- - التونسي بوصف تونس ممثلة حاليا لفجر نهوض شعوب الإقليم كلها وسعيها للإمساك بمصيرها بيدها. ابو يعرب المرزوقي 145 الأسماء والبيان
- - سمعت البارحة جزءا مهما من المناظرة بين بعض المترشحين ،وهذه المناظرة هي الجلي من مناظرة أوسع هي مرحلة الانتخابات ،التي هي مناظرة الخفي فيها أهم من الجلي .وقد جرت بين ثمانية من المترشحين حول موضوعات حددها من يفترض نفسه معبرا عن هموم المواطنين في ضوء واقعين: • نص الدستور المحدد لمجال ولاية الرئيس. • مشاغل المواطنين ذات الصلة بهذا المجال. لن أعلق على أي من هذين البعدين. ولن أفاضل بين المتناظرين لأن التقييم المستند إلى الوعود يقتضي تعيير الموقف من مصداقية أصحابه السياسية التي غالبا ما تخلط بصدقه الخلقي. والخلط بين المصداقية والصدقية يجعل المقيمين لنتيجة المناظرة الجلية يركزون على الشخص والوعود وليس على السياسي الذي يستمد مصداقيته من حيازته لشروط الفعل السياسي .وهذه ليست مقصورة على الصدق الخلقي وحده ،بل لا بد لها من شروط الانتقال إلى المصداقية السياسية. وب ّين أنه من بين المشاركين في مناظرة البارحة من أثبتت تجربتهم في الحكم ما يمكن من اعتبار وعودهم أقوالا تناقضها الأفعال ومن ث ّم ،فلا مصداقية لوعودهم. ومنهم من طبيعة وعودهم حتى من دون مشاركة في الحكم سابقا تنفي كل مصداقية لأنهم فاقدون لشرطها السياسي من حيث الخبرة والقاعدة الشعبية حتى لو لم نعير صدقهم. ابو يعرب المرزوقي 146 الأسماء والبيان
- - والمعلوم أن المرء يمكن أن يكون صادقا خلقيا أي إنه يقول ما يعتقد فعلا لكنه غير صادق معرفيا أي إنه يقول ما لا يطابق المطلوب في المسألة المطروحة .وبذلك ،فالوعود التي ليس لصاحبها شروط انجازها غالبا ما تكون المعيار المفضل لمعرفة ذلك وأعتقد أن ما سمعته من وعود لا يعبر عن مصداقية أغلب المتدخلين .فجلهم \"تر وفي يده خاتم\". ولهذه العلة ،فإني اريد أن أذهب إلى مناظرات أخرى هي التي أسميها المناظرات الخفية والتي يغفلها الكثير من المتابعين للمناظرة الجلية إنها: .1المناظرة الجلية مثل التي حدثت البارحة بين المرشحين. .2المناظرة الجلية بين شخصيات المترشحين وتاريخهم السياسي. .3المناظرة التي تبدو جلية وهي خفية وتحميها دعاوى حرية الأعلام وهي تجري في وسائل الإعلام التي تمولها المافيات. .4المناظرة الخفية التي تجري بين رافضي التغيير من الانتفاعيين وطالبيه من المثاليين الحالمين بالخروج من الاستبداد والفساد. .5المناظرة الخفية رغم كونها الأكثر جلاء وهي بين محركي الدمى السياسية والشعوب التي تبحث عن شروط التحرر واستكمال التحرير والتي ليس لها إلا القوة المعنوية والخلقية لأن كل المتكلمين باسمها حاليا سيطر عليهم \"أمراء\" حرب سياسية بدليل التفتت الذي آل إليه أمر الساحة السياسية التي تتكلم باسمهم. ولن أتكلم على النوعين الجليين أي الأول والثاني القابلين للرد إلى نوع واحد يجمع بين صدق المترشح ومصداقية البرنامج .وذلك ما يمكن استنتاجه من المناظرة التي جرت البارحة وأمثالها بحضور المترشحين. كما لن أتكلم على النوع الخامس لأنه رغم خفائه المزعوم فجلاؤه يفقأ العيون حتى للعادي من المواطنين الذين ليس لهم ثقافة سياسية دولية. ابو يعرب المرزوقي 147 الأسماء والبيان
- - سأكتفي بالكلام على النوعين الثالث والرابع القابلين للرد إلى نوع واحد هو نوع المؤيدين للمرشحين وبرامجهم في نوعي المشاركة الجماهيرية. .1مناظرة بين المؤيدين للمترشحين ممن يعتقدون أنهم من ذوي الصيت والصوت أو بلغة فقه السياسة في حضارتنا ممن يعتقدون أنهم من أهل الحل والعقد .وهي على نوعين: نوع القوائم المؤيدة لمترشحي استعادة النظام السابق بحجج مستمدة من “فساد” الثورة. إنها قوائم بعض \"المثقفين\" وغيرهم من الوجهاء في الأعمال والفن المؤيدين للمرشحين من أصحاب المصلحة في عودة النظام السابق والحاصلين على دعم الثورة المضادة رغم مجاراتهم لما لا يصادم الثورة في الخطاب :واحدة لصالح الزبيدي والثانية لصالح الشاهد. نوع القوائم المؤيدة لمترشحي معارضة النظام السابق بحجج مستمدة من \"فساد\" الثورة المضادة. وهي قوائم مجانسة لها وهم في الغالب عديمو القاعدة الشعبية الفعلية :واحدة هي قائمة لصالح حزب التيار عبو والثانية لصالح \"جماعة\" \"آد هوك\" لم تتعين بعد كحزب هي قائمة الكرامة. .2مناظرة بين البارزين من قواعد النظام السابق والمعارضين له في ساحات التواصل الاجتماعي: وهي أيضا مناظرة أعم وأكثر قدرة تعبيرية على الصدق الفعلي والتزييف الفعلي في المعركة السياسية .ذلك أن الكثير من الشباب المثالي والكتاب الصادقين ينتسبون إلى هذه المناظرة لكن الغالب عليها هو الذباب الالكتروني الذي تموله المافيات التي أنشأت الأحزاب والتي تحرك الجميع وتزيف الرأي العام ومنه الاعلام المهيكل في المؤسسات التي صارت أدوات هذه المناظرة العامة والتي تتجاوز الوعود إلى التهديد تهديد الثروة وتبخيسها. ابو يعرب المرزوقي 148 الأسماء والبيان
- - وبين هذين النوعين توجد النهضة التي يمكن اعتبارها منتسبة إلى النوعين لأنها شاركت في الحكم بعد الثورة وهادنت النوع الأول .ولذلك ،فهي بسبب هذه المهادنة للنظام السابق تتهم معه من قبل الكثير من المثاليين حتى وإن كان البعض منهم عن حسن نية وغلو في الثورية. فمن يستعمل المعايير السياسية بصدق لا ينبغي أن ينسى أنها الوحيدة التي كانت العمود الفقري لمعارضة النظام السابق وليس لأنها تدافع عن الإسلام: .1فالتصوف أيضا يدافع عن الإسلام والسلفية الجامية أيضا تدافع عن الإسلام لكن سلوك الأنظمة معهما مختلف عن سلوكها إزاءها. .2وليس لأنها تعارض شكليا وبالأقوال بدليل سلوك النظام إزاء غيرها من المعارضات بل لأنها تدافع عن قيم رمزها الإسلام تخلى عنها الصنف الأول من المدافعين عن الإسلام ولها قاعدة شعبية مفقودة لدى الصنف الأول من المعارضات. إنها إذن الوحيدة التي تعاقب لوعيها بالمستوى القيمي الذي يعني الفعل السياسي في شعب يؤمن بثقافة لا معنى من دونها للحرية والكرامة مطلبي الثورة ولحيازتها القاعدة الشعبية التي تجعل النظام يعاملها المعاملة التي يعلمها الجميع. ولما رفضت ان تعامل أتباع النظام السابق بمنطقه ظن الكثير أنها خانت الثورة خلطا بين الثورة والانتقام بمنطق النظام القديم فلا يكون لها حينئذ فضل عليه. فمن يريد أن يبني وطنا للجميع ويقلب صفحة الماضي لن يخون الثورة بل هو يقدم المثال في العمل بمقتضى قيمها. ابو يعرب المرزوقي 149 الأسماء والبيان
- - لذلك فالأستاذ مورو كان ممثل الفعل السياسي الموجب لقوة سياسية فعلية ذات قيم سامية يمكن القول إنها هي الوحيدة التي تريد تجاوز الماضي والالتفات إلى المستقبل لأنها تؤمن بالفعل السياسي الموجب. إنه التحرر من عقلية الانتقام التي يتظاهر بها من كان جلهم صبابة النظام السابق والمصفقين لأفعاله ضد من يعتبرونهم عدوهم الحقيقي في معركة صدام الحضارات الداخلية. ولهذه العلة ،فإن ما سمعته البارحة يفيد أن خطاب الحاضرين إذا ما استثنينا الأستاذ مورو يضمر فقدان هذا الشرط الذي يجعل الفعل سياسيا لانطلاقه من الوعي بطبيعة المأزق الذي تعيشه تونس. فكل من يتصور الخروج من المآزق من دون الاعتراف بما أصاب تونس من داء يفسر كل أمراضها-وجل بلاد العرب-أعني سيطرة المافيات المحلية الخادمة للمافيات الخارجية ومن ثم سيطرة العملاء نوابا للمستعمر المباشر على مقومات القيام الذاتي للجماعة. ومن يجهل أو يتجاهل علاقة ما يجري في أي قطر في الاقليم بالمعركة العالمية حول استعادة استعماره من جديد بسايكس بيكو ثانية لا يخدع نفسه فحسب بل هو يخدع الشعب ،ومن ثم فهو فاقد للصدقية والمصداقية: • فاقد للصدق لأنه لا يمكن أن يكون ساذجا فيجهل هذه الحقيقة. • وفاقد للمصداقية لأنه لا يبحث عن شروط التصدي لها. لذلك فكل من يدعي الانتساب إلى التحرر والتحرير من دون السعي إلى تحقيق جبهة وطنية حقيقية تحاول إخراج البلاد من الصراع الذي تجاوزه التاريخ بين التأصيل والتحديث فهو غير مدرك إلى أن الساعين لهذه الاستعادة لا يميزون بين التحديثي والتأصيلي بل بين من يريد الندية ومن يريد التبعية. ابو يعرب المرزوقي 150 الأسماء والبيان
- - هم لا يقبلون إلا من يريد التبعية وهي عندهم ليست سياسية واقتصادية فحسب بل هي بالأساس ثقافية بمعنى آخر حصون الدفاع عن البقاء في المجتمعات الإنسانية لأنها المرحلة الأخيرة في انتصار أي عدو على عدوه :مرحلة القضاء على إرادة بقاء الذات مستقلة روحيا عمن يغزوها شرطا في بقاء المقاومة. ابو يعرب المرزوقي 151 الأسماء والبيان
- - كان يمكن للأستاذ مورو أن يزايد مع المزايدين فيستعمل نبرة \"ثورجية\" على المنظومة مثل من لا يميزون بين: .1الخطاب المسؤول لمن يترشح لرئاسة الدولة ولدور التوحيد بين كل قواها السياسية وحساسياتها الفكرية والايديولوجية .2وبين العنتريات التي أصبحت أفضل طريقة للاستعداء الخاطئ الذي أدمن عليه الكثير من \"الجنرالات\" بدون جيش ومن أمراء الحرب السياسية. فكل ما نراه هو أصوات العجزة الذين يرمون مسؤولية عجزهم ليس على ما يوهمون الناس أنهم يتصدون لهم أعني النظام القديم ومافياته الاقتصادية والاجتماعية والاعلامية والثقافية بل على من يحاربونهم حقا بتهمة من أسخف ما عرفت السياسة :عيب الإسلاميين أنهم لم يتركوهم يحصدون ما زرعوه أكثر من مرة. كلنا يعلم أنهم بالمزايدات والعنتريات أفسدوا كل إمكانية لنجاحها إذ هي كانت لسنة ولكتابة الدستور .حولوها إلى محاولة للحكم مدة كاملة برئيس ليس له قوة سياسية ولم يختره الشعب بل اختارته الحركة الإسلامية بنفس المنطق التوافقي إذ هي لا تجهل أنه علماني وان من جمعهم حوله -وهم من انفضوا من حوله إلا بعض الصادقين من ذوي الميول الإسلامية -كما نراهم الآن هم أكثر عداوة للإسلاميين حتى من عتاة النظام السابق مثلهم مثل صبابته من أحزاب اليسار والقوميين الذين خدموا مع ابن علي. نعم لا ينبغي للأستاذ مورو أن يجاريهم وعليه أن يواصل ما يخدم وظيفة الرئيس الذي يؤمن بأن وظيفته الأساسية أي أمن تونس ومناعتها شرطها الاول والاخير هو التوافق بين التونسيين على المصلحة العليا للوطن بصرف النظر عن اختلافاتهم السياسية والفكرية وخياراتهم القيمية. ابو يعرب المرزوقي 152 الأسماء والبيان
