬ ‫وهذه التوصيفة ليست خاصة بتونس بل هي المسيطرة في كل بلد عربي ويريدون تنفيذها‬ ‫بقوة المال والسلاح إن لزم الأمر في كل بلد عربي ذاق نسائم ما يسمى بالربيع التي يمكن‬ ‫أن تعتبر بداية الخروج من الاستثناء التاريخي في العالم‪ .‬فالمعلوم أنه لم يبق فيه من هو‬ ‫خارج الرؤية الديموقراطية للحكم إلا‪:‬‬ ‫‪ .1‬بقايا الرأسمالية القبلية المتوحشة دون عمل (اصحاب البترول)‬ ‫‪ .2‬وبقايا الأنظمة العسكرية العربية التي تدعي تطبيق الاشتراكية المتوحشة أي‬ ‫العبودية الجديدة‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪177‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪ .3‬ومثلها العليا هي روسيا بوتين‬ ‫‪ .4‬أو الصين‪.‬‬ ‫‪ .5‬وبذلك نفهم المقصود بالوسطية في تونس‪ :‬إنها كل من ليس إسلاميا حديثا ولا بورقيبيا‬ ‫أصيلا ولا من فهم تطور الرأسمالية التي صارت أحزابها يسار اليمين لتعديل الميل‬ ‫الاقتصادي ولا من فهم تطور الاشتراكية التي صارت أحزابها يمين اليسار لتعديل الميل‬ ‫الاجتماعي‪ :‬هم إذن الوسط بالمعنى الجامع للرذائل وليس للفضائل السياسية‪.‬‬ ‫ذلك أن الوسطية بالمعنى الأرسطي في الأخلاق والقابلة للتطبيق في السياسية هي ما حصل‬ ‫من تعديل للدافع الاقتصادي بالدافع الاجتماعي أو للدافع الاجتماعي بالدافع الاقتصادي‬ ‫وسطا بين التوحشين اللذين هما رذيلتان أولاهما تحول دون العلة الغائية للاقتصاد أعني‬ ‫البعد الاجتماعي شرط العيش المشترك السلمي في الجماعة والثانية تحول دون العلة‬ ‫الفاعلية للاقتصاد أي دوافع الانتاج المستجيب للحاجات الإنسانية العضوية والروحية‪.‬‬ ‫لكن ما يجري في السياسة العربية عامة والتونسية خاصة هو أن العيش المشترك السلمي‬ ‫والانتاج المستجيب للحاجات ليس هم السياسة لأنه لا وجود لاقتصاد مبني على قوانينه‬ ‫وسننه فمن يعتبرون أنفسهم اغنياء دخلهم الوحيد تحكمه شركة ‪-‬مثل سوناتراك في‬ ‫الجزائر وشركة البترول السعودية إلخ‪ ..‬ومن يعتبرون فقراء يعيشون على فضلات‬ ‫اقتصاد المستعمر وليس لهم اقتصاد مستقل‪ .‬ومن ثم فكل دول العرب شبه دولة راعية‬ ‫بالحد الأدنى من شروط الحياة الدنيا أي توزيع الحد الأدنى من العيش النباتي‪.‬‬ ‫وإذن فالمعركة السياسية لا علاقة لها بالإنتاج الاقتصادي ولا الثقافي ولا خاصة بعلاقة‬ ‫الاجتماعي بالاقتصادي والاقتصادي بالاجتماعي إلى بهذا الحد الأدنى لكي يحظى الحكام‬ ‫بشروط البقاء والنهب مع المستعمر لكل ثروات البلاد فضلا عن كونها فصلت بصورة تجعلها‬ ‫عاجزة عن التخلص من التبعية في ظرف لا تكون الدول قادرة على التنمية الاقتصادية‬ ‫والثقافية إلا إذا كانت بحجم يمكن من ذلك أو كونت مجموعة تعمل معا مثل أوروبا ومثل‬ ‫جنوب شرق آسيا‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪178‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫فكل ما يسمى دولا عربية هي محميات وليست دول وكل الساسة العرب يكذبون على‬ ‫شعوبهم لما يدعون أنهم هم الحكام الفعليون وليسوا مجرد دمى تحركهم مافيات داخلية‬ ‫تابعة لمافيات خارجية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪179‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫رأيت الكثير من المعلقين يسخرون من مرشح الوطد الذي هنأ الشعب برأس السنة‬ ‫الهجرية‪ .‬فعجبت لأمرهم‪ .‬هل لأن الرجل فهم أنه من الحمق السياسي أن يتقدم مترشح‬ ‫لشعب ثم يواصل معاداة ثقافاته ومعتقداته ويأمل في النجاح إذا لم يكن إما أحمقا سياسيا‬ ‫أو عميلا لقوة أجنبية سواء كانت هذه القوة هي المستعمر السابق أو عملاء من أخذ مكانه‬ ‫سواء كان من الغرب أو من الشرق تسنده لأنها اختارته دكتاتورا بديلا من الذي أسقطه‬ ‫الشعب؟‬ ‫ومثلما سبق فحييت \"صدق\" اليساريين الذين واصلوا على الاقل في الاقوال التشبث‬ ‫بإيدلوجيتهم التي تؤمن بالوصاية على الشعوب وإيصالها إلى جنة الشيوعية رغم أنوفهم‬ ‫وتحدوا عقائد الشعوب فلم ينافقوا لما كان المناخ السياسي العام لا يعير اهتماما لرأي الشعب‬ ‫إذ الجميع كان يحكم بالعنف والاستبداد فإني اليوم أحيي مبادرة الرحوي الذي أراد‬ ‫بمناسبة رأس السنة الهجرية تغيير اسلوب اليسار في التعامل مع ثقافة الشعب‪.‬‬ ‫فهذا الموقف يعبر عن تحول ينبغي أن يفرح أي مؤمن بالديموقراطية‪ :‬فهو يعني أنه بدأ‬ ‫يدرك استحالة حكم شعب سلميا وديموقراطيا من دون المصالحة مع معتقداته الأساسية‪.‬‬ ‫وقد يصبح هذا التحول من موضوعات التنافس بين أحزاب اليسار والقوميين الذين‬ ‫سيتخلون عن حماقة معاداة معتقدات الشعب إذا صاروا فعلا يؤمنون بالديموقراطية‪ .‬ولا‬ ‫أحد يطالبهم بأن يكونوا إسلاميين فعقيدة الفرد له وحده لكن احترام عقائد الشعب من‬ ‫شروط التقدم لقيادته في معاركه السياسية‪.‬‬ ‫ثم إن معتقدات الشعب ليست بالضرورة إسلامية فالكثير منها بمعيار الفقه الإسلامي‬ ‫وثنية‪ .‬لكنها تكل هي ثقافته ولا يمكن تغييرها بعنف الدولة بل بالتربية والخطاب‬ ‫السياسي المستنير‪ .‬والقضية ثقافية اجتماعية بالأساس وهي من مهام المجتمع المدني وليست‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪180‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫من مهام السياسة إلا عندما تصبح مصدرا لإشكال سياسي فتحسم بالعودة إلى الشعب كما في‬ ‫حالة مشروع السبسي في تغيير الفرائض لأن المس بها باستعمال قوة الدولة ليس من الحكمة‬ ‫السياسية في الأنظمة الديموقراطية لأن ذلك قد يصبح تقسيما للشعب بين حاكم متجبر‬ ‫وشعب يقبل كرها ما يفرض عليه تماما كما كان يفعل المستعمر معه باعتباره انديجان وليس‬ ‫شعبا حرا يختار قيمه بنفسه‪.‬‬ ‫وكذلك ينبغي أن تعالج كل القضايا التي لها صلة بالقيم الأساسية التي يؤمن بها شعب‬ ‫من الشعوب بوصفه شعبا حرا في كل بلد ديموقراطي يعتبر الوصول إلى حكمه لا يكون إلا‬ ‫باختياره الحر وليس بالعنف ولا خاصة بالاستقواء بقوة أجنبية سواء كانت استعمارية سابقة‬ ‫أو من أعراب الثورة المضادة أو منهما معا للأولى القوة وللثانية التمويل‪.‬‬ ‫اخترت هذه المناسبة للكلام على نوعين كلاهما يدعي الديموقراطية والحداثة ويتصور‬ ‫أصحابهما أنفسهم زعماء كبار انتفخت أوداجهم اعتمادا على استبيانات رأي مغشوشة‬ ‫فصاروا يولون ويعزلون في خيالهم وكأن أوهامهم تعطيهم قوة سياسية فعلية بقاعدة شعبية‬ ‫لا تتجاوز المصفقين للعنتريات ضد مافيات الفساد ولا يدرون أن عنترياتهم هي في خدمتها‬ ‫لأنها تحتاج إلى \"طهورية\" الأبواق في المجالس العلنية و\"أخمج\" ما يكون في المجالس السرية‪:‬‬ ‫• الأول للزعم بأنهم يقدمون الدستور على الإسلام في مسألة الفرائض خاصة وعلى‬ ‫معتقدات الشعب‪.‬‬ ‫• والثاني يتبرأ من التوافق مع النهضة وهذا من حقه لكنه يزعم أن الإسلام السياسي‬ ‫لا مستقبل له‪.‬‬ ‫فأن يقول من يجمع عليه شقوق حزب السبسي أنهم جربوا التوافق ووجدوه غير مفيد‬ ‫وأنهم قرروا أن يتخلوا عن هذه السياسة ويريدون أن يحكموا وحدهم معترفين لغيرهم‬ ‫بحق المعارضة الحرة قد أفهم ذلك‪ .‬ففيه عودة إلى أصل التداول الديموقراطي‪ .‬فبوسعهم‬ ‫أن يعتبروا ما حصل كان خطأ وأنه ربما علة تمزق حزبهم أو على الأقل فمن حقهم أن‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪181‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫يعتقدوا ذلك‪ .‬ولهم شيء من الحق في مثل هذا الدعوى لأن لهم شروط موضوعية تجعلهم‬ ‫ربما قادرين على الحصول على الأغلبية‪.‬‬ ‫ومثلهم يمكن للإسلاميين إذا اتحدوا أن يزعموا نفس الزعم فيقررون بنفس المنطق أن‬ ‫يقولوا تونس تجاوز الصراع ويمكن الآن أن نشرع في التداول الديموقراطي وسنحاول‬ ‫الحصول على الأغلبية‪ .