- - أما الكلام على الفساد وعلى الاستقلال الوطني وعلى إصلاح الحوكمة فهي أمور يعالجها ممثل السلطة الأعلى في البلاد كما يحددها الدستور في نظام ليس للرئيس فيه الدور الأول دون أن يفقد ما يعود إلى هذا الدور من التوجيهات العامة التي توحد ولا تفرق .فالبرلمان الذي يمثل السلطة الأعلى والذي يختار الحكومة ورئيسها من الاغلبية هو الذي يعالج هذه القضايا عن طريق الحكومة وبالمبادرة القانونية التي لكتله سواء كانت من الحاكمة أو من المعارضة. ابو يعرب المرزوقي 153 الأسماء والبيان
- - لا أعتبر فائدة المناظرة بين المترشحين أساسية لتعيير المشاركين فيها بل هي عندي أساسية لتعيير معييريهم أو بالأحرى تعييرهم .ومعنى ذلك أنها كانت مناسبة لمعرفة معايير التعيير لدى من علقوا على المتناظرين شخصهم ومواقفهم وحيازتهم لما يجعلهم أجدر من غيرهم بالدور المنتظر منهم. من الطبيعي أن تكون هذه المعايير أكثر دلالة على صاحب التعيير منها على الشخص المعير بها. ومن ثم فالمناظرات كانت مناسبة استسنحها لتصنيف المعايير عند الذين يقيمون المرشحين أكثر منها مناسبة لتقييم المترشحين أو مناسبة لتعيين من سيكون منهم أجدر بوظيفة الرئيس إذا ما تم اختياره من غالبية الشعب. ما أقدمه هنا هو صورة للطيف التقييمي الذي من المفروض أن يتوزع عليه أصحاب التقييم أكثر منه لمناسبة المترشحين لما يترشحون له. ويمكن أن أعير هذه المعايير التي تداولها المشاركون في التواصل الاجتماعي في ضوء المتغيرات التالية التي من المفروض أن تحكم كل تعيير يراد له أن يكون علميا وموضوعيا لأن التعيير الذي ليس له محددات موضوعية يكون تعبيرا عن أحوال نفسه صاحبه وليس عن صفات موضوعية للشيء الذي يراد تعييره: .1المهمة التي يترشح لها: وهي مهمة يحددها الدستور بوضوح حتى وإن كان لها مستويان مباشر وغير مباشر أعني تعيين عناصر ولايته ثم تعيين ما يمكن أن يساعد على أداء دورها العلاجي والوقائي في مجال تخصصها الدستوري. .2تكوين المترشح العام: ابو يعرب المرزوقي 154 الأسماء والبيان
- - وتحددها ثقافة الجماعة التي تتردد في بلادنا بين ثقافتين فرنسية وعربية أو عربية وفرنسية بتقديم وتأخير لهذه العاملين .وواضح أن هذا المعيار جوهري لأن الخيارات السياسية هي بالأساس ثمرة رؤية ثقافية معينة ذات صلة بالمعرفة وبالقيم أي بما يعتبره الإنسان شرطا في سلطانه وغاية لوجوده. .3خصائص شخصية المترشح القيادية: وتحددها ثقافة الجماعة في رؤيته للسلطة السياسية بحسب العاملين السابقين والارث التاريخي والتأثر بما يجري في الغرب وهي إذن بنت الرؤية الثقافية والمصلحة الاقتصادية ودور السياسي فيهما في نظرية الدولة الحاضنة خاصة وهي من أكبر عوائق التقدم في مجتمعاتنا. .4القوة السياسية والقاعدة الشعبية التي يمثلها المترشح: وهذه ذات صلة بتاريخ القوى السياسية التي لها صلة بتحصيل العوامل الثلاثة السابقة لأن الوضعية الحالية تحددت بعلاقة ما تقدم على الثورة بما تلاها. .5ظرف التنافس المحلي والإقليمي والدولي: وهذا العامل ما كان ليكون ذا أثر لو لم يكن الرهان ليس تونسيا فحسب بل هو رهان يتجاوزها بسبب علاقة الإشكال بالإسلام السياسي الذي صار وإن سلبا عند المنتسبين إلى الثورة المضادة وحماتها العامل المحدد لكل ما يجري في الاقليم .لكنه عند الشعوب وخاصة بالنسبة إلى مستقبلها يمثل العامل الإيجابي الوحيد الذي يمكن أن يكون مناسبا لشروط السيادة التي لم تعد تعتمد على القطريات في العالم كله بل على المجموعات الكبرى الذي لها القدرة على التنافس العالمي وتحقيق شروط السيادة المادية والروحية. لكني ألاحظ إذا اعتبرنا ما يوجد في التواصل الاجتماعي شبيها بما يحصل في العينيات المتحررة من التواطؤ (أت رندوم) أمكن أن أقول إن هذه المعايير الخمسة ليست هي التي حددت تعيير الشعب التونسي بل ما حددها هو إما الاسقاط النفسي لأصحاب التقييم والتعيير أو الخيارات الإيديولوجية أو خاصة عامل آخر يشمل كل العوامل الذي ذكرتها ابو يعرب المرزوقي 155 الأسماء والبيان
- - وهو حصيلتها :إنه صدفة اجتماع أولئك المترشحين في ساحة التنافس .فالتحديد الإضافي يتعين دائما بحسب صدفة تعين المشاركين في التنافس .وهذا العامل هو المحدد النهائي .وهو ينقسم إلى عاملين بسبب وجود قوتين حقيقيتين في المعترك والبقية مما يمكن أن يشوش عليهما دون أن يكون له تأثير ذاتي لصالحه بل هو سيكون لصالح أحد طرفي التنافس أي: • لصالح من شرط بقائه هو عودة النظام القديم وهذا هو صف السيستام السابق على الثورة. • أو لصالح من شرط بقائه هو ذهاب النظام القديم وهذا هو صف من السيستام بني على نفي حقه في الوجود أي الإسلاميين. ومن ثم فالجميع يعتبر المعركة مرة أخرى مع الإسلاميين سواء كان ذلك إما بنفي حقهم في الوجود بإطلاق (النظام القديم) أو بنفيه نسبيا بمعنى القبول بهم كمصوتين وليس كمرشحين (أدعياء الثورية ومتهمي النهضة بأنها متواطئة مع النظام القديم الذي ينفي حقها في الوجود أصلا). لذلك فأدعياء الثورة والعلمانية يشاركون النظام القديم نفس الإيديولوجيا التي يظنوها حداثة وما بالحداثة لأنها الحداثة التابعة .وهم بكل المعايير دون الإسلاميين حداثة إذا كان القصد بها حيازة قيم الحداثة السامية وأدواتها العلمية والتقنية والسياسية ثم إن الإسلاميين أقرب إلى مستقبل الإنسانية المعتمدة على تجاوز القطرية بحثا عن شروط السيادة القادرة والخروج مما يجعل الجماعة متسولة ومن ثم تابعة بنيويا. فأوروبا التي أنشأت مفهوم الدولة الوطنية تجاوزته إلى ما يحقق شروط السيادة بعد أن صارت بحجم يحول دونها وشروط التنافس مع عماليق العصر .فكيف بأقطار ميزانيتها دون كلفة حاملة طائرات أمريكية تقبل أن تسمى دولا ذات سيادة وهي متسولة في الرعاية والحماية. وخلاصة القول إذا سلمنا بأن التواصل الاجتماعي عينة ممثلة مما يدور في أذهان التونسي فإن أقضي بأن تونس لم تنضج بعد لثورة فعلية بل هي في الحقيقة صارت ثقافيا ابو يعرب المرزوقي 156 الأسماء والبيان
- - فاقدة للقدرة على تحمل تبعات ما ترفعه من شعارات الحرية والكرامة :فما يمثله من يخلط بين العنتريات والسياسة لا يمكن الا يكون كذابا على نفسه وعلى الشعب .وفي هذه الحالة فعندي أن التابعين للنظام القديم أكثر صدقا من أدعياء الثورة والحرية والكرامة ومحاربة العمود الفقري لشرط الصمود في كل حرب وخاصة حرب التحرر والتحرير التي هي جوهر الثورة :فكما حدد ذلك كلاوسفيتز في نظرية الحرب الأمم تهزم عندما تفقد الصمود الروحي. وذلك عينه من يحاربه سخفاء الثورية الذين يتكلمون على الدولة المدنية في ما هو بالجوهر حاليا مجرد محمية استعمارية ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وهم محاول إلغاء خط الدفاع الاخير أي البعد الروحي من ثقافة الجماعة .لم أر في حياتي أسخف من هؤلاء الحمقى الذين يتصورون الحداثة الغربية هي ثقافة الاستعمار الغربي وليس الثقافة التي بنت الغرب أي التجديد الديني والفلسفي والعلمي والتقني والسياسي والاجتماعي شروطا للإبداع وعدم التبعية. ابو يعرب المرزوقي 157 الأسماء والبيان
- - لست مستشارا للأستاذ مورو ولا أريد أن أفرض على أحد رأيي .لكني تابعت المناظرات وتصريح الشيخ راشد الأخير الذي قال فيه إنه لا يستثني أحدا في التوافق (دون احتراز ضد من هم خاضعون لتتبعات عدلية مع علمي بأن المتهم بريء حتى يثبت العكس .لكني أستبعد أن ينطبق هذا المبدأ على من يتقدم للمسؤوليات العليا في الدولة الديموقراطية التي يكفي فيها خدش مهما كان بسيطا لاستبعاد المرشح) .كما استمعت إلى بعض مداخلات الاستاذ مورو لذلك فلا يمكن أن أبقى متفرجا ومكتفيا بأحكام عامة دون تحديد ما أعنيه بكامل الدقة والتعيين .فما بقي من زمن الحملة كاف للتصويب إن رأى المترشح الوجاهة في ما ارى من واجبي قوله لعلتين: .1الخوف على انتكاس الثورة لأن خسران الجولة الحالية كليا أو حتى جزئيا سيكون نكبة على البلاد والعباد. .2الخوف على تبعاته على وضعية تونس ورمزية دورها في اخراج العرب من الاستثناء الذي بقي عالقا بنا لأن جل نخبنا النافذة تستمرئ الاستبداد والفساد وتتمعش منه. لست أدرى من الأستاذ مورو بما يحول دونه والانطلاق في استراتيجية تثبت أنه غير ملتزم بالموقف الدفاعي الذي فرضته النهضة على نفسها إلى حد الآن والذي ينبغي أن يكون هو في حل منه لئلا يقتصر على قاعدتها فيكون مرشحا للطيف الذي يمثل العهد الجديد في تونس. ورغم أني من البداية حاولت إقناع قيادات النهضة بان موقفهم الدفاعي كان حذرا زائدا عن اللزوم وحاولت أن أقنع بضرورة جعل النظام القديم يعود بسرعة ليرحل بنفس السرعة لأن المعركة مع السبسي أيسر مما يمكن أن يحصل لو أن حكم النهضة مباشرة أو بقاعدتها (المرزوقي الذي ترشح ضده ولهذه كانت معارضتي له شديدة مثلما فعلت أول ابو يعرب المرزوقي 158 الأسماء والبيان