‬وهم على حق لأن لهم قاعدة ربما تضاهي قاعدة الطرف الذي‬ ‫كانوا يشاركونه الحكم ولو رمزيا‪ .‬وقد أفهم ذلك أيضا‪.‬‬ ‫لكن أن يأتي من قاعدته لا تتجاوز فتات أحزاب لم يكن لها وزن لا قبل الثورة ولا بعدها‬ ‫أو ليس له قاعدة أصلا عدا بعض المنتفعين من مرحلة حكمه الوجيزة فذلك من علامات‬ ‫أحد أمرين وتفاعليهما على النحو التالي‪:‬‬ ‫‪ .1‬إما الحمق السياسي الذي يتدثر بالطهورية الثورية والتي من علاماتها انتفاخ‬ ‫الاوداج بالأصوات العالية والأحكام القاطعة على معركة الفساد التي هي من أعسر المعارك‬ ‫ولا يمكن لأنها ليست معركة يكفي فيها شرعية الصندوق حتى لو حصلت بل لا بد فيها من‬ ‫قوة سياسية ذات قاعدة عريضة يعتمد عليها الحكم السياسي لمنازلتها‪.‬‬ ‫‪ .2‬أو العمالة التي تتدثر بالكفاءة التكنوقراطية والتي تستأسد على الشعب بالاعتماد‬ ‫على قوة أجنبية لعل صاحبها حاصل على جنسيتها والولاء لمصالحها قبل مصالح الشعب الذي‬ ‫يريد أن يحكمه رغم أنفه بكل وصائل الترهيب والتجويع الذي يؤدي إلى التبعية والقبول‬ ‫بالمساعدات المذلة خلال الحملات الانتخابية‪.‬‬ ‫‪ .3‬وغالبا ما ينتهي الأول إلى الثاني لأن الحمقى من الساسة تحتاج إليهم المافيات بدائل‬ ‫تخفي بأقوالهم ما تريده من أفعالهم في ما \"احترقت\" فيه أدواتهم السابقة التي اكتشف‬ ‫الشعب أوساخها فتحتاج إلى \"طهوريين\" يكثرون الكلام على محاربة الفساد بل ويزعمون‬ ‫أنهم منعوا منه في بداية حياتهم السياسية التي ما كانت لتبدأ لولا هؤلاء الذين‬ ‫يستقذرهم‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪182‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪ .4‬وغالبا ما يزعم الثاني أنه من كبار الخبراء ومن التكنوقراط في البيع والشراء‬ ‫المغشوشين على حساب شعبه حتى يكون أداة مفضلة لدى شركات النهب النسقي لثروات‬ ‫وطن لم يعد الولاء له يتجاوز الأقوال لأن ولاء الافعال هو للوطن البديل بمنطق الولاء‬ ‫والبراء المطلوب ممن يتفضلون عليه بالجنسية‪.‬‬ ‫‪ .5‬وفي الغاية فنحن أمام طبقة سياسية تدعي الديموقراطية والوطنية وهي معادية‬ ‫لثقافة شعبها ولمصالح وطنها شرطين في الحصول على سند المافيات التي تحتاج إلى دثارين‬ ‫تخفي بهما لعبتها‪ :‬الطهورية الثورية في محاربة الفساد بالأقوال دون شروطه في الأفعال‬ ‫والخبروية التكنوقراطية في بناء النهوض بالأقوال مع تهديمها بالأفعال خدمة لسادتهم‬ ‫الذين عينوهم في هذه المهمة‪.‬‬ ‫ومن اراد أن يفهم الرؤية التي تحكم هذه الحالات الأربع واصلها الخامس فلينظر في‬ ‫قائمات \"القوادة\" من المناشدين‪-‬وقد بدأنا نرى بعضها‪ .‬فهم \"اخصياء\" السياسة من‬ ‫العائشين على فتات موائدها أي من يعتبرون أنفسهم مثقفين والذين هم حاضرون في كل‬ ‫محضر لأنهم من نجوم الرسميات يطبلون لمن يعتبرونه الأقوى في حماية منافعهم التي‬ ‫شعروا بأن الثورة بدأت تهددها أعني أصحاب الاقطاعيات المزعومة أكاديمية أو فكرية أو‬ ‫فنية أو بصورة عامة ثقافة يزعمون لها الحداثة وهي في الحقيقة \"حدوثة\" بالمعنى المصري‬ ‫للكلمة‪ :‬هم باعة الفريب الفكري في بلاد \"الأنديجان\" كما يتصورون شعوبهم‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪183‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫أسمع المرشحين الممثلين لأكبر تيارين سياسيين في تونس يتكلمان على المصالحة بصورة‬ ‫عامة دون أن يحدد أي منهما ما يقصده بها‪ .‬لكنه مع ذلك أمر محمود لأن فيه عزما على‬ ‫تجاوز الماضي وقلب صفحة قريبه وبعيده للالتفات إلى المستقبل‪.‬‬ ‫لكن لا بد من تحديد القصد بالمصالحة الكفيلة بتحقيق ذلك والجواب عن السؤالين‬ ‫التاليين‪:‬‬ ‫• فبين من ومن تكون المصالحة؟‬ ‫• وبماذا تتعلق المصالحة المنشودة؟‬ ‫لما كان كلام الرجلين عليها عاما وخاليا من الجواب عنهما سأكتفي بالافتراض الذي‬ ‫يستنتج منطقيا من طبيعة نسبتهما إلى صفين هما بدورهما بصدد التحدد وإن بدوا‬ ‫محددين‪:‬‬ ‫‪ .1‬سأفترض أن المرشح الذي يقدم نفسه أو يقدمه الظرف على أنه وريث السبسي الذي‬ ‫يدعي أنه وريث بورقيبة فيكون هو وريث الوريث حتى وإن تقدم كمستقل‪ :‬وأعني الدكتور‬ ‫الزبيدي‪.‬‬ ‫‪ .2‬وسأفترض أن المرشح الذي يقدم نفسه أو يقدمه الظرف دون تحديد موروثه إلا‬ ‫بصورة غير مباشرة من خلال اعتباره مرشح النهضة لأنه لم يتقدم كمستقل‪ :‬وأعني‬ ‫الأستاذ مورو‪.‬‬ ‫أما بقية المرشحين فينقسمون إلى فصيلتين ولا أحد منهم يبدو من دعاة المصالحة بل كلهم‬ ‫من دعاة المحاسبة لأنهم منحازون إما إلى الثورة أو إلى ما قبلها رغم أن الموضوعات‬ ‫السياسية الأخرى التي تتعلق بالتنمية وبعدها الاجتماعي مشتركة بينهم وبين المرشحين‬ ‫اللذين سأتكلم على رؤيتهما للمصالحة‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪184‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫• والفصيلة الأولى هي فصيلة من كانت مشاركتهم في الحكم كافية لبيان عجزهم عن‬ ‫تحقيق شيء ملموس في علاج مشاكل الوضعية التونسية‪ .‬وإذا اعتمدنا على حصيلة تجربتهم‬ ‫فإنهم لا حظ لهم في هذه المنافسة الانتخابية‪.‬‬ ‫• والفصيلة الثانية هي فصيلة من ليس لهم تجربة سياسية وكان يمكن أن يكون لبعضهم‬ ‫حظ لو كانت لهم قاعدة شعبية وهو شرط لا يتوفر حاليا لأي منهم ولا معنى لفعل سياسي‬ ‫من دون قاعدة شعبية حاصلة أو ممكنة الحصول‪.‬‬ ‫ولذلك فسأكتفي بالكلام على هذين المرشحين اللذين يتميزان بكونهما من ذوي الخبرة‬ ‫دون مشاركة في تجربة الحكم التي صارت بؤرة التقييم لأنها تبدو وكأنها تغطي على عيوب‬ ‫ما تقدم عليها رغم أنها في الحقيقة هي أصل الداء‪.‬‬ ‫وسأحاول بيان المفارقة في الترشحين وفي تحديد طبيعة المصالحة المسكوت عنها لأصل إلى‬ ‫المصالحة المصرح بها عند كلا المشرحين‪ .‬وأبدأ بالمفارقة البينة لكل ذي بصيرة أعني‬ ‫بالمصالحة المسكوت عنها‪:‬‬ ‫فالذي يتقدم على أنه مستقل عن الأحزاب هو في الحقيقة مرشح كل شقوق حزب‬ ‫السبسي لأنهم يعتبرون ترشحه فرصة لتوحيد صفهم ومن يتردد في الانضواء تحت لوائه‬ ‫سوف ينتهي إلى لا شيء‪.‬‬ ‫والذي يتقدم على انه مرشح حزب هو في الحقيقة مرشح مستقل حقيقة لأن الحزب الذي‬ ‫يدعي ترشيحه له قيادة تتكلم بصوت مختلف تماما عن صوته ولذلك فترشحه في الحقيقة‬ ‫تعبير هش عن درء صدع لم يعد بالوسع إخفاؤه‪.‬‬ ‫وإذا فاز الأول فيسكون بفضل وحدة الزعامة التي تحقق المصالحة بين الشقوق في حزب‬ ‫السبسي‪ .‬وإذا فشل الثاني فستكون علة الفشل ازدواج الزعامة في تشقق حزب النهضة‪.‬‬ ‫وهكذا فنحن أمام مشروعين للمصالحة مصرح بهما‪ .‬أحدهما يمثله الزبيدي وريث‬ ‫الوريث للمشروع البورقيبي‪ .‬والثاني يمثله مورو الذي ليس له وسيط بين مشروعه‬ ‫ومشروع ضمني لم يعلن عنه لكنه بين من خلال تكوينه بوصفه صادقيا حاز على الثقافة‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪185‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫الزيتونية ما يعني أنه ذو صلة مباشرة بلحظة أولى في الحركة الوطنية التي لم يكن بورقيبة‬ ‫بعد قد انفصل فيها عن الأصل المشترك لهذه الحركة‪ :‬شباب تونس الذي كان يجمع بين‬ ‫الثقافتين الأصيلة والحديثة بعيد الحرب العالمية الأولى التي كانت بداية حركات التحرر‬ ‫في العالم انطلاقا من مشروع ولسون‪.‬‬ ‫المشروع الأول‪ :‬مشروع المصالحة شبه المستحيلة التي يصرح بها الزبيدي‪:‬‬ ‫وأبدأ بالدكتور الزبيدي الذي يتكلم على المصالحة بالمعنى الذي كان يتكلم عليه السبسي‬ ‫وهي إذن مصالحة أعتقد أنها مستحيلة لانعدام شروطها التي سابين‪ .‬فالسبسي يضمر أن‬ ‫مرحلة ابن علي مواصلة لمرحلة بورقيبة‪ .‬وهذه كذبة بينة‪ .‬ففي عهد بورقيبة مهما قيل فيها‬ ‫فإنها لم تكن محكومة بالمافيات في الدولة وفي الاتحاد ركني النظام البورقيبي‪ .