- - مرة لما فرضوه رئيسا) سيكون نكبة عليها وعلى الثورة في المدى البعيد وأن السبسي رحمه الله كان أحوج إليهم منهم إليه وذلك كما بينت حينها لعلتين: .1لأن سنه لم تكن تسمح له بالدخول في خصومة يعلم أكثر من غيره أن من كانوا أقدر منه وأصغر سنا خاضوها وخسروها. .2لأنه كان يعلم أن حزبه ليس بالمتانة التي يتصورها من لا يعلم أنه كان \"كوكتال مولوتوف\" وهو أمر لا يخفى عليه وكان يخشى اليسار والاتحاد أكثر من النهضة. لذلك اقترحت في أول ندوة للمركز الاستراتيجي وخلال تعيين أول رئيس وزراء بعد 2014بأن يقبلوا بالتوافق الندي على برنامج مشترك وليس بالتوافق التابع الناتج عن الخوف من أمر لا وجود له إلا في أذهان قيادات ملتاعة وهو أمر مفهوم ولذلك لم ألح على نصيحتي. أعتقد جازما أن الخطأ الاستراتيجي في حملة الأستاذ مورو هو أنه ما يزال يعيش نفس الموقف الدفاعي الناتج ربما عما حصل من توافقات بين قيادة النهضة والشاهد قبل وفاة المرحوم السبسي .وقد كتبت مباشرة بعد وفاته أن كل تلك التوافقات تجاوزها الوضع ولم تعد صالحة ولا بد من استراتيجية بديلة. واعتقد أن تردد النهضة وتأخرها في حسم ترشيح مورو علته انتظار العصفور الذي لم يجيء أو فرض شروطا مذلة تكتفي بوعود للحصول على التأييد دون التزام. وهذه هي الوضعية التي تضفي بعض المصداقية على خصوم النهضة من أمراء الحرب السياسية الذين يدعون أن مورو مجرد كمبارس للعبة في الخفاء تنتهي إلى نفس التوافق المغشوش واللاندي بعد الدور الأول من الانتخابات الرئاسية. فكل من يزايد على الإسلاميين في الثورية هو في الحقيقة من جنس \"عريان الطوق وفي يده خاتم\" .وأعدهم أنهم إذا واصلوا هذه الحركات سيعودون إلى ما كانوا عليه مجرد ظاهرات صوتية لأنهم لا يمثلون أدنى قوة سياسية. ابو يعرب المرزوقي 159 الأسماء والبيان
- - والدليل ان جلهم يريدون أن يبدأوا من رأس السلم السياسي لكأنهم لم يولدوا إلا ليكونوا رؤساء في حين أنهم \"ديكة\" يكثرون الصياح في ثورة سيجعلونها زبالة لنشر اجنحتهم فوق أكداسها كل صباح. أعتقد أنه من الحكمة أن ينتقل الاستاذ مورو من الدفاع إلى الهجوم .والهجوم لا يستهدف أحدا من الصفين صف العائدين وصف القادمين إلى الحكم .الهجوم هو في الموقف الموجب الذي يقترح توافقا نديا بين القوتين السياسيتين الحقيقتين أعني: .1النظام القديم الذي يريد أن يعود. .2والنظام الجديد الذي يريد أن يستكمل الانتقال الديموقراطي. والهجوم إذن يتعلق بجعل الندية بين التوجهين غاية ترشحه وهو ما أعنيه بالصلح العميق بين حجج العائدين المؤثرة فعليا وحجج القادمين المؤثرة فعليا .فغالبية الشعب لا تريد عنتريات الثوريين المزيفين وأصحاب الشعبوية التي لن تحل مشاكل تونس لكنهم مع حجج القلة من الثوار الصادقين بشرط ألا يقعوا في خطأ المطالبة بكل المنشود ولو بتهديم كل الموجود .لذلك فلا بد منه التعاون بين الصفين لإنقاذ تونس من مآزقها التي لا تخفى على أحد. وواضح أن العائدين لا يستطيعون المجاهرة بنية إلغاء مكاسب الثورة لأن ذلك يقتضي عودة ما لن يستطيعوا استعادته لا محليا ولا اقليميا ولا دوليا .فمن سبقهم إلى استعمال العنف لإرجاع الاستبداد أو منع سقوطه فشل فشلا ذريعا ويكفي أن نرى حال مصر وسوريا. وواضح كذلك أن القادمين لا يستطيعون نفي وجود قوة سياسية يعسر إلغاؤها من دون جعل الثورة عنيفة وهو أمر لا يقبل به الشعب التونسي الذي يفضل التدرج والعلاج التوافقي والسلمي للحلول الوسطى. فإذا أعلن مورو عن هذه الاستراتيجية وقدم نفسه على أن هدفه الاساسي هو تحقيق التوافق الندي في الرأس والسعي للتشجيع عليه في السلطة التنفيذية والتشريعية فإن الاستراتيجية ستسكت أعداء الثورة واصدقاءها الزائفين الذين هم في الحقيقة أعداؤها ابو يعرب المرزوقي 160 الأسماء والبيان
- - الفعليون لأن المثل يقول \"الأفضل في الاقوال عدو الفاضل في الأفعال\" Le meilleur est .l'ennemi du bien ابو يعرب المرزوقي 161 الأسماء والبيان
- - عاب علي البعض وصف من يدعون الانتساب إلى صف الثورة بأنهم \"أمراء حرب سياسية\" قياسا على أمراء الحرب في ما يسمى بحركات المقاومة إذا ما استثنينا مليشيات الملالي الذين يوحدهم قائد جوقة اسمه الولي الفقيه في علاقتهم بمستعبدهم لكنهم من حيث العلاقة بالأوطان من نفس القبيل. ولأبدأ فأذكر بتكوينية هذا النوع من أمراء الحرب السياسية في تونس وهي تكوينية أشبه بأمراء الحرب في حركة التحرير الفلسطينية سابقا وفي الثورة السورية والليبية واليمنية حاليا .والفرق الوحيد هو أنهم ليسوا مسلحين لا غير وإلا لأدخلوا البلاد في حرب أهلية مماثلة .ووجه الشبه ليس في التفتت فحسب بل في علل التفتت .وهي في الغالب ذات مصدرين مباشر وغير مباشر: • المصدر الأول مباشر: هو ثقافة زعماء أغلبهم يعاني من تضخم الذات خرجوا من أحزاب تكونت على عجل للمشاركة في الانتخابات الاولى والثانية ثم انفرط عقد تلك الأحزاب وهي خمسة: .1حزب المرزوقي. .2وحزب الشابي. .3وحزب ابن جعفر. .4وحزب السبسي. .5وقبلها جميعا حزب ابن علي او التجمع لأن جل المنتسبين إلى الاحزاب الاربعة السابقة هم من بقاياه أو ممن تنكروا في الانتساب إليه. ابو يعرب المرزوقي 162 الأسماء والبيان
- - والظاهرة أوضح في حزب السبسي وهو لا يعنينا هنا لأن المنتسبين إليه لا يدعون تأييد الثورة كالبقية .وهم أقرب إلى استعادة الوحدة منهم لأن التوحيد حول الحكم أيسر من التوحيد حول المعارضة. • المصدر الثاني غير مباشر: وهو إما الإيديولوجيات الغربية التي أكل الدهر عليها وشرب مثل اليسار والعلمانية والليبرالية أو نفس هذا الإيديولوجيات بإضافة دوزة من الفاشيات الغربية أعني اصناف الأحزاب القومية العربية مثل الناصرية و القذافية والبعثية العراقية والسورية وحتى الصفوية. تلك هي المليشيات التي لها أمراء حرب كل واحد منها أشبه بالبغدادي من حيث انتفاخ الذات إذ هو ادعى أنه سيكون فاتحا للعالم بدولة داعش وهم يريدون تغيير العالم وسنن السياسة بصبيانيات لا تدل إلا على الأمراض النفسية عند من يتصور نفسه ولد ليكون رئيسا أو لا يكون. لذلك فمن السخف انتظار أن يخرج منهم شيء يمكن من المحافظة على ما تحقق إلى حد الآن أعني على الأقل منع الصف المعادي للثورة من استرداد كل قوته التي كانت له قبل الثورة كما حدث في مصر وكما نراه يحدث في سوريا وليبيا .وأغلب هذه المليشيات أمراء حرب سياسية ميالون للحلف مع هذين النظامين المصري والسوري مهما اختلفت الشعارات في الداخل .فغلوهم المزعوم ثوريا ليس إلا من علامات طبعهم الاستبدادي .وترى ذلك حتى في تعبيرهم الجسدي وعنترياتهم الخطابية. وإذا ما استثنينا قيس سعيد -الذي أرى ألا معنى لوجوده أصلا في الساحة السياسية -فإن البقية كلها من جنس ما وصفت وليس فيهم من يمكن أن يثبت حتى ما يمكن أن يعتقد المرء أنه من صفات سعيد من حيث \"النفس المؤمنة\". ابو يعرب المرزوقي 163 الأسماء والبيان
- - فكلهم يمثلون الوجه الأقبح من السياسة أعني طلب النجاح السريع في تحمل مسؤولية لا شيء يثبت أنه أهل لها لأن المسؤولية السياسية إذا كانت لخدمة الجماعة وليس لاستخدامها من أعسر الأمور تقنيا وخلقيا. فمجرد ادعاء المثالية في السياسة إذا لم يكن من جنس السذاجة التي يمثلها من يتصور معرفة القانون كافية أو الشرعية الانتخابية كافية لتغيير بلد صار كله محكوما بالمافيات والفساد هو إما \"إنسان طيب وساذج مثل الاستاذ سعيد\" يعيش في جمهورية أفلاطون أو \"إنسان خبيث\" أعني نقيضه يخادع الشعب ولا يخدع إلا نفسه. فالشعب جله صار من أخبث ما عرف تاريخ البلاد والأمة وليس بسبب شيء آخر غير الثقافة التمعشية التي سيطرت على مجتمع كله مبني على اللصوصية والتطفيف والرشوة واعتبار السياسة طريقا سيارة لملء الجيوب والحسابات في بنوك الغرب أو في دبي .وفي ذلك هم لا يبدعون شيئا من عندهم فهم يريدون محاكاة من حكم البلاد منذ استقلالها المزعوم. صحيح أن بورقيبة لم يسرق مباشرة .لكن نظامه مبني على تكوين المافيات التي استعملته لتسرق وتنهب كل المناطق من أجل المناطق التي تسندها في صعود السلم السياسي طريقا لما وصفت .وعندما حكم ابن علي صار ذلك سياسة رسمية وعلنية بدليل قولته الشهيرة لما خاطبه أحد في أصهاره فقال\" :احسبوهم أمراء مثل أمراء الخليج\". وهو محق فهؤلاء هم رمز الظاهرة في كل بلاد العرب التي حولوا بعض دولها الفقيرة باسم السياحة إلى \"مواخير\" عمومية وملأوا بنوك الغرب بثروات أوطانهم وتجويع شعوبهم فضلا عن الجزية التي يدفعونها نقدا وعينا لحماتهم .ولا تختلف الاحزاب الذرية التي نشأت في تونس عن ذلك لأنها تدفع عينا من ثروات البلاد حتى تمولها المافيات والاستعمار والثورة المضادة لعلهم يصلون إلى \"ميزاب\" الثروة ويتحولوا إلى \"أمراء\" كما طلب ابن علي منزلة لأصهاره والمنتفعين معهم في تبديد ثروات تونس وترذيل تربيتها وافساد ناشئتها حتى صار بعض \"أمراء الحرب السياسية\" يعتبر الحل في تحويل زراعة تونس إلى فلاحة المخدرات. ابو يعرب المرزوقي 164 الأسماء والبيان
- - ابو يعرب المرزوقي 165 الأسماء والبيان