‬كان الجميع‬ ‫مهما اختلفوا مؤمنين بما يسمى الوحدة الوطنية ويسمونها القومية‪ .‬لم يكن فيهما اختراق‬ ‫مافيوزي ولا اختراق صيهوني أو صفوي وأقصى ما كان موجودا هو تأثير المستعمر القديم‬ ‫ثقافيا وقيود اتفاقية الاستقلال‪ .‬فيكون المشكل مع هذه المرحلة البورقيبية مقصورا على‬ ‫مسألة الاستقلال المنقوص ومسألة الديموقراطية‪.‬‬ ‫لكن مرحلة ابن علي أضافت إليهما مسألة الاختراق المافيوزي والاختراق الصهيوني‬ ‫والصفوي‪ .‬ومن ينكر ذلك لا يريد التشخيص الدقيق ولا يريد البحث عن العلاج المناسب‬ ‫للداء ويكتفي بتلطيف الأعراض‪ .‬وأستعمل هنا لغة الأطباء لأن الزبيدي طبيب‪.‬‬ ‫والسؤال الذي أوجهه له‪ :‬هل له حل سحري للمصالحة التونسية من دون علاج هذه‬ ‫الأدواء الأربعة أي عيبي البورقيبية وعيبي الابنلعوية‪:‬‬ ‫‪ .1‬تعديل اتفاقية الاستقلال حتى يكون استقلالا بحق؟‬ ‫‪ .2‬تعديل مفهوم الوحدة الوطنية بصورة لا تتنافي مع التعددية شرط الديموقراطية؟‬ ‫‪ .3‬الحسم مع المافيات التي تنخر الدولة والاتحاد؟‬ ‫‪ .4‬الحسم مع الاختراق الصهيوني والصفوي خاصة والمخابراتي الدولي في الأحزاب‬ ‫والمنظمات وجمعيات المجتمع المدني؟‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪186‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫فإذا غابت هذه المسائل في مشروع المصالحة لم يبق منه شيء يعتد به وهو عين ما حاوله‬ ‫السبسي فكان في الحقيقة ليس علاجا بل مسكنا للإبقاء على ما كان موجودا في عهد ابن على‬ ‫مع واجهة هي ما يسمى بالديموقراطية الشكلية التي لا معنى لها لأنها تبقى على الحال‬ ‫المرضية التي لن تجعل تونس دولة شعب حر بل دولة أنديجان تحكمها المافيات والاختراقات‬ ‫ولا طموح لها غير قشور التغرب والاغتراب‪.‬‬ ‫المشروع الثاني‪ :‬مشروع المصالحة شبه المستحيلة التي يضمرها مورو‪.‬‬ ‫مشروع مورو ينتسب إلى ما لا ينقال‪ .‬فصاحبه لا يستطيع التصريح به لأنه يضيف إلى‬ ‫ما يعجز دونه الزبيدي ما يجعل أي إنسان آخر أعجز عنه إذ لا يمكن فيه الاقتصار على‬ ‫الأقوال الظرفية بل لا بد من شروط انتقال الأقوال إلى الأفعال ككل بناء حضاري طويل‬ ‫النفس ليس السياسي فيه إلى احدى تجلياته السطحية‪.‬‬ ‫ولذلك فما لم يفهم الرجلان أن المنافسة بينهما ليست منافسة على الغايات التي هي‬ ‫أعمق من السياسي بل هي على أساليب العلاج السياسي الموصل إليها والذي شرطه أن يحصل‬ ‫اتفاق عميق بينهما عليها أصلا لترتيب الأوليات في المقاومة الشعبية لعلل التخلف‬ ‫والانحطاط المادي والروحي في الجماعات ذات التاريخ التليد‪ .‬فكل ما أشرت إليه في مشروع‬ ‫الزبيدي للمصالحة الذي صار شبه مستحيل للعلل التي ذكرت ليس خاصا بصف الزبيدي بل‬ ‫هو يشمل الصفين إذ هو عينه ما يجعل مشروع المصالحة الذي بضمره مورو شبه مستحيل‬ ‫بل أكثر قربا من الاستحالة من المشروع الأول‪ .‬فلا يمكن أن تصل النخبة السياسية‬ ‫التونسية الحالية إلى فهم علة الداء الأعمق في حال تونس الحالية من دون أن تجيب عن‬ ‫الأسئلة التالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬ما الذي جعل اتفاقية الاستقلال تكون مغشوشة وكيف يمكن تعديلها؟‬ ‫‪ .2‬ما الذي جعل مفهوم الوحدة الوطنية متنافيا مع التعددية الديموقراطية وكيف يمكن‬ ‫تعديله؟‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪187‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪ .3‬ما الذي يجعل الحسم مع المافيات التي تنخر كيان الدولة والاتحاد شبه مستحيل وكيف‬ ‫يصبح ممكنا؟‬ ‫‪ .4‬ما الذي يجعل الحسم مع الاختراق الصهيوني والصفوي والمخابرات الدولية شبه‬ ‫مستحيل وكيف يصبح ممكنا؟‬ ‫أليست هذه هي مطالب حرب التحرير أم إن أجدادنا كانوا على خطا وارهابيين؟ أليست‬ ‫هذه حرب التحرر أم إن شبانا الذي ثار بين ‪ 17‬ديسمبر و‪ 14‬جانفي كانوا على خطأ‬ ‫وإرهابيين؟ ألا يعني ذلك أن المشكل المطروح حاليا إذا كنا نريد للانتخابات ان تكون‬ ‫تعبيرا حقيقيا عما يحول دون تونس والنهوض باقتصادها وثقافتها أعني التبعية في كل‬ ‫شيء مشروط في النهوض وهي التي قسمت نخبها السياسية بصورة جعلت‪:‬‬ ‫• الوحدة الوطنية شبه مستحيلة‪.‬‬ ‫• والتعددية الديموقراطية شبه مستحيلة‪.‬‬ ‫لأن شعبا صار يعيش على التسول في رعاية حاجاته الأساسية وفي حماية قيامه لا يمكن‬ ‫أن يفرغ لغير الطرق القريبة \"لتدبير الراس\" بدل البناء المتين لشروط الحرية والكرامة‬ ‫التي طالب بها الأجداد الذين خاضوا معركة التحرير والشباب الذي خاض معركة التحرر‬ ‫وأصبحت النخب متنكرة للمعركتين معركة التحرير ومعركة التحرر ولا تريد إلا الحكم تحت‬ ‫سنابك المافيات والاختراقات الصهيونية والصفوية والمنظمات الدولية والمخابرات‬ ‫الاستعمارية‪.‬‬ ‫• فأصبح الاختراق الصهيوني والصفوي شبه حتمية‪.‬‬ ‫• وأصبح الاختراق المخابراتي للمنظمات الوطنية والجمعيات وكل شيء شبه حتمي‪.‬‬ ‫• فأصبح الوطن مجرد شعار وأصبح الولاء والبراء مجرد تهمة توجه إلى من يوصفون‬ ‫بالإرهاب في حين أنه العلامة الأدنى لمعنى الوطنية التي هي ولاء للوطن وبراء من أعدائه‬ ‫وليست عدوانا على أحد لم يعتد عليه‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪188‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫لا أريد أن أعلق على دلالة ما قاله الزبيدي البارحة‪ ،‬فهو تهديد صريح بإدخال الجيش‬ ‫في معركة سياسية جرت داخل المؤسسات الدستورية‪.‬‬ ‫وما أظن أحدا يجهل دلالة ذلك‪.‬‬ ‫ولا حاجة لمزيد التوضيح‪.‬‬ ‫لكني أريد الإشارة إلى أمرين‪:‬‬ ‫• سبق أن سألت هذا السؤال وهو قد أجاب عنه البارحة‪ .‬فهل من فرحوا بترشحه سبب‬ ‫فرحتهم معرفتهم بخصال تؤهله لرئاسة الدولة أم لأنهم يفترضون أو يعلمون أنه يمثل‬ ‫الشكل اللطيف من البيان عدد ‪ 1‬في شكل سيف ديموقليس على المؤسسات الدستورية في‬ ‫المستقبل خاصة وهو يتكلم على توسيع سلطات الرئيس حتى من دون تغيير الدستور‬ ‫بالاعتماد على مجلس الأمن الوطني إلى حد يكاد يلغي بقية المؤسسات الدستورية؟‬ ‫• سبق أن بينت أن تفتيت صف الثورة بكثرة المترشحين علته وهم اكتفاء السلطة‬ ‫السياسية بشرعية الصندوق من دون قوة سياسية ذات قاعدة واسعة يمكن أن تسندها وذلك‬ ‫هو معنى الشوكة أو العصبية بالمعنى النبيل في رؤية ابن خلدون لأنه يميز بين التي تبني‬ ‫الدول والتي تفضي إلى الهرج‪ :‬فحتى لو نجح زيد أو عمرو وهو عديم القوة السياسية‬ ‫التي تحول دون مثل ما أشار إليه الزبيدي البارحة‪-‬كما حصل مؤخرا في تركيا عندم نزل‬ ‫الشعب ومنع الانقلاب العسكري بصدور عارية‪ -‬فإن الكلام على أحلام التغيير دليل حمق‬ ‫أو سذاجة وهي في السياسة عين الحمق‪.‬‬ ‫وأخيرا فإن ما أراد الزبيدي منعه لما هدد بإنزال الجيش حتى وإن لم يتجاوز مرحلة‬ ‫التهديد إلى التنفيذ يعتبر انقلابا على الشرعية وليس سعيا لحماية الشرعية‪ .‬فوزير‬ ‫الدفاع ليس وصيا على الإرادة الشعبية وليس له سلطة أمر الجيش بشيء لم يصدر عن‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪189‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫صاحب الأمر في ذلك بمقتضى الدستور‪ .‬ففي حالة عجز الرئيس عن أخذ القرارات‬ ‫السيادية ‪-‬وهو أمر ثابت منذ وعكته الأولى وليس في الوعكة الثانية‪-‬تعود السيادة إلى‬ ‫البرلمان الذي هو الوحيد المنتخب من الشعب مثل الرئيس وليس إلى غيره وليس خاصة‬ ‫لوزير الدفاع‪.‬‬ ‫ولو كان يوجد في البرلمان من يريد الانقلاب على الشرعية لما دعا النواب لاجتماع كان‬ ‫ينوي وزير الدفاع من دون أدنى حق منعه بقوة السلاح‪ :‬يكفي دبابتين كما قال‪.‬‬ ‫وأخيرا‪ ،‬فإني قد شهدت للرجل اعتمادا على ما رأيته منه في مجالس الوزراء من هدوء‬ ‫وتعقل وصدق في مواقفه من نية أمريكا في التدخل‪ .