- - منذ وفاة السبسي تكلمت على تغير اللعبة التي كانت تكتيكيا قيادات النهضة تعمل بمقتضاه منذ انقلاب الشاهد على الباجي .ومع ذلك واصلت النهضة نفس اللعبة والبحث عن العصفور النادر. ولما تواصلت هذه العملية صار التشكيك في ما تدعيه حاليا مشروعا .ويعسر أن يصدق الإنسان من شارك في تصعيد الشاهد الذي هو أعدى أعداء الثورة ليس حكما على النوايا بل على الأفعال. وقد توقعت أن نفس الخيانة للسبسي ستتكرر مع الغنوشي الذي استعمل حجة الاستقرار الحكومي استعمال حق يراد به الباطل ضد نفسه وضد الحركة التي لم يبق لها صاحب في الصفين الذي يريد عودة النظام القديم والذي يسعى للنظام الجديد. لكن موقفي من صف ادعياء الثورة أكثر صرامة من قيادات النهضة التي كانت تحاول التكيف مع وضع ليس مقصورا على تونس بل هو إقليمي ودولي يجعل أدعياء الثورة في حقيقة الامر أكثر خدمة لصف الثورة المضادة مما يتهمونها به من توافق لم تختره طمعا في شيء عدى الابقاء على نبض الثورة حيا حتى تمر العاصفة .وهو الأمر الوحيد الذي يشفع لها ولقياداتها عندي رغم كوني كنت ولا زلت أعتقد أنهم كان يمكن أن يكونوا أكثر شجاعة في التصدي. ولأبدأ بأكثر أعضاء صف الثورة صدقا وأمانة أعنى المرزوقي لأشير لعلل رفضي رؤيته في توهم علاج مشاكل تونس يكفي فيه اختياره هو رئيسا ودعواه حماية الإسلاميين قلبا للحقائق :فهو من دونهم ليس له وجود سياسي أصلا لان من يحتمي بمانديلا وشيراك ليس سياسيا كبيرا خاصة بعد فشل التقرب من ابن علي. لذلك فقد عارضت تعيينه الأول دون ضجيج. ابو يعرب المرزوقي 166 الأسماء والبيان
- - وقاومت ترشحه الثاني صراحة وسعيت لإفشاله. وأعارض ترشحه الحالي الذي اعتبره خيانة موصوفه للثورة لأنه يعلم أنه لن ينجح وأقصى دوره هو المشاركة في إنجاح أحد اعدائها. ولست ضده لشك في أخلاقه أو في ثقافته أو في اخلاصه كما بينت له ذلك لما سألني عن موقفي منه مؤخرا.. ما فعلته في موقفي منه هو ما أراه واجبي في خدمة الثورة التي شاركت فيها بقدر استطاعتي .ولما تبين لي استحالة المشاركة في المنعرج الجديد للحركة التي سعيت للتعاون معها استقلت صامتا. وما فعلته في 2014لم يكن خدمة للباجي أو خيانة للثورة كما يتوهم الحمقى من المستفيدين من المرزوقي أعني أولئك الذين خانوه لما يئسوا من الطمع فيه. فقد كان قصدي التسريع في عودة النظام القديم وهو ضعيف بقيادة شيخ لا مستقبل له فيكون مضطرا لتجنب المجابهة التي كان يمكن أن تنهي كل أثر للثورة يمكن أن يمثل قوتها السياسية الكبرى أعني النهضة. فكل المتكلمين اليوم باسم الثورة لو سقطت النهضة ثانية لا قدر الله لدخلنا حقبة أخرى أطول من حقبة ابن علي فضلا عن كون نجاح المرزوقي لو نجح في 2014فإن ذلك كان سيكون فرصتهم لضربها منذئذ به وبجماعته الذين نراهم اليوم في الحزيبات التي نشأت عن تفتت حزبه باسم ثورة لفظية هي في الحقيقة شعبوية للوصول إلى الحكم من جنس كل المكثرين من الشعارات. أما لماذا لا اعتقد أن المرزوقي يصلح للرئاسة فأول العلل أنه يتصور نفسه وكأنه ولد ليكون رئيسا دون أن يكون له شرطها الاول والاخير أعني القوة السياسية التي يمثلها والتي يكون لها الثقل الكافي لقيادة الدول .فمن فشل في قيادة حزيب كلنا يعلم أن جل المنتسبين إليه انتفعوا منه وخانوه فتفتت إلى خمسة حزيبات من جنسه ولعلها أدهى وأمر ابو يعرب المرزوقي 167 الأسماء والبيان
- - من حيث العنتريات والاعتقاد بأنهم ولدوا ليكونوا رؤساء لا يمكن أن يكون قادرا على قيادة تونس خاصة إذا كان يعتبرها مثلما كان يعتبر القذافي ليبيا جماهيرية عظمى. والآن أنا أكثر معارضة لترشحه الثالث مني في الأول وفي الثاني .فهو لا يريد أن يخرج بكرامة بل هو سيخرج في أدنى منزلة في الرأي العام الناخب وبوصفه ساعد أعداء الثورة في الصفين على أنهاء حقبتها. فهو يشجع \"المتناقزين\" مثله على الرئاسة ممن ليس لهم مؤهلاته الثقافية ولا الخلقية بدلا من الوقوف ضدهم وهو بذلك سيجعل أسفل الساسة من الصف الذي يسعى لإعادة النظام بإعادته ديموقراطيا لأن الفشل هذه المرة سيطال جميع من ينبض فيه بقيم الثورة .ولا أحد من المتكلمين باسمها في هذه الحزيبات منهم بدليل التسرع الدال على الطمع وليس الإخلاص .فلا أحد يمكن أن يثبت بحق إخلاصه للثورة بمجرد الاقوال لأن نسبة الصدق في نسبة عكسية مع المزايدات. اما بقية المترشحين فلا يستحقون أن أعلق عليهم لأن مجرد ترشحهم مباشرة للرئاسة دليل حمق ومرض نفسي قد يكون استسهالا باسم التشبيب والشعبوية متوهمين أن ما كرون نجح لأنه شاب مثلهم. لا أحد منهم له مؤهلات ماكرون ولو ذرة ولا سنده في مجتمعه .فلا هم قابلون للمقارنة معه شخصيا ولا لهم ما له من سند مستمد من قاعدة شعبية ومن انشطة مقومة لحيوية الأمة الفرنسية .فالسند في تونس إن وجد فهو مافياوي وهو يذهب إلى مرشحي الثورة المضادة التي اختارت اصحاب خبرة ليس في السياسة فحسب بل وكذلك في مجالات معترف بها دوليا ولا يكتفون بمجرد الشعبوية والشعارات الثورية. ابو يعرب المرزوقي 168 الأسماء والبيان
- - سبق أن وصفت البنية العميقة للحكم في النظامين الأساسيين أي الثيوقراطيا (الحكم باسم الله) والديموقراطيا (الحكم باسم الشعب) بالأبيسيوقراطيا (الحكم باسم وثن العجل). وقد صادف أن كانت نتائج الانتخابات مؤيدة لهذا الوصف :سعيد والقروي. ودون أن يكون المثال دليلا كافيا فيعتبر برهانا على الرؤية فإنها كذلك ليست من الصدف. .1فلا يمكن تصور ما يجري من دون المافية المالية أي معدن العجل والمافية الأيديولوجية أي خوار العجل مجتمعين اجتماع المرشحين اللذين نجحا في الوصول إلى الدور الثاني في انتخابات تونس .ومثلما أن معدن العجل في القصة القرآنية مسروق لأنه أمانة لم ترد لأصحابها فإن تمويل الحملة مسروق لأنه صدقة من أصحابها حوّلها المافيوزي إلى تمويل لحملته التي كان يخطط لها بإيهام الناس أنه يصدق من أجل ابنه. .2ولا يمكن إذن أن ننفي أن القروي يمثل معدن العجل الذي اشترى به رتبته في الانتخابات لأنه منذ ثلاث سنوات يعمل على تكوين قاعدة انتخابية بتمويل في ظاهره خيري وهو في الحقيقة تمويل لحملة انتخابية سابقة لأوانها تبينت الآن حقيقتها للجميع بعد أن علمنا من هي قاعدته الانتخابية. .3لكن ذلك لم يكن مقصورا على المال والإعانات التي توزع على الفقراء بل كان مصحوبا بالخوار الذي جند له فضائية تعمل ليلا نهارا من أجل هذه الغاية وهي خوار كله كذب ورياء ويعتمد على الدعاية والاخبار الكاذبة وثقافة المسلسلات المنحطة وخلط ذلك كله مع دعوى خدمة الفقراء ترحما على ابنه الذي توفاه الله في حادث مرور ولكن بصدقات التونسيين الذين يدعوهم بفضائيته للتصدق ومساعدة الفقراء بواسطته هو .فكان إذن يعمل الخير بصدقات غيره في الظاهر ويمول حملته الانتخابية. ابو يعرب المرزوقي 169 الأسماء والبيان
- - .4لكن الأمر يبدو معكوسا عند رفيقه في الترشح والنجاح للرئاسية الذي حصل على الرتبة الأولى أي إنه ليس بتوزيع المال مباشرة بل بالوعد به وخدمة الفقراء والعدالة الاجتماعية -وكلها وعود كاذبة لأن ذلك ليس من مشمولات سلطة رئيس الدولة في النظام التونسي إلا إذا كان ينوي القيام بانقلاب دستوري على رئيس الحكومة وأخذ صلاحياته- وهو إذن مثل صاحبه يدفع من جيب غيره ويكذب مثله فلا هو استاذ قانون دستوري ولا هو قادر على الوفاء بما يعد لأن ما يعد به ليس من مهامه كرئيس -فيكون خوار العجل عنده مقدما عنده على معدن العجل حتى وإن كان وعودا وليس مثل الأول أفعالا. .5وبذلك فكلاهما استعمل البنية العميقة للنظام الثيوقراطي بخطاب ديني بين ولعله بسند خفي من نظام ثيوقراطي كلنا يعلم دسائسه (الثاني) والعلماني المافيوزي في الديموقراطية التابعة والنظام الثاني يمكن لزعماء المافية أن يحكموها (صاحب الحملة الخيرية والاعلامية شروط أحد زعماء المافية الإيطالية). فتكون الحالة التونسية في هذه الانتخابات تمثل عينة مما عرفته بالبنية العميقة لنوعي الحكم إما باسم الله والدين أو باسم الإنسان والمال :والرمز هنا هو التقوى الزائفة التي للخداع وهي تقية وليست تقوى أما المال فهو بنفسه رمز القوة التي تصبح من جنسها عندما تقدم بصفة اعمال الخير .وهذان هما معدن العجل أو الذهب وخوار العجل أو الإعلام. أعلم أن القارئ العربي لا يعنيه الكلام في البنى العميقة للسياسة لأنه يتصورها أمرا مزاجيا ويتوهم أن ما حدث في تونس ليس إلا تعبيرا عن حرية الشعب حتى لو كان يعلم العكس تماما إذ ما وصفت هنا لا يجهله أحد على الاقل بالنسبة إلى القروي .وحتى الثاني فلا يجهل أمره إلا من يتجاهل الاختراقات التي تنخر كيان تونس السياسي والثقافي وخاصة الإعلامي والمالي .وطبعا من يقول ذلك ينسى أمرين: • الأول هو أن الثقافة الديموقراطية ما تزال في تونس جنينية ومن ثم فلا أحد ينتظر أن تكون فعلا في شكل يمثل بحق ما نتمنى أن تكون عليه .فأوروبا خاصة والغرب عامة لم يصل إلى الديموقراطية العامة إلا بعد المرور بمراحل كلنا يعلمها ولم يكن الناخبون كل ابو يعرب المرزوقي 170 الأسماء والبيان
- - الشعب بل تدرج التعميم بتدرج أمرين :الوعي الشعبي بالحقوق والواجبات ،والمستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي يقلل من استعمال المال القذر والإعلام المغالط. • أن تونس وكل البلاد العربية ليست بمنأى عن أمر طال حتى أمريكا .فإذا كانت روسيا قد استطاعت أن تتدخل في انتخابات امريكا فإن دولنا التي هي أشبه بالمحميات الفاقدة للسيادة مخترقة إلى حد يجعلها قطعة جبن كل من هب ودب يخترق أحزابها ومؤسساتها وخاصة ذراعا الاستعمار في الإقليم أي إسرائيل وإيران مع الاستعمار ومع ذيوله وذيول ذراعيه من الأنظمة العربية المعادية للثورة ولحرية الشعوب. وكل من يتصور أن من جرى هو من المعجزات التي تنتج عن إرادة الممثلين النظاف أمر يكذبه نجاح القروي أو من الممثلين ألأقدر أمر يكذبه نجاح سعيد الذي ليس له خبرة سياسية اصلا ولم يكن مشاركا في الحكم بالفعل بأي مستوى منه أو بالحكم بالقوة -المعارضة- في وقت لا قبل الثورة ولا بعدها .ذلك أن المشاركة في المظاهرات التي تلتها لم تكن مشاركة في معارضة بل هي عمل شعبي شارك فيه تقريبا كل الشعب وخاصة المثقفون والنقابيون وأصحاب المهن الحرة. ابو يعرب المرزوقي 171 الأسماء والبيان
- - لا يمكن أن يوجد في تونس أو في الاقليم ممن يتابعون الشأن السياسي على الأقل منذ الربيع العربي من يجهل أني أكثر الناس حرصا على المساهمة في عمل الإسلام السياسي وأكثرهم نقدا لبعض تصرفات قياداته. لكن حرصي المضاعف هذا لا يعني أني أنكر فضل حركات الإسلام السياسي عامة والنهضة خاصة على الأمة على الأقل منذ بداية الربيع .فكل ما يجري في الإقليم من علامات الاستئناف تدين به الأمة لرجال هذه الحركات ونسائها بكل أجيالهم ومنذ قرن كامل على الاقل. لكن حركة النهضة صارت اليوم ضحية ظلم ذوي القربى .وهو الأشد مرارة من ظلم أعدائها الذين يعلمهم القاصي والداني. لذلك يبنغي أن أشرح علة وصفي إياها بـ\"سفينة نوح\" للربيع العربي ليس في تونس وحدها بل في كل الإقليم وربما في العالم الإسلامي كله. وما حدث في تونس بفضل دور النهضة مثال ينبغي أن يحتذى به. كان من المفروض أن يكون مثالا يحتذيه جميع الإسلاميين في بلاد العرب للوصول إلى ما تحقق في تونس من بداية مشجعة للمسار الديموقراطي. فأولا كل الذين يدعون تمثيل الثورة في تونس يدينون بوجودهم لبقاء الربيع فيها. ومن تقدم عليه من المعارضة لبورقيبة استوعبها ابن على فصار جلها \"صبابة\" نظام السابع من نوفمبر أو على الأقل تربية نظامه و\"مثقفيه\" من جنس ك ّتاب \"الثورة الهادئة\" .وهم إلى الان من توابع مافية ابن علي أعني ما يسمى باليساريين والقوميين والعلمانيين ممن قفزوا من أقصى البداوة إلى التظاهر بأقصى الحضارة. ابو يعرب المرزوقي 172 الأسماء والبيان
- - ولذلك فهم أشد الناس على النهضة رغم أن بقاءهم نفسه شرطه بقاء دورها في حماية الربيع لأن الثورة كان يمكن أن تتحول إلى عنف فيصفيهم مثيلهم في الحركات الإسلامية. فالثورة كان يمكن أن تكون حربا أهلية بين من حولوا الحداثة السطحية إلى سلفية ظلامية ومن حولوا الأصالة السطحية إلى سلفية ظلامية. وكان الأمر سيكون من جنس ما حدث في إيران لما أخذ الخميني الحكم فكانت تصفية الظلامية الملالية للظلامية الشيوعية في إيران أو ما يحدث في سوريا أو ما يحدث في اليمن و ما يحدث في ليبيا و ما حدث في العشرية السوداء في الجزائر. لكن هؤلاء الذين لم يصبح لهم وجود سياسي إلا بفضل بقاء الربيع في تونس \"مزروبون\" أعني فتات حزب المرزوقي وحزب الشابي وحزب ابن جعفر وحزب ابن علي وبعض من يريد أن ينضم إلى ركبهم من جنس \"هاني معاكم لا تنسوني\" .كل هؤلاء لم يكن لهم ذكر أو وزن سياسي .لكن النهضة مدت لهم يدها حتى لا يكون تمثيل الثورة بالإرادة الشعبية مقصورا عليها خاصة. وكان يمكنها بما حصلت عليه أن تفعل ما فعل الإخوان في مصر ما جعل الصراع يصبح داميا دون أن يكون ذلك بإرادتهم بل كان مؤامرة الجيش والنخبة اليسارية والقومية وخاصة السلفية والمسيحية التي ارادت الفشل للثورة. لكن هذه المؤامرة لم تجد آذانا صاغية من جيشنا الوطني الذي كان مع الحكومة الاولى للربيع الحامي الثاني للمسار الثوري في تونس :وقد كنت شاهد عيان للتعاون على الامن الوطني بثقة متبادلة مطلقة بين السلطة التنفيذية وقيادات الجيش والامن الوطنيين. وما كنت لأكتب هذا النص لو لم تفض الكأس من سماع من يذهبون إلى اعتبار النهضة من السيستام لأنها ضحت في مهادنة ليس خوفا منه بل أخذا بعين الاعتبار لما كان يمكن أن يقضي على التجربة الوحيدة ذات النجاح النسبي في ثورة الربيع .فلما أسمع جل الصبابة يزايدون على من دفعوا جل شبابهم في الصراع الذي كان داميا وهم في خدمة مافية ابن علي يتفاحلون حاليا للكلام على السيستام وما يضاده لم يعد بوسعي أن أقبل هذه المهازل. ابو يعرب المرزوقي 173 الأسماء والبيان
- - فما أقوله في قيادات الحركة ليس للمس منهم أو من دورهم بل الهدف هو الاعداد للمستقبل لأن الأحزاب لا تبقى إلا بما تبقى به الحياة أعني تداول الأجيال :وقد حان أوان اعداد الجيل الخالف لبقاء الحركة دون التخلي عن الجيل السالف الذي يصبح ممثلا لجيل الرمز المتابع لجيل الفعل .فيكون الجيل السالف مسددا لفعل الخالف وتلك هي الحياة .فالآباء المؤسسون هم من يعد الأبناء المواصلين لما أسسوا له .ومجرد قيامهم بهذا الدور يزيد من منزلتهم الخلقية فيصبح للجيل الخالف رموزا يعتد برأيها ولا يعمل من دون الاستفادة من خبرتها ومشورتها. أما أن يتطاول \"المفرخة \" على الحركة الوحيدة التي ضمنت لتونس بقاءها رغم الأمواج العاتية في الزوبعة التي يمر بها الاقليم فإن الواجب يقتضي أن أقول إن حركة النهضة - كما قلت في بداية مشاركتي المستقلة في العمل السياسي -هي قمة الإصلاح في الإسلام السياسي الذي سيجد في تجربتها طريق السلامة لتحقيق شروط الاستئناف .وهي بهذا المعنى \"سفينة نوح\" بكل معاني الكلمة. وحتى موافقتي على قرارها التصويت لسعيد ،رغم رفضي لرؤاه وعلمي بعدم أهليته، فهي لأني أعتقد أن ذلك ليس لقناعة بأنه الرجل المناسب ،بل لأنها تريد أن تحول دون أن يستغله أعداء الثورة والأمة فتكون مرة أخرى الحرز الحامي للثورة وللوطن وللأمة. ابو يعرب المرزوقي 174 الأسماء والبيان
- - الوسط بين رذيلتين مفهوم أرسطي يعرف به الفضائل. اعتمده الكثير من السياسيين مع غياب المطلوب من التعريف الأرسطي أي الفضائل وبقيت الرذيلتان. ومن دون الانطلاق من الفضيلة لا يمكن تحديد الرذيلتين اللتين يمكن أن تحرفاها. لذلك فأرسطو لا يحدد الفضيلة بالوسط بل يحدد بها تحريفي القيمة التي تبدو وسطا وهي ذروة التحرر بتعاليها من الانحطاط الذي ينتج عن تحريفيها فيجعلانها رذيلة. وهو قياس على الهندسة لأن أرسطو يقيس التحليل الخلقي على التحليل الرياضي عامة والمفهومات على المفهومات. • فالزاوية القائمة هي المعيار • وما دونها يسمى حادة • وما فوقها يسمى منفرجة • وكلاهما ابتعاد عن المبدأ في تعريف الزاوية عامة لأنها تسمى الحادة بكونها ما دون القائمة والمنفرجة ما فوقها. وهذا المعنى يطبق على الفضيلة التي تعرف الاستقامة الخلقية والحسن الجمالي بتحريفهما بما هو دونهما افراطا أو تفريطا. لكن سياسيي تونس يقصدون ما يسمونه الظلامية الإسلامية ويقابلونها بالتنويرية العلمانية أي بتطرفهم الذي لا يعترفون بكونه أشد رذالة من كل الرذائل فيبحثون عن وسط بينهما أي تماما عكس هدف ارسطو. فأولا هم يعتبرون الإسلام ظلامية والعلمانية فضيلة وهم ليسوا وسطيين لا في الاسلام دين شعبهم ولا في العلمانية دين سادتهم الذين يحركونهم كالدمى. ابو يعرب المرزوقي 175 الأسماء والبيان
- - ومن ثم فهم لا ينطلقون من رذيلتين بل مما يعتبرونه رذيلة أي حكم الإسلاميين ومما يعتبرونه فضيلة أي حكم العلمانيين. ولا معنى حينئذ للكلام على العائلة الوسطية لأن الوسط يقتضي حدين يتوسط بينهما. وكلا الوصفين للحكم باسم الإسلام والحكم باسم العلمانية لا يطابقان الموجود في الساحة السياسية. فالأولون لم يحكموا بالإسلام والثانون لم يحكموا بالعلمانية بل هم أكثر الناس استعمالا للإسلام إما إيجابا أو سلبا بحسب الحاجة التي تناسب من يستعملهم لأنهم دمى .فعندما احتاجت أمريكا للإسلام في افغانستان وللمسيحية في أوروبا الشرقية ضد السوفيات حالفت الانظمة الدينية. وإذن فالكلام على الوسطية لا معنى له عند سفهاء الأحزاب التونسية التي لا تريد أن تحدد حقيقتها أعني أنها أحزاب مافيات داخلية في خدمة مافيات أجنبية. كل الكلام على الوسطية في المسرح السياسي التونسي من أوهام النخب التي تمثل الانحطاط الإسلامي والانحطاط الحداثي .وطبعا الوسط بين انحطاطين هو ذروة هي الانحطاط عندما لا يكون المطلوب من التوسط الخروج من تحريف الفضيلة بالمعنى الأرسطي. ولما كان الإكثار من الكلام على الوسطية اليوم في تونس على الأقل مقصورا على من لم يجدوا لهم مكانا في الفضيلتين اللتين يمكن أن يعرفا السياسة قياسا على الاخلاق لأن السياسة هي أخلاق الجماعة سواء كانت فاضلة أو راذلة لم يبق لهم إلا الاسترذال بجعل السياسة حربا على الأراذل بأرذل ما يوجد في الجماعة إرادتها ومعرفتها وقدرتها وذوقها ووجودها .وتلك هي حال السياسية في بلاد العرب لأنهم جعلوها تابعا بنيويا بسبب ما حل بدار الإسلام من تفتيت جغرافي وتشتيت تاريخي يجعلها كلها محميات وليست دولا. وحتى لا يكون لكلامي ما يتهم به عادة من التجريد فلأعين: ففي تونس وعملا بطبيعة التحزب السياسي من المفروض ألا يوجد إلا: ابو يعرب المرزوقي 176 الأسماء والبيان
- - • اليمين (أي الرأسمالية المتوحشة) • واليسار (أي الاشتراكية المتوحشة) • ويسار اليمين (أي الوسطية التي تعدل مبدأ التوحش الاول بشيء من مبدأ التوحش الثاني للحصول على تحرر من توحشهما) • ويمين اليسار (نفس الغاية أي الوسطية التي تهدف لنفس الغاية ولكن بالعكس أي تعديل مبدأ التوحش الثاني بشيء من مبدأ التوحش الأول). لكن الوسط بينهما لا يهمه التعديلان بل هو يتبع الأقرب إلى ربح المعركة في الساحة السياسية ولذلك فهو حليف الغالب وهو إذن تابع للتوحش الغالب. ماذا عندنا في تونس؟ كل من ليس من الستالينية (أدعياء اليسار ومعهم أدعياء القومية) وليس من الإسلام الراديكالي (السلفيات) ومن المافية الراديكالية (بقايا نظام ابن علي) وليس من بقايا الثعالبية وليس من بقايا البورقيبية حقا لا ادعاء يسمون أنفسهم وسطية ويتبعون من يرونه الاقرب لربح المعركة. وطبيعي أن يكون أغلبهم أميل إلى بقايا البورقيبية ليس حبا في بورقيبة بل لأنهم يتصورونه درعا ضد الإسلاميين ولأن مموليهم من المافية الراديكالية المحلية والإقليمية والدولية يتصورون هذا النهج هو الاقرب لمنع الشعب من التعبير الصادق عما يريد. وهذه التوصيفة ليست خاصة بتونس بل هي المسيطرة في كل بلد عربي ويريدون تنفيذها بقوة المال والسلاح إن لزم الأمر في كل بلد عربي ذاق نسائم ما يسمى بالربيع التي يمكن أن تعتبر بداية الخروج من الاستثناء التاريخي في العالم .فالمعلوم أنه لم يبق فيه من هو خارج الرؤية الديموقراطية للحكم إلا: .1بقايا الرأسمالية القبلية المتوحشة دون عمل (اصحاب البترول) .2وبقايا الأنظمة العسكرية العربية التي تدعي تطبيق الاشتراكية المتوحشة أي العبودية الجديدة ابو يعرب المرزوقي 177 الأسماء والبيان
- - .3ومثلها العليا هي روسيا بوتين .4أو الصين. .5وبذلك نفهم المقصود بالوسطية في تونس :إنها كل من ليس إسلاميا حديثا ولا بورقيبيا أصيلا ولا من فهم تطور الرأسمالية التي صارت أحزابها يسار اليمين لتعديل الميل الاقتصادي ولا من فهم تطور الاشتراكية التي صارت أحزابها يمين اليسار لتعديل الميل الاجتماعي :هم إذن الوسط بالمعنى الجامع للرذائل وليس للفضائل السياسية. ذلك أن الوسطية بالمعنى الأرسطي في الأخلاق والقابلة للتطبيق في السياسية هي ما حصل من تعديل للدافع الاقتصادي بالدافع الاجتماعي أو للدافع الاجتماعي بالدافع الاقتصادي وسطا بين التوحشين اللذين هما رذيلتان أولاهما تحول دون العلة الغائية للاقتصاد أعني البعد الاجتماعي شرط العيش المشترك السلمي في الجماعة والثانية تحول دون العلة الفاعلية للاقتصاد أي دوافع الانتاج المستجيب للحاجات الإنسانية العضوية والروحية. لكن ما يجري في السياسة العربية عامة والتونسية خاصة هو أن العيش المشترك السلمي والانتاج المستجيب للحاجات ليس هم السياسة لأنه لا وجود لاقتصاد مبني على قوانينه وسننه فمن يعتبرون أنفسهم اغنياء دخلهم الوحيد تحكمه شركة -مثل سوناتراك في الجزائر وشركة البترول السعودية إلخ ..ومن يعتبرون فقراء يعيشون على فضلات اقتصاد المستعمر وليس لهم اقتصاد مستقل .ومن ثم فكل دول العرب شبه دولة راعية بالحد الأدنى من شروط الحياة الدنيا أي توزيع الحد الأدنى من العيش النباتي. وإذن فالمعركة السياسية لا علاقة لها بالإنتاج الاقتصادي ولا الثقافي ولا خاصة بعلاقة الاجتماعي بالاقتصادي والاقتصادي بالاجتماعي إلى بهذا الحد الأدنى لكي يحظى الحكام بشروط البقاء والنهب مع المستعمر لكل ثروات البلاد فضلا عن كونها فصلت بصورة تجعلها عاجزة عن التخلص من التبعية في ظرف لا تكون الدول قادرة على التنمية الاقتصادية والثقافية إلا إذا كانت بحجم يمكن من ذلك أو كونت مجموعة تعمل معا مثل أوروبا ومثل جنوب شرق آسيا. ابو يعرب المرزوقي 178 الأسماء والبيان
- - فكل ما يسمى دولا عربية هي محميات وليست دول وكل الساسة العرب يكذبون على شعوبهم لما يدعون أنهم هم الحكام الفعليون وليسوا مجرد دمى تحركهم مافيات داخلية تابعة لمافيات خارجية. ابو يعرب المرزوقي 179 الأسماء والبيان
- - رأيت الكثير من المعلقين يسخرون من مرشح الوطد الذي هنأ الشعب برأس السنة الهجرية .فعجبت لأمرهم .هل لأن الرجل فهم أنه من الحمق السياسي أن يتقدم مترشح لشعب ثم يواصل معاداة ثقافاته ومعتقداته ويأمل في النجاح إذا لم يكن إما أحمقا سياسيا أو عميلا لقوة أجنبية سواء كانت هذه القوة هي المستعمر السابق أو عملاء من أخذ مكانه سواء كان من الغرب أو من الشرق تسنده لأنها اختارته دكتاتورا بديلا من الذي أسقطه الشعب؟ ومثلما سبق فحييت \"صدق\" اليساريين الذين واصلوا على الاقل في الاقوال التشبث بإيدلوجيتهم التي تؤمن بالوصاية على الشعوب وإيصالها إلى جنة الشيوعية رغم أنوفهم وتحدوا عقائد الشعوب فلم ينافقوا لما كان المناخ السياسي العام لا يعير اهتماما لرأي الشعب إذ الجميع كان يحكم بالعنف والاستبداد فإني اليوم أحيي مبادرة الرحوي الذي أراد بمناسبة رأس السنة الهجرية تغيير اسلوب اليسار في التعامل مع ثقافة الشعب. فهذا الموقف يعبر عن تحول ينبغي أن يفرح أي مؤمن بالديموقراطية :فهو يعني أنه بدأ يدرك استحالة حكم شعب سلميا وديموقراطيا من دون المصالحة مع معتقداته الأساسية. وقد يصبح هذا التحول من موضوعات التنافس بين أحزاب اليسار والقوميين الذين سيتخلون عن حماقة معاداة معتقدات الشعب إذا صاروا فعلا يؤمنون بالديموقراطية .ولا أحد يطالبهم بأن يكونوا إسلاميين فعقيدة الفرد له وحده لكن احترام عقائد الشعب من شروط التقدم لقيادته في معاركه السياسية. ثم إن معتقدات الشعب ليست بالضرورة إسلامية فالكثير منها بمعيار الفقه الإسلامي وثنية .لكنها تكل هي ثقافته ولا يمكن تغييرها بعنف الدولة بل بالتربية والخطاب السياسي المستنير .والقضية ثقافية اجتماعية بالأساس وهي من مهام المجتمع المدني وليست ابو يعرب المرزوقي 180 الأسماء والبيان
- - من مهام السياسة إلا عندما تصبح مصدرا لإشكال سياسي فتحسم بالعودة إلى الشعب كما في حالة مشروع السبسي في تغيير الفرائض لأن المس بها باستعمال قوة الدولة ليس من الحكمة السياسية في الأنظمة الديموقراطية لأن ذلك قد يصبح تقسيما للشعب بين حاكم متجبر وشعب يقبل كرها ما يفرض عليه تماما كما كان يفعل المستعمر معه باعتباره انديجان وليس شعبا حرا يختار قيمه بنفسه. وكذلك ينبغي أن تعالج كل القضايا التي لها صلة بالقيم الأساسية التي يؤمن بها شعب من الشعوب بوصفه شعبا حرا في كل بلد ديموقراطي يعتبر الوصول إلى حكمه لا يكون إلا باختياره الحر وليس بالعنف ولا خاصة بالاستقواء بقوة أجنبية سواء كانت استعمارية سابقة أو من أعراب الثورة المضادة أو منهما معا للأولى القوة وللثانية التمويل. اخترت هذه المناسبة للكلام على نوعين كلاهما يدعي الديموقراطية والحداثة ويتصور أصحابهما أنفسهم زعماء كبار انتفخت أوداجهم اعتمادا على استبيانات رأي مغشوشة فصاروا يولون ويعزلون في خيالهم وكأن أوهامهم تعطيهم قوة سياسية فعلية بقاعدة شعبية لا تتجاوز المصفقين للعنتريات ضد مافيات الفساد ولا يدرون أن عنترياتهم هي في خدمتها لأنها تحتاج إلى \"طهورية\" الأبواق في المجالس العلنية و\"أخمج\" ما يكون في المجالس السرية: • الأول للزعم بأنهم يقدمون الدستور على الإسلام في مسألة الفرائض خاصة وعلى معتقدات الشعب. • والثاني يتبرأ من التوافق مع النهضة وهذا من حقه لكنه يزعم أن الإسلام السياسي لا مستقبل له. فأن يقول من يجمع عليه شقوق حزب السبسي أنهم جربوا التوافق ووجدوه غير مفيد وأنهم قرروا أن يتخلوا عن هذه السياسة ويريدون أن يحكموا وحدهم معترفين لغيرهم بحق المعارضة الحرة قد أفهم ذلك .ففيه عودة إلى أصل التداول الديموقراطي .فبوسعهم أن يعتبروا ما حصل كان خطأ وأنه ربما علة تمزق حزبهم أو على الأقل فمن حقهم أن ابو يعرب المرزوقي 181 الأسماء والبيان
- - يعتقدوا ذلك .ولهم شيء من الحق في مثل هذا الدعوى لأن لهم شروط موضوعية تجعلهم ربما قادرين على الحصول على الأغلبية. ومثلهم يمكن للإسلاميين إذا اتحدوا أن يزعموا نفس الزعم فيقررون بنفس المنطق أن يقولوا تونس تجاوز الصراع ويمكن الآن أن نشرع في التداول الديموقراطي وسنحاول الحصول على الأغلبية .وهم على حق لأن لهم قاعدة ربما تضاهي قاعدة الطرف الذي كانوا يشاركونه الحكم ولو رمزيا .وقد أفهم ذلك أيضا. لكن أن يأتي من قاعدته لا تتجاوز فتات أحزاب لم يكن لها وزن لا قبل الثورة ولا بعدها أو ليس له قاعدة أصلا عدا بعض المنتفعين من مرحلة حكمه الوجيزة فذلك من علامات أحد أمرين وتفاعليهما على النحو التالي: .1إما الحمق السياسي الذي يتدثر بالطهورية الثورية والتي من علاماتها انتفاخ الاوداج بالأصوات العالية والأحكام القاطعة على معركة الفساد التي هي من أعسر المعارك ولا يمكن لأنها ليست معركة يكفي فيها شرعية الصندوق حتى لو حصلت بل لا بد فيها من قوة سياسية ذات قاعدة عريضة يعتمد عليها الحكم السياسي لمنازلتها. .2أو العمالة التي تتدثر بالكفاءة التكنوقراطية والتي تستأسد على الشعب بالاعتماد على قوة أجنبية لعل صاحبها حاصل على جنسيتها والولاء لمصالحها قبل مصالح الشعب الذي يريد أن يحكمه رغم أنفه بكل وصائل الترهيب والتجويع الذي يؤدي إلى التبعية والقبول بالمساعدات المذلة خلال الحملات الانتخابية. .3وغالبا ما ينتهي الأول إلى الثاني لأن الحمقى من الساسة تحتاج إليهم المافيات بدائل تخفي بأقوالهم ما تريده من أفعالهم في ما \"احترقت\" فيه أدواتهم السابقة التي اكتشف الشعب أوساخها فتحتاج إلى \"طهوريين\" يكثرون الكلام على محاربة الفساد بل ويزعمون أنهم منعوا منه في بداية حياتهم السياسية التي ما كانت لتبدأ لولا هؤلاء الذين يستقذرهم. ابو يعرب المرزوقي 182 الأسماء والبيان
- - .4وغالبا ما يزعم الثاني أنه من كبار الخبراء ومن التكنوقراط في البيع والشراء المغشوشين على حساب شعبه حتى يكون أداة مفضلة لدى شركات النهب النسقي لثروات وطن لم يعد الولاء له يتجاوز الأقوال لأن ولاء الافعال هو للوطن البديل بمنطق الولاء والبراء المطلوب ممن يتفضلون عليه بالجنسية. .5وفي الغاية فنحن أمام طبقة سياسية تدعي الديموقراطية والوطنية وهي معادية لثقافة شعبها ولمصالح وطنها شرطين في الحصول على سند المافيات التي تحتاج إلى دثارين تخفي بهما لعبتها :الطهورية الثورية في محاربة الفساد بالأقوال دون شروطه في الأفعال والخبروية التكنوقراطية في بناء النهوض بالأقوال مع تهديمها بالأفعال خدمة لسادتهم الذين عينوهم في هذه المهمة. ومن اراد أن يفهم الرؤية التي تحكم هذه الحالات الأربع واصلها الخامس فلينظر في قائمات \"القوادة\" من المناشدين-وقد بدأنا نرى بعضها .فهم \"اخصياء\" السياسة من العائشين على فتات موائدها أي من يعتبرون أنفسهم مثقفين والذين هم حاضرون في كل محضر لأنهم من نجوم الرسميات يطبلون لمن يعتبرونه الأقوى في حماية منافعهم التي شعروا بأن الثورة بدأت تهددها أعني أصحاب الاقطاعيات المزعومة أكاديمية أو فكرية أو فنية أو بصورة عامة ثقافة يزعمون لها الحداثة وهي في الحقيقة \"حدوثة\" بالمعنى المصري للكلمة :هم باعة الفريب الفكري في بلاد \"الأنديجان\" كما يتصورون شعوبهم. ابو يعرب المرزوقي 183 الأسماء والبيان
- - أسمع المرشحين الممثلين لأكبر تيارين سياسيين في تونس يتكلمان على المصالحة بصورة عامة دون أن يحدد أي منهما ما يقصده بها .لكنه مع ذلك أمر محمود لأن فيه عزما على تجاوز الماضي وقلب صفحة قريبه وبعيده للالتفات إلى المستقبل. لكن لا بد من تحديد القصد بالمصالحة الكفيلة بتحقيق ذلك والجواب عن السؤالين التاليين: • فبين من ومن تكون المصالحة؟ • وبماذا تتعلق المصالحة المنشودة؟ لما كان كلام الرجلين عليها عاما وخاليا من الجواب عنهما سأكتفي بالافتراض الذي يستنتج منطقيا من طبيعة نسبتهما إلى صفين هما بدورهما بصدد التحدد وإن بدوا محددين: .1سأفترض أن المرشح الذي يقدم نفسه أو يقدمه الظرف على أنه وريث السبسي الذي يدعي أنه وريث بورقيبة فيكون هو وريث الوريث حتى وإن تقدم كمستقل :وأعني الدكتور الزبيدي. .2وسأفترض أن المرشح الذي يقدم نفسه أو يقدمه الظرف دون تحديد موروثه إلا بصورة غير مباشرة من خلال اعتباره مرشح النهضة لأنه لم يتقدم كمستقل :وأعني الأستاذ مورو. أما بقية المرشحين فينقسمون إلى فصيلتين ولا أحد منهم يبدو من دعاة المصالحة بل كلهم من دعاة المحاسبة لأنهم منحازون إما إلى الثورة أو إلى ما قبلها رغم أن الموضوعات السياسية الأخرى التي تتعلق بالتنمية وبعدها الاجتماعي مشتركة بينهم وبين المرشحين اللذين سأتكلم على رؤيتهما للمصالحة. ابو يعرب المرزوقي 184 الأسماء والبيان
- - • والفصيلة الأولى هي فصيلة من كانت مشاركتهم في الحكم كافية لبيان عجزهم عن تحقيق شيء ملموس في علاج مشاكل الوضعية التونسية .وإذا اعتمدنا على حصيلة تجربتهم فإنهم لا حظ لهم في هذه المنافسة الانتخابية. • والفصيلة الثانية هي فصيلة من ليس لهم تجربة سياسية وكان يمكن أن يكون لبعضهم حظ لو كانت لهم قاعدة شعبية وهو شرط لا يتوفر حاليا لأي منهم ولا معنى لفعل سياسي من دون قاعدة شعبية حاصلة أو ممكنة الحصول. ولذلك فسأكتفي بالكلام على هذين المرشحين اللذين يتميزان بكونهما من ذوي الخبرة دون مشاركة في تجربة الحكم التي صارت بؤرة التقييم لأنها تبدو وكأنها تغطي على عيوب ما تقدم عليها رغم أنها في الحقيقة هي أصل الداء. وسأحاول بيان المفارقة في الترشحين وفي تحديد طبيعة المصالحة المسكوت عنها لأصل إلى المصالحة المصرح بها عند كلا المشرحين .وأبدأ بالمفارقة البينة لكل ذي بصيرة أعني بالمصالحة المسكوت عنها: فالذي يتقدم على أنه مستقل عن الأحزاب هو في الحقيقة مرشح كل شقوق حزب السبسي لأنهم يعتبرون ترشحه فرصة لتوحيد صفهم ومن يتردد في الانضواء تحت لوائه سوف ينتهي إلى لا شيء. والذي يتقدم على انه مرشح حزب هو في الحقيقة مرشح مستقل حقيقة لأن الحزب الذي يدعي ترشيحه له قيادة تتكلم بصوت مختلف تماما عن صوته ولذلك فترشحه في الحقيقة تعبير هش عن درء صدع لم يعد بالوسع إخفاؤه. وإذا فاز الأول فيسكون بفضل وحدة الزعامة التي تحقق المصالحة بين الشقوق في حزب السبسي .وإذا فشل الثاني فستكون علة الفشل ازدواج الزعامة في تشقق حزب النهضة. وهكذا فنحن أمام مشروعين للمصالحة مصرح بهما .أحدهما يمثله الزبيدي وريث الوريث للمشروع البورقيبي .والثاني يمثله مورو الذي ليس له وسيط بين مشروعه ومشروع ضمني لم يعلن عنه لكنه بين من خلال تكوينه بوصفه صادقيا حاز على الثقافة ابو يعرب المرزوقي 185 الأسماء والبيان
- - الزيتونية ما يعني أنه ذو صلة مباشرة بلحظة أولى في الحركة الوطنية التي لم يكن بورقيبة بعد قد انفصل فيها عن الأصل المشترك لهذه الحركة :شباب تونس الذي كان يجمع بين الثقافتين الأصيلة والحديثة بعيد الحرب العالمية الأولى التي كانت بداية حركات التحرر في العالم انطلاقا من مشروع ولسون. المشروع الأول :مشروع المصالحة شبه المستحيلة التي يصرح بها الزبيدي: وأبدأ بالدكتور الزبيدي الذي يتكلم على المصالحة بالمعنى الذي كان يتكلم عليه السبسي وهي إذن مصالحة أعتقد أنها مستحيلة لانعدام شروطها التي سابين .فالسبسي يضمر أن مرحلة ابن علي مواصلة لمرحلة بورقيبة .وهذه كذبة بينة .ففي عهد بورقيبة مهما قيل فيها فإنها لم تكن محكومة بالمافيات في الدولة وفي الاتحاد ركني النظام البورقيبي .كان الجميع مهما اختلفوا مؤمنين بما يسمى الوحدة الوطنية ويسمونها القومية .لم يكن فيهما اختراق مافيوزي ولا اختراق صيهوني أو صفوي وأقصى ما كان موجودا هو تأثير المستعمر القديم ثقافيا وقيود اتفاقية الاستقلال .فيكون المشكل مع هذه المرحلة البورقيبية مقصورا على مسألة الاستقلال المنقوص ومسألة الديموقراطية. لكن مرحلة ابن علي أضافت إليهما مسألة الاختراق المافيوزي والاختراق الصهيوني والصفوي .ومن ينكر ذلك لا يريد التشخيص الدقيق ولا يريد البحث عن العلاج المناسب للداء ويكتفي بتلطيف الأعراض .وأستعمل هنا لغة الأطباء لأن الزبيدي طبيب. والسؤال الذي أوجهه له :هل له حل سحري للمصالحة التونسية من دون علاج هذه الأدواء الأربعة أي عيبي البورقيبية وعيبي الابنلعوية: .1تعديل اتفاقية الاستقلال حتى يكون استقلالا بحق؟ .2تعديل مفهوم الوحدة الوطنية بصورة لا تتنافي مع التعددية شرط الديموقراطية؟ .3الحسم مع المافيات التي تنخر الدولة والاتحاد؟ .4الحسم مع الاختراق الصهيوني والصفوي خاصة والمخابراتي الدولي في الأحزاب والمنظمات وجمعيات المجتمع المدني؟ ابو يعرب المرزوقي 186 الأسماء والبيان
- - فإذا غابت هذه المسائل في مشروع المصالحة لم يبق منه شيء يعتد به وهو عين ما حاوله السبسي فكان في الحقيقة ليس علاجا بل مسكنا للإبقاء على ما كان موجودا في عهد ابن على مع واجهة هي ما يسمى بالديموقراطية الشكلية التي لا معنى لها لأنها تبقى على الحال المرضية التي لن تجعل تونس دولة شعب حر بل دولة أنديجان تحكمها المافيات والاختراقات ولا طموح لها غير قشور التغرب والاغتراب. المشروع الثاني :مشروع المصالحة شبه المستحيلة التي يضمرها مورو. مشروع مورو ينتسب إلى ما لا ينقال .فصاحبه لا يستطيع التصريح به لأنه يضيف إلى ما يعجز دونه الزبيدي ما يجعل أي إنسان آخر أعجز عنه إذ لا يمكن فيه الاقتصار على الأقوال الظرفية بل لا بد من شروط انتقال الأقوال إلى الأفعال ككل بناء حضاري طويل النفس ليس السياسي فيه إلى احدى تجلياته السطحية. ولذلك فما لم يفهم الرجلان أن المنافسة بينهما ليست منافسة على الغايات التي هي أعمق من السياسي بل هي على أساليب العلاج السياسي الموصل إليها والذي شرطه أن يحصل اتفاق عميق بينهما عليها أصلا لترتيب الأوليات في المقاومة الشعبية لعلل التخلف والانحطاط المادي والروحي في الجماعات ذات التاريخ التليد .فكل ما أشرت إليه في مشروع الزبيدي للمصالحة الذي صار شبه مستحيل للعلل التي ذكرت ليس خاصا بصف الزبيدي بل هو يشمل الصفين إذ هو عينه ما يجعل مشروع المصالحة الذي بضمره مورو شبه مستحيل بل أكثر قربا من الاستحالة من المشروع الأول .فلا يمكن أن تصل النخبة السياسية التونسية الحالية إلى فهم علة الداء الأعمق في حال تونس الحالية من دون أن تجيب عن الأسئلة التالية: .1ما الذي جعل اتفاقية الاستقلال تكون مغشوشة وكيف يمكن تعديلها؟ .2ما الذي جعل مفهوم الوحدة الوطنية متنافيا مع التعددية الديموقراطية وكيف يمكن تعديله؟ ابو يعرب المرزوقي 187 الأسماء والبيان
- - .3ما الذي يجعل الحسم مع المافيات التي تنخر كيان الدولة والاتحاد شبه مستحيل وكيف يصبح ممكنا؟ .4ما الذي يجعل الحسم مع الاختراق الصهيوني والصفوي والمخابرات الدولية شبه مستحيل وكيف يصبح ممكنا؟ أليست هذه هي مطالب حرب التحرير أم إن أجدادنا كانوا على خطا وارهابيين؟ أليست هذه حرب التحرر أم إن شبانا الذي ثار بين 17ديسمبر و 14جانفي كانوا على خطأ وإرهابيين؟ ألا يعني ذلك أن المشكل المطروح حاليا إذا كنا نريد للانتخابات ان تكون تعبيرا حقيقيا عما يحول دون تونس والنهوض باقتصادها وثقافتها أعني التبعية في كل شيء مشروط في النهوض وهي التي قسمت نخبها السياسية بصورة جعلت: • الوحدة الوطنية شبه مستحيلة. • والتعددية الديموقراطية شبه مستحيلة. لأن شعبا صار يعيش على التسول في رعاية حاجاته الأساسية وفي حماية قيامه لا يمكن أن يفرغ لغير الطرق القريبة \"لتدبير الراس\" بدل البناء المتين لشروط الحرية والكرامة التي طالب بها الأجداد الذين خاضوا معركة التحرير والشباب الذي خاض معركة التحرر وأصبحت النخب متنكرة للمعركتين معركة التحرير ومعركة التحرر ولا تريد إلا الحكم تحت سنابك المافيات والاختراقات الصهيونية والصفوية والمنظمات الدولية والمخابرات الاستعمارية. • فأصبح الاختراق الصهيوني والصفوي شبه حتمية. • وأصبح الاختراق المخابراتي للمنظمات الوطنية والجمعيات وكل شيء شبه حتمي. • فأصبح الوطن مجرد شعار وأصبح الولاء والبراء مجرد تهمة توجه إلى من يوصفون بالإرهاب في حين أنه العلامة الأدنى لمعنى الوطنية التي هي ولاء للوطن وبراء من أعدائه وليست عدوانا على أحد لم يعتد عليه. ابو يعرب المرزوقي 188 الأسماء والبيان
- - لا أريد أن أعلق على دلالة ما قاله الزبيدي البارحة ،فهو تهديد صريح بإدخال الجيش في معركة سياسية جرت داخل المؤسسات الدستورية. وما أظن أحدا يجهل دلالة ذلك. ولا حاجة لمزيد التوضيح. لكني أريد الإشارة إلى أمرين: • سبق أن سألت هذا السؤال وهو قد أجاب عنه البارحة .فهل من فرحوا بترشحه سبب فرحتهم معرفتهم بخصال تؤهله لرئاسة الدولة أم لأنهم يفترضون أو يعلمون أنه يمثل الشكل اللطيف من البيان عدد 1في شكل سيف ديموقليس على المؤسسات الدستورية في المستقبل خاصة وهو يتكلم على توسيع سلطات الرئيس حتى من دون تغيير الدستور بالاعتماد على مجلس الأمن الوطني إلى حد يكاد يلغي بقية المؤسسات الدستورية؟ • سبق أن بينت أن تفتيت صف الثورة بكثرة المترشحين علته وهم اكتفاء السلطة السياسية بشرعية الصندوق من دون قوة سياسية ذات قاعدة واسعة يمكن أن تسندها وذلك هو معنى الشوكة أو العصبية بالمعنى النبيل في رؤية ابن خلدون لأنه يميز بين التي تبني الدول والتي تفضي إلى الهرج :فحتى لو نجح زيد أو عمرو وهو عديم القوة السياسية التي تحول دون مثل ما أشار إليه الزبيدي البارحة-كما حصل مؤخرا في تركيا عندم نزل الشعب ومنع الانقلاب العسكري بصدور عارية -فإن الكلام على أحلام التغيير دليل حمق أو سذاجة وهي في السياسة عين الحمق. وأخيرا فإن ما أراد الزبيدي منعه لما هدد بإنزال الجيش حتى وإن لم يتجاوز مرحلة التهديد إلى التنفيذ يعتبر انقلابا على الشرعية وليس سعيا لحماية الشرعية .فوزير الدفاع ليس وصيا على الإرادة الشعبية وليس له سلطة أمر الجيش بشيء لم يصدر عن ابو يعرب المرزوقي 189 الأسماء والبيان
- - صاحب الأمر في ذلك بمقتضى الدستور .ففي حالة عجز الرئيس عن أخذ القرارات السيادية -وهو أمر ثابت منذ وعكته الأولى وليس في الوعكة الثانية-تعود السيادة إلى البرلمان الذي هو الوحيد المنتخب من الشعب مثل الرئيس وليس إلى غيره وليس خاصة لوزير الدفاع. ولو كان يوجد في البرلمان من يريد الانقلاب على الشرعية لما دعا النواب لاجتماع كان ينوي وزير الدفاع من دون أدنى حق منعه بقوة السلاح :يكفي دبابتين كما قال. وأخيرا ،فإني قد شهدت للرجل اعتمادا على ما رأيته منه في مجالس الوزراء من هدوء وتعقل وصدق في مواقفه من نية أمريكا في التدخل .وكلامي هذا لا يتنافى مع شهادتي ،بل لعل الرجل قد دفع دفعا لما لا يليق بمن يترشح لرئاسة الدولة .كان ينبغي باعتباره وزيرا -بصرف النظر عن طبيعة الوزارة أن يكون أحرص الناس على تأييد حسم الأمر في المجلس بصورة مؤسسية ومنع مواصلة الوصاية التي تجري في القصر على رئيس كلنا يعلم أنه منذ الوعكة الأولى وربما قبلها فقد حرية القرار. وينبغي أن أذكر بأني قد اعتبرت تغيير الأغلبية في المجلس دون العودة إلى الشعب انقلابا إذا طبقنا قواعد الديموقراطية .لكن المرحوم الباجي الذي لم يكن يجهل فضل هذا الحل لأنه يعلم أن الدعوة إلى انتخابات مبكرة كانت ستكون نكبة مطلقة على حزبه المفتت ،ففضل حلا نصف نصف ولم يهدد باستعمال الجيش أو بحل البرلمان وكان بوسعه أن يفعل الثاني وتربيته البورقيبية كانت تحول دونه واستعمال الجيش أو التهديد به إذ هو لا يجهل أن مجرد استعمال الجيش في أحد مؤتمرات الحزب الذي كان حاكما جعل المرحوم بورقيبة يعزل الوزير الذي فعلها. لذلك لم أكن أتصور أن الزبيدي يمكن أن يعتبر نفسه بصفته وزيرا للدفاع وصيا على المؤسسات الدستورية يقرر متى يحق لها أن تجتمع وألا تجتمع .فهل هذا يعني أن الذين يرشحونه هم من دفعه لهذه الفعلة الخطيرة وأنهم يعتقدون أنه يمكن أن يبقي لهم على ابو يعرب المرزوقي 190 الأسماء والبيان
- - استبدادهم بالسلطة حتى لو لم ينجح في الانتخابات لكونه يمكن أن يعطل عمل المؤسسات كما هدد بذلك؟ بدأت أتوجس خيفة لأن ما سمعته البارحة يؤيد التأويل السلبي بدلا من التأويل الإيجابي للنقاط الخمس التي كانت عبارة عن برنامجه الأول والتي ظننت أنه أعاد النظر فيها ليجعل التأويل الإيجابي هو الاقرب إلى الصواب. آمل أن يتدارك الرجل هذه الزلة وأن يصحح قصده لأن الجميع ينبغي أن يعلم أن تونس لن يحكمها أحد بجعل القوة العسكرية بديلا من الإرادة الشعبية يستطيع أن يعطل المؤسسات الدستورية بالدبابات. ابو يعرب المرزوقي 191 الأسماء والبيان
- - ألسنا جميعا نباهي بأن الثورة كانت ولا تزال سلمية لتجنبنا أن يصل الاقصاء المتبادل إلى التصفيات الجسدية بين الموقفين الثقافيين التأصيلي والتحديثي؟ ألسنا جميعا نباهي بأختيار الشعب تجنب الثورة الدموية والاكتفاء بالطرق السياسية وتنظيم الانتقال الديموقراطي؟ ألسنا مع ذلك نؤمن بان مرحلة الانتقال الديموقراطي لم تصل بعد إلى مرحلة التداول الديموقراطي لأن القوى السياسية ليست متوازنة بعد؟ ألسنا نلاحظ أن الساحة السياسية شديدة الفتت الذي بدأ بالموجود منها قبل الثروة وامتد إلى ما نشأ بعدها فوصل عدد الأحزاب إلى ما يتجاوز المائتين؟ ألسنا نلاحظ أن هذا التعدد ليس دليل ثراء في القوى السياسية بل هو ترجمة لتفتت مافيات الدكتاتورية التي كان يوحدها زعيمها أعني رئيس الدولة وأسرته قبل الثورة؟ أليس من حق الملاحظ الذي يحاول التشخيص المحايد أن يخشى مآل الآفاق التي فتحتها الثورة إلى النكوص لأن المتكلمين باسمها صاروا بغير وعي وبسبب تفتتهم علة هذا الضياع ونفور الشعب منها؟ فمن بين 26مرشحا للرئاسة لا أحد يمكن أن يعيب على ممثلي المافيات التنافس من أجل استرداد السلطة السياسية بالطرق التي تبدو ديموقراطية بوسائلها المعلومة أعني بعدي العجل الذهبي: • أي المال (معدن العجل) • والإعلام (خوار العجل). لكن كيف نفهم أن الذين يتكلمون منهم على الثورة وضرورة الإصلاح يفتتون صفها فيصبح التنافس بينهم تسهيلا لمهمة المافيات؟ لأنهم يتنافسون على ما ليس لهم القدرة عليه ابو يعرب المرزوقي 192 الأسماء والبيان
- - من دون وحدة الصف لأن قوتهم لا تستمد من معدن العجل ولا من خواره بل من وحدة الشعب وراء الأهداف بعيدة المنال لحاجتها إلى تضحيات كبيرة حتى نخرج البلاد مما تردت إليها ماديا وروحيا وضع صارت فيه مستنقعا للسفالة والنذالة والرذيلة في كل المجالات: فمرض تونس يشمل كل وجوه الحياة من أدناها إلى اقصاها ولم يعد شيء يعمل بصورة تمكن البناء السليم. .1هل يمكن أن نقاوم المافيات بالكلام البليغ واظهار الحقائق لكأنها مجهولها في حين أن الجميع على علم بأن التعليم والصحة والاقتصاد والأخلاق والسياسة وكل شيء يتعلق بالصالح العام صار من جنس سوق تحكمه المافيات التي استحوذت على أكثر من نصف الاقتصاد بالطرق اللاقانونية والنصف الثاني بالطرق القانونية التي جعلت الدولة في خدمة المافيات الرسمية؟ .2هل توجد وسيلة أخرى غير وحدة قوى الخير ضد قوى الشر والاعتماد على وحدة الشعب من أجل استكمال تحريره خلال معركة تحرره؟ لذلك ولن أتردد في قولها صراحة: • إذا نجحت الثورة المضادة في تونس فإن العلة الحقيقية ليست سياسة خصومها الذين لم يعودوا يخفون نيتهم استعادة النظام القديم الذي جعلوه بالمال والإعلام شبه مطلب معقول لأغلبية الشعب المسحوق بعد أن جعلوه مضطر لأن يعتقد أن سبب ما يعاني منه هو عقد الثورة وليس الستين سنة السابقة عليها. • أو إذا فشل ما بقي من الثورة في تونس فإن العلة الحقيقية هي سياسة من يدعون الدفاع عنها الذين صاروا خطباء النوايا الحسنة والاعتقاد بأن كثرة الكلام يمكن أن تصبح بديلا من السعي لتحقيق شروط الأفعال :فبين سذاجة المتكلمين على المثاليات وحمق أصحاب العنتريات وعبث من يتصورون أنفسهم ولدوا ليكونوا رؤساء مباشرة لا يجد المرء حدا لاستغراب هذا الجنون الذي يقود جل الـ 26مرشحا من النكرات الخالفين لبقايا حزب المرزوقي والشابي وابن جعفر ممن ذاقوا السلطة حتى صارت النيابة هي بدورها بضاعة ابو يعرب المرزوقي 193 الأسماء والبيان
- - في سوق النخاسة السياسية .ولا فرق بينهم عندي وبين بقايا حزب ابن علي وبورقيبية وشقوق حزب السبسي والفرق الوحيد أن هؤلاء أكثر صراحة لأن خطابهم لا يخفي نواياهم بخلاف أولئك فجل ادعياء المثالية ليسوا إلا مشروع غايته العكس تماما. فإذا أضفنا تخريف من جربتهم الثورة وأوهام من يتكلمون على التشبيب وصدق النبرة وكل المتعنترين بأساليب صوت العرب والقذافي وكل الشعبويين بلغة ستالين وماو تسي تونج ليسوا إلى باعة هواء وحربا على الثورة وليسوا من صفها لأن تفتيت قوى الشعب غدر به وبقيم الثورة .إن النتيجة الوحيدة التي يراها كل ذي بصيرة هي أن تفتيتهم صف الثورة باسمها ستكون العلة الرئيسية لنجاح الثورة المضادة لأن الجميع يعلم أن كل هذا الحرص المبالغ فيه منهم ليس دليل صدق بل هو في الحقيقة ترشح للإسهام في الذهنية المافيوزية التي جعلت السياسية الطريق السيارة للإثراء في تونس. وهذه هي العلة الحقيقية للتفتت فكل المتكلمين لهم من يسندهم من خلف ولا أحد يسند خيول السباق السياسي إلا المافيات المحلية في خدمة المافيات الدولية وخاصة الصهيونية والصفوية والاعرابية وطبعا المستعمر الذي لا يمكن أن اكتفي بوصفه بالسابق لأنه ما يزال على ما كان عليه بل اعتقد أنه اضاف إلى الاستعمار الاقتصادي والسياسي الاستعمار الثقافي بعد أن صار جل النخب بديلا منه في الحرب على ما كان يحمي الشعب من سلطانه الروحي عليهم. ابو يعرب المرزوقي 194 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232
- 233
- 234
- 235
- 236
- 237
- 238
- 239
- 240
- 241
- 242
- 243
- 244
- 245
- 246
- 247
- 248
- 249
- 250
- 251
- 252
- 253
- 254
- 255
- 256
- 257
- 258
- 259
- 260
- 261
- 262
- 263
- 264
- 265
- 266
- 267
- 268
- 269
- 270
- 271
- 272
- 273
- 274
- 275
- 276
- 277
- 278
- 279
- 280
- 281
- 282
- 283
- 284
- 285
- 286
- 287
- 288
- 289
- 290
- 291
- 292
- 293
- 294
- 295
- 296
- 297
- 298
- 299
- 300
- 301
- 302
- 303
- 304
- 305
- 306
- 307
- 308
- 309
- 310
- 311
- 312
- 313
- 314
- 315
- 316
- 317
- 318
- 319
- 320
- 321
- 322
- 323
- 324
- 325
- 326
- 327
- 328
- 329
- 330
- 331
- 332
- 333
- 334
- 335
- 336
- 337
- 338
- 339
- 340
- 341
- 342
- 343
- 344