‬وكلامي هذا لا يتنافى مع شهادتي‪ ،‬بل‬ ‫لعل الرجل قد دفع دفعا لما لا يليق بمن يترشح لرئاسة الدولة‪ .‬كان ينبغي باعتباره وزيرا‬ ‫‪ -‬بصرف النظر عن طبيعة الوزارة أن يكون أحرص الناس على تأييد حسم الأمر في المجلس‬ ‫بصورة مؤسسية ومنع مواصلة الوصاية التي تجري في القصر على رئيس كلنا يعلم أنه منذ‬ ‫الوعكة الأولى وربما قبلها فقد حرية القرار‪.‬‬ ‫وينبغي أن أذكر بأني قد اعتبرت تغيير الأغلبية في المجلس دون العودة إلى الشعب‬ ‫انقلابا إذا طبقنا قواعد الديموقراطية‪ .‬لكن المرحوم الباجي الذي لم يكن يجهل فضل‬ ‫هذا الحل لأنه يعلم أن الدعوة إلى انتخابات مبكرة كانت ستكون نكبة مطلقة على حزبه‬ ‫المفتت‪ ،‬ففضل حلا نصف نصف ولم يهدد باستعمال الجيش أو بحل البرلمان وكان بوسعه أن‬ ‫يفعل الثاني وتربيته البورقيبية كانت تحول دونه واستعمال الجيش أو التهديد به إذ هو‬ ‫لا يجهل أن مجرد استعمال الجيش في أحد مؤتمرات الحزب الذي كان حاكما جعل المرحوم‬ ‫بورقيبة يعزل الوزير الذي فعلها‪.‬‬ ‫لذلك لم أكن أتصور أن الزبيدي يمكن أن يعتبر نفسه بصفته وزيرا للدفاع وصيا على‬ ‫المؤسسات الدستورية يقرر متى يحق لها أن تجتمع وألا تجتمع‪ .‬فهل هذا يعني أن الذين‬ ‫يرشحونه هم من دفعه لهذه الفعلة الخطيرة وأنهم يعتقدون أنه يمكن أن يبقي لهم على‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪190‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫استبدادهم بالسلطة حتى لو لم ينجح في الانتخابات لكونه يمكن أن يعطل عمل المؤسسات‬ ‫كما هدد بذلك؟‬ ‫بدأت أتوجس خيفة لأن ما سمعته البارحة يؤيد التأويل السلبي بدلا من التأويل‬ ‫الإيجابي للنقاط الخمس التي كانت عبارة عن برنامجه الأول والتي ظننت أنه أعاد النظر‬ ‫فيها ليجعل التأويل الإيجابي هو الاقرب إلى الصواب‪.‬‬ ‫آمل أن يتدارك الرجل هذه الزلة وأن يصحح قصده لأن الجميع ينبغي أن يعلم أن‬ ‫تونس لن يحكمها أحد بجعل القوة العسكرية بديلا من الإرادة الشعبية يستطيع أن يعطل‬ ‫المؤسسات الدستورية بالدبابات‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪191‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫ألسنا جميعا نباهي بأن الثورة كانت ولا تزال سلمية لتجنبنا أن يصل الاقصاء المتبادل‬ ‫إلى التصفيات الجسدية بين الموقفين الثقافيين التأصيلي والتحديثي؟‬ ‫ألسنا جميعا نباهي بأختيار الشعب تجنب الثورة الدموية والاكتفاء بالطرق السياسية‬ ‫وتنظيم الانتقال الديموقراطي؟‬ ‫ألسنا مع ذلك نؤمن بان مرحلة الانتقال الديموقراطي لم تصل بعد إلى مرحلة التداول‬ ‫الديموقراطي لأن القوى السياسية ليست متوازنة بعد؟‬ ‫ألسنا نلاحظ أن الساحة السياسية شديدة الفتت الذي بدأ بالموجود منها قبل الثروة‬ ‫وامتد إلى ما نشأ بعدها فوصل عدد الأحزاب إلى ما يتجاوز المائتين؟‬ ‫ألسنا نلاحظ أن هذا التعدد ليس دليل ثراء في القوى السياسية بل هو ترجمة لتفتت‬ ‫مافيات الدكتاتورية التي كان يوحدها زعيمها أعني رئيس الدولة وأسرته قبل الثورة؟‬ ‫أليس من حق الملاحظ الذي يحاول التشخيص المحايد أن يخشى مآل الآفاق التي فتحتها‬ ‫الثورة إلى النكوص لأن المتكلمين باسمها صاروا بغير وعي وبسبب تفتتهم علة هذا الضياع‬ ‫ونفور الشعب منها؟‬ ‫فمن بين ‪ 26‬مرشحا للرئاسة لا أحد يمكن أن يعيب على ممثلي المافيات التنافس من أجل‬ ‫استرداد السلطة السياسية بالطرق التي تبدو ديموقراطية بوسائلها المعلومة أعني بعدي‬ ‫العجل الذهبي‪:‬‬ ‫• أي المال (معدن العجل)‬ ‫• والإعلام (خوار العجل)‪.‬‬ ‫لكن كيف نفهم أن الذين يتكلمون منهم على الثورة وضرورة الإصلاح يفتتون صفها‬ ‫فيصبح التنافس بينهم تسهيلا لمهمة المافيات؟ لأنهم يتنافسون على ما ليس لهم القدرة عليه‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪192‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫من دون وحدة الصف لأن قوتهم لا تستمد من معدن العجل ولا من خواره بل من وحدة‬ ‫الشعب وراء الأهداف بعيدة المنال لحاجتها إلى تضحيات كبيرة حتى نخرج البلاد مما تردت‬ ‫إليها ماديا وروحيا وضع صارت فيه مستنقعا للسفالة والنذالة والرذيلة في كل المجالات‪:‬‬ ‫فمرض تونس يشمل كل وجوه الحياة من أدناها إلى اقصاها ولم يعد شيء يعمل بصورة‬ ‫تمكن البناء السليم‪.‬‬ ‫‪ .1‬هل يمكن أن نقاوم المافيات بالكلام البليغ واظهار الحقائق لكأنها مجهولها في حين أن‬ ‫الجميع على علم بأن التعليم والصحة والاقتصاد والأخلاق والسياسة وكل شيء يتعلق‬ ‫بالصالح العام صار من جنس سوق تحكمه المافيات التي استحوذت على أكثر من نصف‬ ‫الاقتصاد بالطرق اللاقانونية والنصف الثاني بالطرق القانونية التي جعلت الدولة في‬ ‫خدمة المافيات الرسمية؟‬ ‫‪ .2‬هل توجد وسيلة أخرى غير وحدة قوى الخير ضد قوى الشر والاعتماد على وحدة‬ ‫الشعب من أجل استكمال تحريره خلال معركة تحرره؟‬ ‫لذلك ولن أتردد في قولها صراحة‪:‬‬ ‫• إذا نجحت الثورة المضادة في تونس فإن العلة الحقيقية ليست سياسة خصومها الذين لم‬ ‫يعودوا يخفون نيتهم استعادة النظام القديم الذي جعلوه بالمال والإعلام شبه مطلب معقول‬ ‫لأغلبية الشعب المسحوق بعد أن جعلوه مضطر لأن يعتقد أن سبب ما يعاني منه هو عقد‬ ‫الثورة وليس الستين سنة السابقة عليها‪.‬‬ ‫• أو إذا فشل ما بقي من الثورة في تونس فإن العلة الحقيقية هي سياسة من يدعون‬ ‫الدفاع عنها الذين صاروا خطباء النوايا الحسنة والاعتقاد بأن كثرة الكلام يمكن أن تصبح‬ ‫بديلا من السعي لتحقيق شروط الأفعال‪ :‬فبين سذاجة المتكلمين على المثاليات وحمق‬ ‫أصحاب العنتريات وعبث من يتصورون أنفسهم ولدوا ليكونوا رؤساء مباشرة لا يجد المرء‬ ‫حدا لاستغراب هذا الجنون الذي يقود جل الـ‪ 26‬مرشحا من النكرات الخالفين لبقايا حزب‬ ‫المرزوقي والشابي وابن جعفر ممن ذاقوا السلطة حتى صارت النيابة هي بدورها بضاعة‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪193‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-‬‬ ‫في سوق النخاسة السياسية‪ .‬ولا فرق بينهم عندي وبين بقايا حزب ابن علي وبورقيبية‬ ‫وشقوق حزب السبسي والفرق الوحيد أن هؤلاء أكثر صراحة لأن خطابهم لا يخفي نواياهم‬ ‫بخلاف أولئك فجل ادعياء المثالية ليسوا إلا مشروع غايته العكس تماما‪.‬‬ ‫فإذا أضفنا تخريف من جربتهم الثورة وأوهام من يتكلمون على التشبيب وصدق النبرة‬ ‫وكل المتعنترين بأساليب صوت العرب والقذافي وكل الشعبويين بلغة ستالين وماو تسي تونج‬ ‫ليسوا إلى باعة هواء وحربا على الثورة وليسوا من صفها لأن تفتيت قوى الشعب غدر به‬ ‫وبقيم الثورة‪ .‬إن النتيجة الوحيدة التي يراها كل ذي بصيرة هي أن تفتيتهم صف الثورة‬ ‫باسمها ستكون العلة الرئيسية لنجاح الثورة المضادة لأن الجميع يعلم أن كل هذا الحرص‬ ‫المبالغ فيه منهم ليس دليل صدق بل هو في الحقيقة ترشح للإسهام في الذهنية المافيوزية‬ ‫التي جعلت السياسية الطريق السيارة للإثراء في تونس‪.‬‬ ‫وهذه هي العلة الحقيقية للتفتت فكل المتكلمين لهم من يسندهم من خلف ولا أحد يسند‬ ‫خيول السباق السياسي إلا المافيات المحلية في خدمة المافيات الدولية وخاصة الصهيونية‬ ‫والصفوية والاعرابية وطبعا المستعمر الذي لا يمكن أن اكتفي بوصفه بالسابق لأنه ما يزال‬ ‫على ما كان عليه بل اعتقد أنه اضاف إلى الاستعمار الاقتصادي والسياسي الاستعمار الثقافي‬ ‫بعد أن صار جل النخب بديلا منه في الحرب على ما كان يحمي الشعب من سلطانه الروحي‬ ‫عليهم‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪194‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook