Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الدولة اين الخلل وكيف يعالج ابو يعرب المرزوقي

الدولة اين الخلل وكيف يعالج ابو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2023-03-06 16:10:05

Description: الدولة اين الخلل وكيف يعالج ابو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪–-‬‬ ‫لخدمتها لا بد من العناية بشرط شروط كل ما تقدم‪ :‬البحث العلمي وتطبيقاته‬ ‫فهو سر كل سيادة‪ .‬وهو مطلق الإهمال ولا يكاد يتجاوز محو أمية لا تمكن من‬ ‫تحو يله إلى المصدر الرئيسي لإنتاج الثروة التي تحقق السيادة وعدم التبعية‪.‬‬ ‫وهكذا فكلفة الدولة التي يحكمها العدل والصدق تقبل الرد إلى الحد الأدنى‬ ‫لأن تضخم جهاز الدولة علته الأساسية هي ترقيع هدفه حماية الظلم والخداع‬ ‫وليس تحقيق وظائفها الموجبة‪.‬‬ ‫الجهاز الأول الذي يبتلع ال كثير من ثروات الجماعة هو الجهاز التنفيذي أي‬ ‫الوزارات ودواو ينها وما تستبد به الدولة من وظائف الجماعة لأنها حاضنة حتى‬ ‫تسيطر على الرزقين المادي والروحي في الجماعة المستعبدة‪.‬‬ ‫فبلد بحجم تونس ‪-‬مثلا‪-‬لا يحتاج لوزارات يتجاوز عددها الوظائف العشر التي‬ ‫اشرت إليها مع رئيس الحكومة ومساعديه الأربعة (لأن المالية التي هي دم‬ ‫الدولة جزء من دور رئيس الحكومة باعتباره هو الذي يرجع إليه قرار توز يع‬ ‫ميزانية التصرف وميزانية التجهيز وهو ليس مجرد منسق بين الوزارات بل هو‬ ‫المقرر النهائي لما يقترحونه من علاج خاص بما يسيرونه من القوامة)‪:‬‬ ‫* المشرف على البحث العلمي الذي هو دماغ الدولة المعرفي في الرعاية وفي‬ ‫الحماية معرفيا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪96‬‬

‫‪–-‬‬ ‫* المشرف على الاستعلامات التي هي عين الدولة الأمنية لمراقبة الرعاية والحماية‬ ‫عمليا‪.‬‬ ‫* المشرف على العملة التي هي أداة التعاوض العادل‪ :‬لمنع ربا الأموال‪.‬‬ ‫* المشرف على الكلمة التي هي أداة التفاهم الصادق‪ :‬لمنع ربا الأقوال‪.‬‬ ‫الوزارات‬ ‫وتنقسم الوزارات إلى نوعين‪ :‬وزارات قوامة الرعاية ووزارات قوامة الحماية‬ ‫وهي كالتالي‪:‬‬ ‫فوزارات قوامة الرعاية التكونية والتموينيةكالتالي‪:‬‬ ‫* وزارة التربية وتتبعها الصحة العضو ية والنفسية‬ ‫* وزارة العمل ويتبعها الاجتماع‬ ‫* وزارة الاقتصاد أو انتاج الثروة‬ ‫* وزارة الثقافة ويتبعها انتاج التراث العلمي والقيمي‬ ‫* وزارة البحث العلمي وتطبيقاته هي أصل العناية بوظائفها الأربعة‪.‬‬ ‫وزارات الحماية الداخلية والخارجيةكالتالي‪:‬‬ ‫وزارة العدل‬ ‫وزارة الداخلية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪97‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وزارة الدبلوماسية‬ ‫وزارة الدفاع‬ ‫ووزارة الاستعلامات في المجالين الداخلي والخارجي‪.‬‬ ‫ورئاسة الحكومة الحاكمة بالفعل وهي المشرفة على مالية الدولة التي هي دم‬ ‫كل وظائف الدولة وتتألف من‪:‬‬ ‫رئيس الوزراء‪ :‬وهو منسق الوزارات وصاحب القرار في القطاعي والعام‪.‬‬ ‫وزير البحث والاعلام العلميين هو ينوب رئيس الحكومة في مجلس وظائف‬ ‫الرعاية ويرأس مربع الرعاية التكوينية بصنفيها والتموينية بصنفيها‪.‬‬ ‫وزير الاستعلام والإعلام السياسيين وهو ينوب رئيس الحكومة في مجلس‬ ‫وظائف الحماية ويرأس مربع الحماية الداخلية بصنفيها والخارجية بصنفيها‪.‬‬ ‫وزير العملة ينوب رئيس الحكومة في متابعة العنوان الأول والعنوان الثاني‬ ‫من إنفاق الميزانية مع رئاسة اجتماع المجلسين لإعداد سياسة الدولة المالية‬ ‫واستراتيجية الدولة في اعداد ميزانية الرعاية‪.‬‬ ‫وزير الكلمة ينوب رئيس الحكومة في اجتماع المجلسين لإعداد سياسة الدولة‬ ‫الإعلامية وتوز يع استراتيجية الدولة في اعداد ميزانية الرعاية بصنفيها والحماية الحماية‬ ‫بصنفيها ومتابعة الانفاق المتعلق بالإعلام الحر والنز يه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪98‬‬

‫‪–-‬‬ ‫ملاحظة‪ :‬المعارضة الجدية ينبغي أن يكون لها حكومة ظل فيها نفس الوزارات‬ ‫التي عليها أن تعالج ملفات القوامة استعدادا لنفس مهام القوامة‪.‬‬ ‫الحد من المركز ية بنظائر وظائف القوامة في الرعاية كلها وفي الحماية الداخلية‬ ‫والحماية الخارجية ينبغي أن تكون مركز ية بمعنى أن النظائر هي لتقريب خدمات‬ ‫القوامة وكذلك لتكون السلطة جامعة بين التعدد والوحدة‪.‬‬ ‫ولو اخذنا تونس مثالا لكان ينبغي تقسيم البلاد إلى ولايات بصورة مناسبة‬ ‫لعدد السكان فيكون في تونس مثلا لكل مليون ساكن ولاية أي اثنى عشرة‬ ‫ولاية‪ .‬وكل ولاية تتألف من عشر معتمديات واحدة لكل مائة ألف‪ .‬ومعها‬ ‫إدارة وظائف الرعاية وظائف الحماية الداخلية‪.‬‬ ‫الدبلوماسية‬ ‫* الممثليات الخارجية‪ :‬الاقتصار على سفارة في كل مجموعة عربية (خمسة)‬ ‫وضعفها في بقية العالم‪ .‬اي خمس عشرة سفارة على الأكثر‬ ‫* الإدارات المحلية‪ :‬اثنا عشرة ولاية و مائة وعشرون معتمدية‬ ‫* فتكون كلفة الدولة على اقصى تقدير ربع ما تكلف حاليا‪.‬‬ ‫* فيبقى من ثروة البلاد ما يسد حاجاتها فلا تحتاج لمد اليد والعيش على‬ ‫العار ية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪99‬‬

‫‪–-‬‬ ‫الدفاع‪ :‬لئلا يصبح دولة في الدولة‬ ‫• التعليم الدفاعي‪ :‬التربية الخلقية والتقنية والمهارة القتالية‬ ‫• التجنيد المباشر لحراسة الأمن الخارجي الدائم‪.‬‬ ‫• التجنيد الاحتياطي‪ :‬يشمل كل المواطنين بجنسيهم‪.‬‬ ‫• الأصل الاستراتيجي الاستعلامي والإعلامي‬ ‫• الأصل الاستراتيجي العلمي التقني التسليحي‬ ‫مهام القوامة الاستراتيجية أدواتها التي يمكن أن تكون الخدمات اللوجستية في‬ ‫شروط الرعاية والحماية‪:‬‬ ‫• تكوين القيمين بأصنافهم العشرة‬ ‫• القاعدة اللوجستية للتواصل‬ ‫• القاعدة اللوجستية للاتصال‬ ‫• رعاية الهواء والماء والغذاء والدواء والصحة العامة‪.‬‬ ‫• رعاية النظام العام بحماية شروطه الخمسة أي حماية الحياة وشرطها حر ية‬ ‫المل كية والإرادة وحر ية التعبير والفكر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪100‬‬

‫‪–-‬‬ ‫ويمكن الاقتصار على الإحالة إلى ثلاثة نصوص تثبت أن هذه الرؤ ية في‬ ‫خطوطها العر يضة قد تحققت في الرؤ ية السياسية عند أصحابها خلال تصورهم‬ ‫لنظر ية الحكم بمعناها الذي حددته الآية الثامنة والثلاثون من الشورى‪.‬‬ ‫وهذه الرؤ ية هي ما يرد إليه تأو يل لنظر ية الحكم السنية بالمقارنة مع الرؤ ية‬ ‫اليونانية والشيعية وعلى منواله حاول ابن تيمية تقديم رؤ ية ادق وأقرب إلى تأو يل‬ ‫آيتين من النساء خاصة أما تأو يل ابن خلدون فهم الاتم لعلاقة الاستعمار في‬ ‫الأرض والاستخلاف وهي نظرة أوسع واعمق وادق وأكثر حداثة حتى من‬ ‫النظر ية التي توصل إليها الفكر الغربي في القرن السابع بأصنافها الثلاثةكما سأبين‬ ‫في احد الفصول القادمة‪.‬‬ ‫ل كنها ثلاثتها تتضمن عيبا هو عدم مأسسة المعارضة وعدم تحديد كيفية مراقبة‬ ‫الجماعة للقيمين ومحاسبتهم وعدم تحديد نظام التداول على الحكم‪ :‬كل ما حل‬ ‫بدولة الإسلام علته هذين العيبين لكأن الحاكم المنتخب يكون مدى الحياة فلا‬ ‫يتغير إلا بالموت أو بالانقلاب‪.‬‬ ‫ل كنهم معذورون لأن حق المعارض والتعبير في النص الذي يؤولونه ‪-‬نظر ية‬ ‫القرآن والسنة‪-‬يعتبرها من مقومات الإيمان ومن ثم فهي فرض عين‪ :‬إنها الأمر‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪101‬‬

‫‪–-‬‬ ‫بالمعروف والنهي عن المنكر‪ .‬ل كن لا عذر لهم في مسألة عدم تعديد نظر ية في‬ ‫التداول السلمي وتحديد شروط التعيين والعزل ومدة الحكم إلخ‪....‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪102‬‬

‫‪--‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني عشر ‪-‬‬ ‫فرغنا من الكلام على الأبعاد الخمسة التي تتألف منها الدولة المجردة بدءا بالمرجعية‬ ‫وختما بالجماعة عامة وبينهما حول الدستور قلبا لبنية الدولة المجردة وبينه وبين المرجعية‬ ‫قبله القوى السياسية وبينه وبين الجماعة بعده الجماعةككل سواء كانت احدى الجماعات‬ ‫البشر ية أو كل البشر ية‪.‬‬ ‫تلك هي الخانات التي تشبه موضوع علم تشريح البدن لدراسة اعضائه وعلاقاتها بعضها‬ ‫بالبعض في كل كائن حي رغم أن الدولة ليست كائنا حيا في ظن ال كثير‬ ‫ل كنها بالنسبة إلى البشر أحد أعضاء الكيان الحي البشري لأنها شرط التربية والحكم في‬ ‫مهمته من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها‪ .‬ويتبين ذلك عندما تتعين‬ ‫فيصبح الكيان كله موضوع علم وظائف الاعضاء‪.‬‬ ‫وهو ما يمكن به فهم علة تخميسي زمان التاريخ الإنساني‪ .‬فكل الكائنات الحية لها‬ ‫تاريخ طبيعي مثلث الابعاد لأنها عديمة مميز الإنسان‪:‬‬ ‫تاريخه فيه ما هو تاريخ طبيعي‬ ‫وفيه ما هو تاريخ حضاري من صنعه‬ ‫وفيه تأثير الاول في الثاني‪ :‬بدنه في حضارته‬ ‫وفيه تأثير الثاني في الاول‪ :‬حضارته في بدنه‬ ‫وهو من ثم بحاجة إلى التربية والحكم‪ :‬فالأولى هي شرط تراكم تراثه والثاني هو شرط‬ ‫تراكم ثروته‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪103‬‬

‫‪--‬‬ ‫ومعنى ذلك الدولة هي نظام هذا التفاعل وهي من ثم شكل كيانه الحي يكون بالقوة‬ ‫فيه ثم يصبح بالفعل تدريجيا وقد بلغ ذروته بالوعي بشروطه في القرآن ال كريم دينيا وفي‬ ‫عمل المدرسة النقدية فلسفيا وخاصة في مقدمة ابن خلدون‪.‬‬ ‫لذلك فالدولة تكون بمستواها المجرد ذي الخانات الخمس التي درسناها مثل بنية البدن‬ ‫العضو ية للجماعة ووظائفها وتكون بمن يملأ هذه الخانات لقوامتها (القوى السياسية)‬ ‫مثل وظائف الاعضاء‪ :‬وحينها ندرك علة كونها مقوم طبيعي للإنسان من حيث هو‬ ‫إنسان‪.‬‬ ‫والمجتمع السياسي والمجتمع الأهلي ينقلانها من التجريد إلى التعيين بعملهم الواعي‬ ‫بالحاجة إلى قوامة وظائف الرعاية والحماية العشرة واجهزة القوامة التي تختص باسم‬ ‫الدولة‪.‬‬ ‫فهي بذلك تتجاوز التجريد إلى التعيين فتفقد صبغتها ال كونية لتبدو وكأنها خاصة بجامعة‬ ‫دون جماعة ل كنها من حيث هي مجردة واحدة وثابتة ولا يتغير فيها من جماعة إلى اخرى‬ ‫إلا تاريخية تعيناتها وتكوينية القوامة الحرة المخلصة من المضطرة وذلك هو جوهر التاريخ‬ ‫الإنساني‪:‬‬ ‫فهي بالحضارة تتحرر من سلطان الطبيعة القاهر في شروط البقاء العضوي خاصة‬ ‫والعيش المشترك المردود التنافس العنيف عليها‪.‬‬ ‫وهي بالحضارة قد تستعبد إذا تحولت إلى استبداد وليس قوامة الاحرار تربية وحكما‬ ‫يحولان دون الدولة الحاضنة التي تستعبد الفرد والجماعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪104‬‬

‫‪--‬‬ ‫ولما كان الدولة لها مسار تكون وتخلق ينقلها من الوجود المجرد الموجود في كيانها‬ ‫بالقوة إلى الوجود المتعين في كيانها بالفعل فإن خاناتها تتمايز بالتدريج وخاصة الوعي بها‬ ‫ف‪-‬وهو ما يجعله جامعا‪:‬‬ ‫بين المشترك بينه وبين الكائنات الحية الاخرى بمعنى الخضوع للتاريخ الطبيعي مثلها‪.‬‬ ‫وبين تميزه عنها بثمرة عمله الفكري واليدوي المحررين من الطاغوتين الطبيعي والحضاري‪.‬‬ ‫ولعل أعمق ما في مقدمة ابن خلدون هو في رد جوهر السياسة إلى استراتيجية تربية‬ ‫واستراتيجية حكم واعتبار علاقتهما عين‪:‬‬ ‫علاقة دور المجتمع الاهلي في التربية خاصة (وهو غير المجتمع المدني كما سنرى)‬ ‫بدور المجتمع السياسي في الحكم خاصة (وه في نسبة المجتمع الاهلي إلى المجتمع المدني‬ ‫كما سنرى)‬ ‫وأن هذه العلاقة تهدف إلى تحقيق شروط المحافظة على معاني الإنسانية التي تجعل‬ ‫الإنسان \"رئيسا بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" بمعنى أن المحافظة على‬ ‫الإنسان من حيث الطبع يحددها الاستخلاف الذي يجعله رئيسا‪.‬‬ ‫وهو بذلك يقلب الفهم اليوناني والغربي في فهم مسار التطور الإنساني بخلاف ما ساد‬ ‫في الرؤ ية التي اتضحت في فلسفة التاريخ الهيجلي والماركسي‪ :‬علاقة بين سادة وعبيد‬ ‫تؤدي إلى تبادل الاعتراف بالإنسان من حيث هو إنسان‪.‬‬ ‫فالصراع عند اليونان وعند الغرب الحديث صراع بين سادة وعبيد قد ينتهي إلى‬ ‫الاعتراف المتبادل ينتج عنه الاعتراف بوحدة البشر‪ .‬في الرؤ ية الخلدونية وهي قرآنية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪105‬‬

‫‪--‬‬ ‫البداية هي علاقة بين الاحرار ل كنها تفسد بسبب طغيان الطبيعة وطغيان الحضارة أو ما‬ ‫فيهما من معوقات لهذه العلاقة‪.‬‬ ‫ولهذه العلة ضربت مثال سورة هود التي تبدأ بعلاج طغيان الطبيعة (ثورة نوح على‬ ‫طغيان الطوفان) وتنتهي بطغيان التاريخ (ثورة موسى على الطغيان الفرعوني) وبين‬ ‫الثورتين‪:‬‬ ‫طغيان المفسدين لاستعمال الرزق‪ :‬الثروة‪ :‬هود‬ ‫طغيان المفسدين لاستعمال اساس الحياة الأول‪ :‬الماء‪ :‬صالح‬ ‫طغيان المفسدين لاستعمال أساس الحياة الثاني‪ :‬الجنس‪ :‬لوط‬ ‫طغيان المفسدين لشروط المعاملات‪ :‬شروط التبادل‪ :‬شعيب‪.‬‬ ‫وبين الطغيانين الاولين والطغيانين الثانيين يأتي حل ابراهيم‪ :‬الوحدانية المحررة من تأليه‬ ‫الطبيعة (رمزها الافلاك الآفلة) والحضارة (رمزها الاوثان)‪.‬‬ ‫ل كن هذا الحل الإبراهيمي يحتاج إلى جعله اساسا لاستراتيجية سياسية في التربية‬ ‫والحكم وهي التي تمثلها العينة المحمدية ومنها استمد ثالوث المدرسة النقدية نظريته في‬ ‫الدولة والسياسة‪:‬‬ ‫الغزالي في فضائح الباطنية‬ ‫ابن تيمية في السياسة الشرعية‬ ‫وابن خلدون في المقدمة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪106‬‬

‫‪--‬‬ ‫وعرض هذه النظر ية هو غاية هذا الفصل لنصل إلى قضية تحر يف هذه الرؤ ية في‬ ‫تاريخ المسلمين السياسي وفي تاريخ الفكر السياسي الغربي أولا في الغرب نفسه ثم في‬ ‫استعمار العالم بعد هزيمة المسلمين خلال خمسة حروب لم تتوقف منذ القرن العاشر إلى‬ ‫اليوم‪:‬‬ ‫* الحرب الصليبية‬ ‫* وحرب الاسترداد‬ ‫* وحرب المغول‬ ‫* والغزو الاستعماري‬ ‫* والحرب الجار ية الآن لوضع نظام عالمي جديد يستكمل تفتيت دار الإسلام‪.‬‬ ‫وقد توقعت ذلك منذ سنة ‪ 76‬لما قدمت مشروع كتاب الاجتماع النظري الخلدوني‬ ‫مشروع بحث للحصول على شهادة التعمق في البحث للمرحوم بوحديبة‬ ‫ثم سحبته لما رأيت منه ما يشبه الاعتذار عن الاشراف بكثرة مشاغله وقررت العود‬ ‫إلى المنبع أي إلى الفلسفة اليونانية مع استاذ المنطق التشيكي الذي كان معارا في الجامعة‬ ‫التونسية وهو مختص في فلسفة الر ياضيات الألمانية فكتبت عن الر ياضيات في علوم‬ ‫ارسطو أي في ما أهمله العرب المعجبون به‪.‬‬ ‫اعود اليوم إلى من كانوا شواذ عصرهم أعني ابطال المدرسة النقدية التي اهملها فلاسفة‬ ‫عصرهم وخاصة فلاسفة عصرنا من مفكري العرب الذين فتصوروا الغزالي وابن تيمية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪107‬‬

‫‪--‬‬ ‫وابن خلدون قد حاربوا العقل والفلسفة والعلم لأنهم اجمعوا على الميتافيز يقا ورؤ يتها لكأن‬ ‫بينهم تواطؤ‪:‬‬ ‫لنظر ية المعرفة (الابستمولوجيا وحدود العقل)‪.‬‬ ‫ولنظر ية القيمة (الاكسيولوجيا وحدود الإرادة)‪.‬‬ ‫لن أطيل في سرد رؤ يتهم لأني خصصت لها عديد البحوث وخاصة في ضميمة ترجمة‬ ‫موسوعة المثالية الالمانية مقارنة بين المدرستين النقديتين العربية هذه والالمانية التي مثلتها‬ ‫الفلسفة الغربين من ديكارت إلى كنط أي ما تقدم على النكوص الهيجلي الماركسي‪.‬‬ ‫إذا فهمنا القصد بالنكوص الهيجلي الماركسي بالفلسفة القديمة التي عرفتها فلسفتنا‬ ‫وجدناه يرد إلى القول بالمطابقة التي تفترض الإحاطة العلمية وبالتمام الذي يفترض التمام‬ ‫العملي‪.‬‬ ‫وعلة القولين يعبر عنها هيجل بمعادلته الزائفة‪ :‬العقل=الواقع والواقع=العقل‪ .‬وما وراء‬ ‫الواقع حصر الوجود في عالم الشهادة وما رواء العقل هو نفي ما وراء من الغيب‪ .‬وكل‬ ‫ما تمر به الإنسانية في كل تاريخها من فساد في الارض وسفك للدماء علته هذين‬ ‫الرؤ يتين‪.‬‬ ‫سأكتفي إذن بذكر أهم مسالة في ثورة هؤلاء الثور يون الثلاثة الذين حاولت إحياء‬ ‫دورهم غير عابئ بما كلفني ذلك من استهزاء الحمقى متهمي بأني اهرب إلى الماضي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪108‬‬

‫‪--‬‬ ‫أي إلى حقبة قريبة جدا من الحاضر من القرن الثاني عشر إلى الرابع عشر الميلادي‬ ‫لمحاولة تجديد فكرنا الفلسفي والديني ولا يرون حرجا في من يعود إلى ما قبل سقراط‬ ‫أي القرن السادس قبل الميلاد فيعتبرون ذلك من شروط تجديد الفكر الفلسفي والديني‪.‬‬ ‫ماذا يعني من الغزالي؟‬ ‫خمسة معان ثور ية في عصره وحتى في عصرنا‪:‬‬ ‫الاولى نقد الميتافيز يقا وخاصة نظر ية السببية‬ ‫الثانية نقد الباطنية وخاصة نظر ية الوصية‬ ‫الثالثة الجمع بين اصول الفلسفة وأصول الدين أي المنطق‬ ‫الرابعة الجمع بين النظر والعمل في نقد متكلمي عصره وفلاسفته‬ ‫الاخيرة وهي جوهر ثورته‪ :‬وضع المفهوم الحد الذي سماه \"طور ما وراء العقل\"‪ .‬أي‬ ‫ما يمكن أن يكون بالنسبة إليه في نسبة علاقته بالحس‪.‬‬ ‫وهو جوهر الفصل ال كنطي بين الظاهرات التي هي اقصى ما يصل إليه العقل والشيء‬ ‫في ذاته الذي يبقى مما نفكر فيه ولا نستطيع علمه‪.‬‬ ‫ماذا يعنيني من ابن تيمية؟‬ ‫كذلك خمسة معان ثور ية في عصره وكذلك في عصرنا‪:‬‬ ‫الاولى‪ :‬نظر ية اللسان ونفي المقابلة حقيقة مجاز‬ ‫الثانية‪ :‬نظر ية النظر المجرد القائلة يقين المقدرات الذهنية‪ :‬الر ياضيات والمنطق‬ ‫والمعتقدات الإيمانية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪109‬‬

‫‪--‬‬ ‫الثالثة‪ :‬نظر ية النظر المطبق للمقدرات الذهنية أي الطبيعيات والانسانيات‬ ‫الرابعة‪ :‬نقد الانقال من المقدرات الذهنية إلى الموجودات العينية في المعرفة فعل‬ ‫لغوي وليس معرفي أي إنه ترجمة ناقصة للثانية بالأولى‪.‬‬ ‫الاخيرة‪ :‬اعادة النظر في كل علوم الملة بالطر يقة الجدلية مع الكلام الشيعي والكلام‬ ‫السني ومع الفلاسفة من المدرستين السائدتين أي الاميل إلى ارسطو والاميل إلى‬ ‫افلاطون‪.‬‬ ‫وهذه هي الأهم عندي لأنها هي فرصة الاستئناف لو كان من أتى بعده قادرا على‬ ‫فهم هذه القراءة لفلسفة النظر وفلسفة العمل وفهم معنى جمع الرجل بين الثورتين أي‬ ‫الثورة النظر ية العمل بها بمعنى أنه لم يكن مثل المتكلمين والفلاسفة عميلا للحكم بل كان‬ ‫أشجع رجل لنقده والتصدي للغزاة‪.‬‬ ‫ماذا يعنيني ابن خلدون؟‬ ‫خمس معان ثور ية في عصره ولا تزال في عصرنا كذلك‪:‬‬ ‫الاولى‪ :‬اسس التساخر التبادلي في باب المقدمة الخامس‬ ‫الثانية‪ :‬اسس التساخر التواصلي في باب المقدمة السادس‬ ‫الثالثة‪ :‬أسس التساخر الأهلي‪ :‬نظر ية نحلة العيش في باب المقدمة الثاني‬ ‫الرابعة‪ :‬أسس التساخر السياسي في باب المقدمة الثالث‬ ‫الخامسة‪ :‬واسس التساخر الأهلي ووصلهما بنظر ية الاحياز أي بالشروط الطبيعية‬ ‫والتاريخية المديدة في باب المقدمة الاول ولم يقتصر على التاريخ السياسي بمعناه القصير‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪110‬‬

‫‪--‬‬ ‫وبذلك فهو لم يؤسس علم الاجتماع فحسب بل أسس العلوم الإنسانية بكل فروعها‬ ‫وخاصة بما يلتقي فيها من الطبيعي والحضاري‪ .‬وهو بذلك قد وحد الكلام في الشأن‬ ‫الإنساني فأسس علوم الإنسان الخمسة مثلما نقل ارسطو الانتقال من فوضى الكلام في‬ ‫الشأن الطبيعي فأسس علوم الطبيعية‪.‬‬ ‫تلك هي علل اعتمادي عليهم ثلاثتهم مع التعديلات الواجبة والمناسبة لعصرنا ول كن‬ ‫خاصة استعمالهما في نقد فكر المسلمين قبلهم وبعدهم وفي محاولة البحث عن طرق‬ ‫الاستئناف في هذه المحاولات التي هدفها الاول والاخير‬ ‫هو تحرير فكر الشباب من الكليشيهات التي نشرها باعة الفريب من الفكر الفلسفي‬ ‫وخاصة من المتعلطين على النقد الديني من أساتذة فشلوا في اختصاصهم (العربية)‬ ‫فبحثوا عن التعو يض في ما لا طاقة له عليه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪111‬‬

‫‪–-‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث عشر –‬ ‫ختمت الفصل الثاني عشر بالإشارة إلى ما يعنيني من اصحاب النقد في المدرسة العربية‬ ‫الإسلامية أي الغزالي وابن تيمية وابن خلدون من منظور نظر يتهم‪:‬‬ ‫في النظر (الابستمولوجيا)‬ ‫وفي العمل (الاكسيولوجيا)‬ ‫دون أن أصل إلى ما يترتب عليها في فلسفتهم السياسية ونظر ية الدولة وهذا هو موضوع‬ ‫هذا الفصل‪.‬‬ ‫فهل يوجد نظام عقد في رؤيته للدولة ووظائفها يجعلها متناسقة أولا مع فلسفتهم‬ ‫النظر ية والعملية وهل يمكن اكتشاف الوصلات التي تصل الاول بالثاني والثاني بالثالث‬ ‫ليحصل ما يناسب مخمس خلايا الدولة المجردة وشروط ملئها بالقوامة التي تمثل إرادة‬ ‫الجماعة وتبقى تحت سلطانها فلا تفسد الرعاية والحماية؟ تلك هي الأسئلة التي سأحاول‬ ‫الجواب عنها في الفصول الموالية لهذا الفصل بعد التذكير بما ختمت به الفصل السابق‪.‬‬ ‫التذكير بالمنجز الإبستمولوجي والاكسيولوجي‬ ‫أولا‪ :‬ماذا يعني من الغزالي؟‬ ‫خمسة معان ثور ية في عصره وحتى في عصرنا‪:‬‬ ‫الاولى نقد الميتافيز يقا وخاصة نظر ية السببية‬ ‫الثانية نقد الباطنية وخاصة نظر ية الوصية‬ ‫الثالثة الجمع بين اصول الفلسفة وأصول الدين أي المنطق‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪112‬‬

‫‪–-‬‬ ‫الرابعة الجمع بين النظر والعمل في نقد متكلمي عصره وفلاسفته‬ ‫الاخيرة وهي جوهر ثورته‪ :‬وضع المفهوم الحد الذي سماه \"طور ما وراء العقل\"‪ .‬أي‬ ‫ما يمكن أن يكون بالنسبة إليه في نسبة علاقته بالحس‪.‬‬ ‫وهو جوهر الفصل ال كنطي بين الظاهرات التي هي اقصى ما يصل إليه العقل والشيء‬ ‫في ذاته الذي يبقى مما نفكر فيه ولا نستطيع علمه‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬ماذا يعنيني من ابن تيمية؟‬ ‫كذلك خمسة معان ثور ية في عصره وكذلك في عصرنا‪:‬‬ ‫الاولى‪ :‬نظر ية اللسان ونفي المقابلة حقيقة مجاز‬ ‫الثانية‪ :‬نظر ية النظر المجرد القائلة يقين المقدرات الذهنية‪ :‬الر ياضيات والمنطق‬ ‫والمعتقدات الإيمانية‪.‬‬ ‫الثالثة‪ :‬نظر ية النظر المطبق للمقدرات الذهنية أي الطبيعيات والانسانيات‬ ‫الرابعة‪ :‬نقد الانقال من المقدرات الذهنية إلى الموجودات العينية في المعرفة فعل‬ ‫لغوي وليس معرفي أي إنه ترجمة ناقصة للثانية بالأولى‪.‬‬ ‫الاخيرة‪ :‬اعادة النظر في كل علوم الملة بالطر يقة الجدلية مع الكلام الشيعي والكلام‬ ‫السني ومع الفلاسفة من المدرستين السائدتين أي الاميل إلى ارسطو والاميل إلى‬ ‫افلاطون‪.‬‬ ‫وهذه هي الأهم عندي لأنها هي فرصة الاستئناف لو كان من أتى بعده قادرا على‬ ‫فهم هذه القراءة لفلسفة النظر وفلسفة العمل وفهم معنى جمع الرجل بين الثورتين أي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪113‬‬

‫‪–-‬‬ ‫الثورة النظر ية العمل بها بمعنى أنه لم يكن مثل المتكلمين والفلاسفة عميلا للحكم بل كان‬ ‫أشجع رجل لنقده والتصدي للغزاة‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬ماذا يعنيني ابن خلدون؟‬ ‫خمس معان ثور ية في عصره ولا تزال في عصرنا كذلك‪:‬‬ ‫الاولى‪ :‬اسس التساخر التبادلي في باب المقدمة الخامس‬ ‫الثانية‪ :‬اسس التساخر التواصلي في باب المقدمة السادس‬ ‫الثالثة‪ :‬أسس التساخر الأهلي‪ :‬نظر ية نحلة العيش في باب المقدمة الثاني‬ ‫الرابعة‪ :‬أسس التساخر السياسي في باب المقدمة الثالث‬ ‫الخامسة‪ :‬واسس التساخر الأهلي ووصلهما بنظر ية الاحياز أي بالشروط الطبيعية‬ ‫والتاريخية المديدة في باب المقدمة الاول ولم يقتصر على التاريخ السياسي بمعناه القصير‪.‬‬ ‫وبذلك فهو لم يؤسس علم الاجتماع فحسب بل أسس العلوم الإنسانية بكل فروعها‬ ‫وخاصة بما يلتقي فيها من الطبيعي والحضاري‪ .‬وهو بذلك قد وحد الكلام في الشأن‬ ‫الإنساني فأسس علوم الإنسان الخمسة مثلما نقل ارسطو الانتقال من فوضى الكلام في‬ ‫الشأن الطبيعي فأسس علوم الطبيعية‪.‬‬ ‫تلك هي علل اعتمادي عليهم ثلاثتهم مع التعديلات الواجبة والمناسبة لعصرنا ول كن‬ ‫خاصة استعمالهما في نقد فكر المسلمين قبلهم وبعدهم وفي محاولة البحث عن طرق‬ ‫الاستئناف في هذه المحاولات التي هدفها الاول والاخير‬ ‫الوصل بين الغزالي وابن تيمية‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪114‬‬

‫‪–-‬‬ ‫اكتشاف سر فشل نقد الغزالي للميتافيز يقا‪ .‬وطبعا ما كان الغزالي يصل إلى هذه النقلة‬ ‫النوعية في الردود الكلامية على ما يمكن اعتباره أساس كل الفلسفة اليونانية لو لم يسبق‬ ‫ذلك اعادة صوغها في محاولة ابن سينا نقلها من \"مفهوم ما بعد الطبيعة\" إلى \"ماقبل‬ ‫الطبيعة\"‪.‬‬ ‫الوصل بين ابن تيمية وابن خلدون‪:‬‬ ‫اكتشاف سر فشل نقد ابن تيمية للغزالي‪ .‬وطبعا ما كان ابن خلدون يصل إلى هذه‬ ‫النقلة النوعية في تجاوز النقد الموقف الكلامي من الفلسفة إلى ما انتهى إليه الكلام من‬ ‫الغرق فيها بعد الرازي فبات التجاوز مبنيا ليس على المقابلة \"دين‪-‬فلسفة\" في ساحة‬ ‫الكلام بل عليها في ساحة الفلسفة‪:‬‬ ‫فمررنا من الأداة المميزة للفلسفي أي المنطق والر ياضيات‪ :‬ساحة المعركة هي المسألة‬ ‫الابستمولوجية‪.‬‬ ‫إلى الأداة المميزة للديني أي التاريخ والاخلاقيات‪ :‬ساحة المعركة هي المسألة‬ ‫الأكسيولوجية‬ ‫فكان دور الوصل الأول‪:‬‬ ‫الوصل بين التقدير الذهني والتقدير الفعلي‪ .‬واكتشاف استحالة المطابقة فيكون السر‬ ‫هو نكوص الغزالي إلى فلسفة ابن سينا والتصوف بدلا من انجاز نقده الذي يتمثل في‬ ‫اطهار ثمرة ما يترتب على ضرورة التمييز بين الربين الارسطي والقرآني‪.‬‬ ‫دور الوصل الثاني‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪115‬‬

‫‪–-‬‬ ‫الوصل بين آيات الأنفس وآيات الآفاق‪ .‬واكتشاف منطق التعدد أو عدم التأثيم‬ ‫السياسي‪ .‬وما يترتب عليه من قلب العلاقة بين علم لطبائع وعلم الشرائع لأن الآفاق تمثل‬ ‫الطبائع والشرائع التاريخية خارج الانفس والانفس تمثل الطبائع والشرائع التاريخية في‬ ‫الانفس‪.‬‬ ‫فتكون الانفس في الحالتين هي البديل من ما بعد الطبيعة لأن الخلق في الطبائع لا‬ ‫يتجلى للإنسان إلا من حيث الشرائع أي ما يراه الإنسان من آياتها‪ .‬وبذلك يصبح القيمي‬ ‫مقدما على المعرفي والإرادة الحرة على العقل الراجح وننتقل من النقد الإبستمولوجي إلى‬ ‫النقد الأكسيولوجي‪.‬‬ ‫علينا إذن أن ندرس هذه المسائل الخمس أي المواقف الثلاثة والوصلتين بدأ بعرض‬ ‫حل الغزالي وعلة فشله وحل ابن تيميه وعلة فشله واخيرا الحل الذي يؤسس للعلوم‬ ‫الإنسانية على الوصل بين‪:‬‬ ‫الحيزين الطبيعيين أي تأثير الجغرافيا والتاريخ بعدي المحددين الخارجيين‪ :‬وتلك هي‬ ‫آيات الافاق‬ ‫والحيزين الانسانيين أي تأثير الثروة التراث بعدي المحددين الداخليين‪ :‬وتلك هي آيات‬ ‫الأنفس‪.‬‬ ‫والحصيلة هي العلاقة بين الدولة المجردة والدولة المتعينة بمن يملأ خلاياها أي دور‬ ‫القيمين في علاقة بدور الجماعة‪ :‬وهي علاقة يتقدم فيها القيمي على المعرفي‪ :‬لذلك كان‬ ‫تاريخ الإنسان مخمس الأبعاد‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪116‬‬

‫‪–-‬‬ ‫فليست الاحداث وحدها هي المحددة بل الحديث المتعلق قبلها وبعدها وخلالها وما‬ ‫يحيط بهما‪ .‬وذلك لأن الإنسان يرى الآيات رؤ ية تعيير ية قبل أن يراها رؤ ية معرفية‪:‬‬ ‫* إما بعدها في علاقة بالماضي‬ ‫* أو قبلها في علاقة بالمستقبل‬ ‫* أو معها في علاقة بالحاضر‬ ‫* والحاضر ليس الوسط بين الماضي والمستقبل فحسب بل هو يمتد في الماضي إلى ما‬ ‫قبله وفي المستقبل إلى ما بعده‪ .‬وهو كل الحضارة الإنسانية مكثفة في الثروة والتراث‬ ‫المحددين لعلاقته بالجغرافيا والتاريخ بصورةكونية‬ ‫وليست خاصة بجماعة معينة إلا بقدر ما اختصت به شعوبها من عزلة حالت دونها‬ ‫والجمع بين التوارث البايولوجي ال كوني والتوارث الحضاري ال كوني بسبب فشلها في‬ ‫التساخر التبادلي علاقة بالطبيعة والتساخر التواصلي علاقة بالتاريخ ال كونيين بالطبع‪.‬‬ ‫فيكون البحث بحاجة إلى خمسة فصول أخرى حول دور المدرسة النقدية يليها فصل‬ ‫في دحض الرؤ ية الرأسمالية والرؤ ية الاشتراكية وكل محاولات التوفيق بينهما وبين‬ ‫الإسلام ما يعني أن الرؤ ية التي تمثل مستقبل الإنسانية هي الرؤ ية القرآنية التي هي‬ ‫استراتيجية توحيد الإنسانية‬ ‫لأن المحددين الطبيعيين والمحددين التاريخيين كلاهما يخضع لنفس القوانين وكل‬ ‫المشكل في تقاسمهما بين البشر بصورة تجعل التنافس في الشرور في الرؤيتين حتى بعد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪117‬‬

‫‪–-‬‬ ‫توالجهما مقدما على التسابق في الخيرات بينهما كما يقتضي ذلك وحدة الاحياز التي‬ ‫يتأسس عليها الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‬ ‫بمنطق التساخر التبادلي والتساخر التواصلي وما يعلل الحاجة إليهما أي التراعي والتحامي‬ ‫وهو معنى العلاقة بين الجماعة ومن تختارهم من القيمين عليها بمنطق التساخر السياسي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪118‬‬

‫‪–-‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع عشر –‬ ‫ماذا أقصد بمفهوم النبضة الاخيرة المحذرة من علل الانحطاط في تاريخنا الفكري مع‬ ‫بداية مظاهر الانحطاط السياسي بين نهاية القرن الخامس ونهاية القرن الثامن للهجرة‪:‬‬ ‫المدرسة النقدية؟‬ ‫وما الذي دعاني إلى العودة إلى تلك الحقبة‪-‬بعد طول عشرة مع فلسفة اليونان وفلسفة‬ ‫الغرب الحديث‪ -‬خلال محاولتي فهم الحقبة التي تمر بها الامة في ما آلت إليه محاولة‬ ‫النهضة؟‬ ‫لماذا كان أول ما كتبت عنها نصا نشر في مجلة الجامعة العربية دحضت فيه خرافة‬ ‫بداية النهض مع غزو نابليون لمصر وما يزعم من ثورة محمد علي بل اعتبرتها بدأت منذ‬ ‫القرن الثامن مع ابن تيمية وابن خلدون؟‬ ‫لذلك فما دعاني للعودة هو ما حصل لهذه النهضة المديدة قد بدأت تقع في نفس ما‬ ‫وقعت فيه ثورة الأمة بعد الفتح الذي حرر قلب المعمورة في عصرها من الاستعمارين‬ ‫الفارسي والبيزنطي ورؤيتيهما المعرفية والقيمية‪.‬‬ ‫فتبني الشكل الذي تبنى صورة منحطة الفكر اليوناني في هذين الحضارتين في فكرنا‬ ‫الفلسفي والكلامي قديما عاد من جديد ول كن بتبني صورة منحطة من الفكر الغربي‬ ‫الحديث في الرؤيتين الناكصتين إلى نفس الانحطاط أي في الهيجلية والماركسية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪119‬‬

‫‪–-‬‬ ‫فحصل الاتحاد بين الفكرين القديم والحديث عند العرب‪ :‬تبني فكرين منحطين متوهمين‬ ‫أن الأول يمثل الفكر الفلسفي اليوناني القديم أي من سقراط إلى ارسطو والثاني يمثل‬ ‫الفكر الفلسفي الغربي الحديث أي من ديكارت غلى كنط‪.‬‬ ‫فصار هيجل وماركس عند المحدثين من مفكري العرب بديلا من ديكارت وكنط‬ ‫بعد انحطاطهما لديهما مثل البديل من أفلاطون وأرسطو بعد انحطاطهما في الفكر‬ ‫الهلنستي‬ ‫فعاد قلب المعمورة إلى نفس الاستعمارين باسمين جديدين لقطبي العالم امريكا وروسيا‬ ‫بدلين من بيزنطة وفارس في بداية الفتح الإسلامي وتحرير قلب المعمورة منه بل وكل‬ ‫المعمورة إلى أن تم الغزو الثقافي الذي ثارت عليه المدرسة النقدية العربية‪ :‬الغزالي وابن‬ ‫تيمية وابن خلدون‪.‬‬ ‫حددت ما يعنيني من ثورة الغزالي وحصرته في المعاني الخمسة التالية وهي معان ثور ية‬ ‫في عصره وما تزال ثور ية حتى في عصرنا‪:‬‬ ‫الاولى نقد الميتافيز يقا وخاصة نظر ية السببية‪.‬‬ ‫الثانية نقد الباطنية وخاصة نظر ية الوصية‪.‬‬ ‫الثالثة الجمع بين اصول الفلسفة وأصول الدين أي المنطق‪.‬‬ ‫الرابعة الجمع بين النظر والعمل في نقد متكلمي عصره وفلاسفته‪.‬‬ ‫الاخيرة وهي جوهر ثورته‪ :‬وضع لمفهوم الحد الذي سماه \"طور ما وراء العقل\"‪ .‬أي‬ ‫ما يمكن أن يكون بالنسبة إليه في نسبة علاقته بالحس\"‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪120‬‬

‫‪–-‬‬ ‫لم ابق في هذا الفصل على ما يدل على بقائها ثور ية في عصرنا لأن ذلك ليس مهما في‬ ‫بحثنا الحالي لأني لا ابحث هنا في المناظرة بين النقدين العربي والالماني‬ ‫لا اعنى حاليا بالمقارنة النقد ال كنطي الذي وضع مفهوما حدا لقدرات العقل هو‬ ‫الشيء في ذاته ومناظره عند الغزالي أي المفهوم الحد الذي وضعه تحت مفهوم \"طور‬ ‫ما وراء العقل\"‬ ‫فنظير ما وراء العقل هو نظير ما وراء الحس وليس لنا ما يمكن من ضبطهكما يضبط‬ ‫العقل الحس فيبقى مما نفكر فيهكإمكان ولا نعلمه وهو المقصود بالشيء في ذاته بحيث‬ ‫لا يرد إلى ما ندركه من ظاهراته‪.‬‬ ‫وما أطلبه الآن هو ما يترتب على عدم فهم ابن رشد هذا المعنى من وجهين‪:‬‬ ‫الاول‪ :‬ظنه أن نقد السببية يلغي اهم دليل على وجود الله باعتباره سبب وجود‬ ‫الموجودات‪ .‬ولو كان نفي السببية المضطرة التي تحكم الطبيعة لاستحال الانتقال من‬ ‫العدم إلى الوجود وكلاهما ممكن ومن الموجود إلى كيف تعينه الممكن‪.‬‬ ‫الثاني توهمه أن العقل مقدم على الإرادة في نظر ية الخلق لضمير في كلامه هو اعتبار‬ ‫الرب عقلا محركا بالمعنى الارسطي وليس إرادة خالقة العقل فيها ممثلا لنظام المخلوق‬ ‫وليس علة المخلوق‪.‬‬ ‫لم يكن يتصور أن العلية الناقلة من العدم إلى الوجود نوعان‪:‬‬ ‫الاول هو السببية المضطرة‪ :‬ليس لها إلا امكانية واحدة بين العدم والوجود‪.‬‬ ‫والثاني هو قدرة الإبداع الحرة‪ :‬مطلق الاختيار من الممكن اللامتناهي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪121‬‬

‫‪–-‬‬ ‫كان مضمون رسالة الأهلية للأستاذية الذي اعددته في باريس محاولة في توضيح‬ ‫الفرق بين الربوبيتين الارسطية والقرآنية‪:‬‬ ‫دور الإرادة الحرة بديلا من السببية المضطرة لأنها خالقة وآمرة وليست محركة لما هو‬ ‫موجود بصرف النظر عن إرادتها خلقا وعقلها تنظيما لخلق الطبائع بالأمر الذي هو‬ ‫الشرائع‪ :‬وتلك هي حر ية الخلق والامر المبدعين للوجود والم كيفين للموجود‪.‬‬ ‫ومن ثم جعل العقل أداة تأو يل لنظام الطبائع بقدر ما يرد منها إلى الشرائع‪ :‬فتصبح‬ ‫شرائع الإرادة الحرة مقدمة على الانتظام المضطر كما يتوهمه أن الرب محرك لا مبالي بما‬ ‫يوجد لأن ما يوجد ليس من خلقه بل من محاكاته‪.‬‬ ‫وطبعا لم يكن يعنيني بيان صواب الرؤ ية عنها الغزالي عدم صواب رؤ ية ارسطو التي‬ ‫يعبر عنها ابن رشد بل الوعي بالفرق بينهما وهو بالذات الوعي بالفرق بين الربين رب‬ ‫القرآن ورب الميتافيز يقا في فلسفة أرسطو وخاصة بعد صوغ ابن سينا لها بجعلها ما قبل‬ ‫الطبيعة بدلا مما بعدها‪.‬‬ ‫فتقدم الوجود في العناية (ابن سينا) تعني أن الوجود في الطبيعة لاحق للوجود في‬ ‫العناية وهو الإرادة الخالقة كإمكان مطلق الحر ية التي تقابل تعين المخلوق كاختيار حر‬ ‫ل كيف المتعين منه‪.‬‬ ‫ومن ثم فالغزالي اكتشف ما يترتب على الانقلاب السينوي الذي بقي غير واع‪ :‬ذلك‬ ‫أنه إذا كان الوجود في العناية لا يصبح وجودا في الطبيعة إلا باختيار حر‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪122‬‬

‫‪–-‬‬ ‫فإن البحث فيه بالسببية المضطرة ينفي مفهوم الخلق والامر لأنه يقيس علم الإنسان‬ ‫على علم الله مفترضا الاحاطة التي تناظر الإرادة الخالقة للوجود والعلم الم كيف للموجود‪.‬‬ ‫والوعي بما يترتب على هذا القلب يؤدي إلى استحالة المحافظة على الرؤ ية الابستمولوجية‬ ‫القائلة بالمطابقة والاحاطة في المعرفة الإنسانية‪ .‬تلك هي بداية المدرسة النقدية العربية‪.‬‬ ‫وما يعنيني منها الآن هو ما يترتب عليه في الفلسفة الدينية والسياسية التي تحدد مفهوم‬ ‫الاستخلاف الإنساني‪ .‬وذلك هو مضمون كتاب فضائح الباطنية الذي يناظر تهافت‬ ‫الفلاسفة‪:‬‬ ‫الاول في النظر والابستمولوجيا‪ :‬بين الغزالي وابن سينا‬ ‫والثاني في العمل والأكسيولوجيا‪ :‬بين الغزالي وداعي دعاة عصره‪.‬‬ ‫وهي إذن معركة بين فيلسوف يؤسس للباطنية حيث يصبح الإمام ربا في الأرض‬ ‫علمه مطابق لعلم الرب وإرادته معادلة لإرادة الرب‪:‬‬ ‫وهو تأسيس للعلم المحيط فلسفيا وهو ما دحضه الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة‪.‬‬ ‫وتحقيق للدولة الثيوقراطيةكلاميا وهو ما دحضه الغزالي في كتاب فضائح الباطنية‪.‬‬ ‫والدحضان تكررا عند ابن تيمية وابن خلدون‪ :‬فيكون الخلاف الذي كان علة الفتنة‬ ‫ال كبرى هو عينه الخلاف الذي صار في مجال الأبستمولوجيا والاكسيولوجيا جوهر‬ ‫الإشكال المشترك بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ في علاقة بدور الإنسان ومنزلته‬ ‫الوجودية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪123‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وسأكتفي بالإحالة إلى تعليقاتي ال كثير على نص الغزالي في حواره المتخيل مع باطني‬ ‫حول طبيعة النظام السياسي في الإسلام وأورد هنا النص الذي عرض فيه الغزالي‬ ‫رؤ يته‬ ‫وهي الرؤ ية التي اكتملت عند ابن تيمية وبلغت الذروة عند ابن خلدون وهي ما تزال‬ ‫أحدث من فلسفة السياسة ونظر ية الدولة والحكم الغربية منذ نشأتها في مشروعات‬ ‫القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي في أوروبا الغربية‬ ‫نص الغزالي‪:‬فضائح الباطنية ص‪177-175.‬‬ ‫(نشر عبد الرحمن بدوي الدار القومية القاهرة ‪)1964‬‬ ‫\"فإن قيل بم تنكرون على من يقول‪ :‬لا مأخذ للإمامة إلى النص أو الاختيار‪ .‬فإذا‬ ‫بطل الاختيار ثبت النص؟ قلنا نعم لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار‪ .‬ونحن‬ ‫نقول مهما بطل النص ثبت الاختيار‪.‬‬ ‫وقولهم إن الاختيار باطل لأنه لا يمكن‪ :‬اعتبار كافة الخلق ولا الاكتفاء بواحد ولا‬ ‫التحكم بتقدير عدد معين وبين الواحد والكل‪ .‬فهذا جهل بمذهبنا الني نختاره ونقيم‬ ‫البرهان عليه‪.‬‬ ‫\"والذي نختاره انه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام مهما كان ذلك الواحد‬ ‫مطاعا ذا شوكة لا تطال ومهما كان مال إلى جانب مال بسببه الجماهير ولا يخالفه إلا‬ ‫من لا يكترث بمخالفته‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪124‬‬

‫‪–-‬‬ ‫فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذه الصفة إذا بايع كفى إذ في موافقته‬ ‫موافقة الجماهير‪ .‬فإن لم يحصل هذا الغرض إلا لشخصين أو ثلاثة فلا بد من اتفاقهم‪.‬‬ ‫وليس المقصود أعيان المبايعين وإنما الغرض قيام الشوكة للإمام بالاتباع والاشياع‪.‬‬ ‫وذلك يحصل بكل مستول مطاع‪.‬‬ ‫ونحن نقول‪ :‬لما بايع عمر أبا بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪-‬انعقت الإمامة له بمجرد بيعته ول كن‬ ‫للتابع الايدي إلى البيعة بسبب مبادرته‪ ,.‬ولو لم يبايعه غير عمر وبقي كافية الخلق مخالفين‬ ‫أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب لما انعقدت الإمامة‪.‬‬ ‫فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن‬ ‫والظواهر على المبايعة فإن المقصود الذي طلبنا له الإمامة جمع شتات الآراء في مصطدم‬ ‫تعارض الاهواء‬ ‫ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأي واحد إلا‬ ‫إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت في النفوس رهبته ومهابته‪ .‬ومدار جميع ذلك‬ ‫على الشوكة‪ .‬ولا تقوم شوكة إلا بموافقة الاكثرين من معتبري كل زمان\"‪.‬‬ ‫سأكتفي بملاحظتين في ختام هذا الفصل‪:‬‬ ‫الأولى تتعلق بطبيعة حجة الباطني القائل بالوصية‪ :‬ففيها دحض للنظر ية اليونانية التي‬ ‫تتكلم على الاصناف الثلاثة دون مضاعفتها بضرب عدد من بيده السيدة في اخلاقهم‪:‬‬ ‫إما واحد أو قلة أو الكل وكل منهم ذو فضيلة أو رذيلة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪125‬‬

‫‪–-‬‬ ‫الثانية تتعلق بحل الغزالي القائل بالاختيار‪ :‬يبدو للوهلة الاولى أنه يقول بشرعية‬ ‫المتغلب‪ .‬ل كن المثال الذي ضربه والوصف الذي وصف به معنى التغلب وصفة المتغلب‬ ‫ينفي ذلك‪.‬‬ ‫فهو وصف التغلب بميل كثرة الجماهير التي تقبل بمن يرجح رأيه وليس بعنف المتغلب‪.‬‬ ‫وهو وصف المتغلب بصفتين وليس بصفة واحدة‪ :‬بزوجين من الصفات‪ :‬شكوته‬ ‫ونجذته أولا ثم رهبته ومهابته‪.‬‬ ‫فجمع بين الشوكة والرهبة وبين النجدة والمهابة فجمع بين بعدي القوة‪ :‬الشوكة والمهابة‬ ‫وختمها بالشرعية المتمثلة في موافقة \"الاكثرين من معتبري كل زمان\"‪.‬‬ ‫وسيزداد الامر وضوحا عندما نصل إلى الكلام على رؤ ية ابن تيمية في الدولة ليبلغ‬ ‫الذروة عندما نصل الكلام على رؤ ية ابن خلدون في الدولة وشروط قيامها بقوامة الرعاية‬ ‫والحماية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪126‬‬

‫‪–-‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس عشر –‬ ‫قبل الكلام في ما يعنيني من ابن تيمية‬ ‫يعسر أن أتكلم في ما يعنيني من فكر ابن تيمية السياسي من دون فاصلة واصلة تجمعان‬ ‫بينه وبين من سبقه (الغزالي) ومن تلاه (ابن خلدون) لولاهما لاستحال فهم كتابه‬ ‫حول دولة السياسة الشرعية ببعديها البنيوي المجرد والقوامي المعين‪.‬‬ ‫فقراءته التي لا تتضمن رؤيته لنظر ية المعرفة ولنظر ية القيمة وخاصة لنظر ية اللسان‬ ‫تجعله شديد السطحية لأن ما في كتابه حول السياسة الشرعية يكاد يكتفي على ذكر‬ ‫المرجعية القرآنية (ثلاث آيات على الأكثر) ليحدد شروط القيمين على الدولة دون‬ ‫أدنى عمق فلسفي يذكر‪.‬‬ ‫لذلك فسأخصص فصلا يصله بالغزالي قبله وبابن خلدون بعده لنفهم الضمني في‬ ‫رؤيته للدولة من خلال وصفه لشروط القوامة التي تنبني عليها الدولة المجردة والتي هي‬ ‫ضمنية عند من سبقه ومن تلاه ل كنها تحتوي ثلاثتها على الخلايا الخمس الخالية من تعيين‬ ‫نظام القوامة السياسي سواء كان بالغلبة أو بالحر ية‪ :‬فيكون التمييز بين الدول في طبيعة‬ ‫القوامة وليس في طبيعة البنية العامة للدولة المجردة‪.‬‬ ‫هنا أيضا كما في مثال الغزالي نجد نفس المنحى في محاولة التحرر من الفصل بين‬ ‫الثورتين التحرير ية من الاستعمار الفارسي والبيزنطي الذي حققه الفتح والفشل التام‬ ‫في التحرر من التبعية في مستوى الثقافة العالمة أي ما يتعلق بالنظر والعقد في الفلسفة‬ ‫النظر ية وما يتعلق بالعمل والشرع في الفلسفة العملية‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪127‬‬

‫‪–-‬‬ ‫فثقافة النظر والعقد‪:‬‬ ‫في الفلسفة والكلام النظر يين بقيت غارقة في القول بالمطابقة والعلم المحيط الذي‬ ‫ترجم في نظر ية التأو يل بقيس الغائب على الشاهد وبرد النقل إلى العقل‬ ‫منذ بداية ظهور اعراض انحطاط الرؤ ية في القرن الخامس مع بداية الهزائم في‬ ‫التصدي للصليبيات ثم للمغوليات ثم الاسترداديات‪..‬‬ ‫وثقافة العمل والشرع‪:‬‬ ‫في الفقه والتصوف العمليين تبعتها فصارت عين الجمود والغرق في المطابقة والعمل‬ ‫التام الذي ترجم في ما يسمى بالمصلحة والتكيف مع ما يسمونه الواقع ومنطق‬ ‫الضرورات التي تبيح المحظورات‪.‬‬ ‫بقيت عين ثقافة الإقليم المتقدمة على الإسلام‪ :‬سرعان ما عاد العرب لجاهليتهم‬ ‫وسيطرت عادات الشعوب من حولها وظلت ثقافة الإسلام الجديدة مقصورة على‬ ‫قشورها‬ ‫دون استيعاب لل كثير من قيم الثوتين الإسلاميتين في رؤ ية العالم التي تحدد العلاقة‬ ‫بين عالم الشهادة وعالم الغيب تتجاوز مستوى الاقوال إلى مستوى الافعال‪.‬‬ ‫لذلك فلا بد من تخصيص هذا الفصل للوصل بين ثورة الغزالي وثورة ابن خلدون‪:‬‬ ‫وفيه مسألتان أولاهما هي المعاني الخمس التي تميز ابن تيمية ونظر ية اللغة التي هي اضافته‬ ‫الجوهر ية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪128‬‬

‫‪–-‬‬ ‫التي من دون ما كان ليتمكن من النفاذ إلى دلالة الثورة التي احدثها القرآن ولم‬ ‫تصبح منطلق فكر الإنسانية كان ينبغي أن يكون وإلا فمعنى الرسالة الخاتمة يفقد كل‬ ‫معناه‪.‬‬ ‫المسألة الاولى‪ :‬المعاني الخمس‬ ‫كذلك خمسة معان ثور ية في عصره وكذلك في عصرنا‪:‬‬ ‫الاولى‪ :‬نظر ية اللسان ونفي المقابلة حقيقة مجاز وهي محاولة في تأسيس الوسميات‬ ‫(السيميوتيكا)‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬نظر ية النظر المجرد القائلة بيقين المقدرات الذهنية‪ :‬الر ياضيات والمنطق‬ ‫والمعتقدات الإيمانية‪ .‬وهي ضرور ية لعلم الطبيعة وعلم التاريخ‪.‬‬ ‫الثالثة‪ :‬نظر ية النظر المطبق للمقدرات الذهنية أي الطبيعيات والانسانيات‬ ‫الرابعة‪ :‬نقد الانقال من المقدرات الذهنية إلى الموجودات العينية في المعرفة فعل‬ ‫لغوي وليس معرفي أي إنه ترجمة ناقصة للثانية بالأولى‪.‬‬ ‫الاخيرة‪ :‬المهمة النقدية التي تمثلت في اعادة النظر في علوم الملة كلها (أي أصلها‪:‬‬ ‫التفسير ثم النظر والعقد أي الفلسفة والكلام والعمل والشرع أي التصوف والفقه)‬ ‫بالاجتهاد الفكري الذي اوصله إلى ابستمولوجيا تنفي المطابقة فتعيد دور الغيب في‬ ‫كل معرفة‪ :‬نقد الكلام الشيعي والكلام السني ونقد الفلاسفة من المدرستين السائدتين‬ ‫أي الأميل إلى ارسطو والأميل إلى افلاطون‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪129‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وبالجهاد الفعلي الذي اوصله إلى اكسيولوجيا تنفي التمام فتعيد دور الفعل التاريخي‬ ‫وهو بداية تحرير العامة من العامية التي اعادتها إلى الوثنية والحاجة للوساطة الروحية‬ ‫لأن التصوف والفقه صارا كنسية خفية أغرقا العامة في التقليد وعبادة المقابر‬ ‫والدجالين‪ .‬فمثل ثورة روحية وسياسية بالأولى ألغى الوساطة وبالثانية ألغى الوصاية‪ :‬فكان‬ ‫مجاهدا ومقاوما بالفكر والبيد‪.‬‬ ‫وهذه هي الأهم عندي لأنها هي فرصة الاستئناف لو كان من أتى بعده قادرا على‬ ‫فهم هذه القراءة لفلسفة النظر وفلسفة العمل وفهم معنى جمع الرجل بين الثورتين أي‬ ‫الثورة النظر ية العمل بها بمعنى أنه لم يكن مثل المتكلمين والفلاسفة عميلا للحكم بل‬ ‫كان أشجع رجل لنقده والتصدي للغزاة‪.‬‬ ‫ولن اتطرق في كلامي على رؤ ية ابن تيمية السياسية استكمالا لما توصلنا إليه في رؤ ية‬ ‫الغزالي قبل استكمال الكلام على رؤ ية الغزالي تتعلق بما بين التهافت والفضائح من اشتراك‬ ‫في العلاج العميق لنظر ية التأو يل‪:‬‬ ‫فالغزالي يميز بين علاجين في الفضائح‪:‬‬ ‫الموجه إلى الخاصة التي تقود الباطنية‬ ‫والموجه إلى العامة في الشعوب التي يحكمونها‪.‬‬ ‫وإذن فالفضائح يعتمد على التهافت‪-‬نفس المنهج الذي خاطب فيه الفلسفة النظر ية‬ ‫مميزا بين الفلاسفة والتشبهين بهم ‪ -‬يخاطب في الفلسفة العملية بالتمييز بين الساسة‬ ‫والمتشبهين بهم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪130‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وحتى يفهم القارئ العربي الحديث ويدرك علةكون النخب المثقفة التي تدعي التفكير‬ ‫الحديث هم عينهم المتشبهون بالفلاسفة والمتشبهون بالساحة وليسوا فلاسفة ولا ساسة‪:‬‬ ‫وهم في رؤ ية الغزالي الباطنية في النظر والعقد أو الفلسفة النظر ية والتشيع في العمل‬ ‫الشرع أو الفلسفة العملية‪.‬‬ ‫فهم إذن أدعياء حداثة عصرهم ويشبهون ادعياء حداثة عصرنا اي الملحدون في النظر‬ ‫والعقد فلسفيا والعلمانيون في العمل والشرع عمليا‪ .‬ولذلك ففي الحالتين نحن أمام عامة‬ ‫تدعي العلم والحداثة تشبها بالعلماء والفلاسفة في الحالتين‪.‬‬ ‫لذلك فالرد سيكون بيان طبيعة العلم والفلسفة والتمييز بينهما وبين دعوى المتشبهين بهم‬ ‫حتى يكون العلاج السياسي في التربية وفي الحكم على بينة من الامر فلا يخلط بين‬ ‫العالجين‪.‬‬ ‫فالعلاج مع العامة الذين يتبعون المتشبهين بالخاصة يختلف عن علاج هؤلاء المتشبهين‬ ‫بالخاصة أي بالعلماء والفلاسفة‪ .‬لذلك كان الحل في المصنفين معلقا بهذا التمييز في‬ ‫مستوى النظر وما يترتب عليه في التربية وفي مستوى العمل وما يترتب عليه في الحكم‪.‬‬ ‫لذلك فهو شديد التسامح مع العامة ومع الفلاسفة اذ يكتفي بشرطين لا غير‪ :‬الإيمان‬ ‫بالله وباليوم الآخر دون تكييف‪ .‬ويحاول إبدال الوسطاء من أدعياء التفلسف في النظر‬ ‫وفي العمل‪.‬‬ ‫وذلك هو المشترك بين الاستراتيجيات الغزالية والتيمية والخلدونية فلكأن كتاب الرد‬ ‫على فكر ابن المطهري‪-‬منهاج السنة‪ -‬مثيل الرد على فكر داعي الدعاة‪-‬فضائح الباطنية‪-‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪131‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وكلاهما يرد الموقفين إلى تأثير الفلسفة الشبيهة ليصل إلى العلم الحق الذي يقول به‬ ‫سواء في النظر أو في العمل وهو المشترك بين الدين الحق والفلسفة الحق‪.‬‬ ‫وسنرى أن ابن خلدون يرد على الباطنية والتصوف وعلى المتشبهين بالعلماء والفلاسفة‬ ‫وليس على الفلاسفة وكلامه على العامة متسامح إلى أقصى الحدود لأن صلاحهم يتبع‬ ‫صلاح القيمين على التربية والحكم‪.‬‬ ‫فقد رد ثلاثتهم على الباطنية وخاصة الغزالي بالجدل الفلسفي الراقي الساخر إذ قلب‬ ‫كل تأو يلاتها إلى نقائضها وهو أفضل دحض جمع صرامة المنطق ونباهة السخر ية‪.‬‬ ‫فأفسد عليهم أهم سلاح يستعملونه هو سلاح التأو يل والفكر الفلسفي السطحي‬ ‫ولو لم يكن ذلك ما نحتاج إليه في التصدي لجنيسهم الحالي أي ما نراه اليوم عند‬ ‫متفلسفة العرب المسارعين للنجومية بالقشور الحداثية‪ :‬فاعتمادهم على معادلة هيجل‪:‬‬ ‫\"العقل واقع والواقع عقل\" لتبين أن كل تأو يلاتهم من أسخف ما يمكن تقديمه للفكر‬ ‫الإنساني‪.‬‬ ‫وقد كتبت مرة بأن كل ذلك حصره الغزالي في مفهوم شديدة الوضوح وعميق‬ ‫الدلالة \"ضيق الحوصلة\"‪ .‬وهو حصر الممكن من الوجود في الحاصل مما ندركه منه‪.‬‬ ‫فالممكن عقلا هو كل ما نجهله والحاصل هو بعض ما نعلمه‪.‬‬ ‫رد الأول إلى الثاني أترجمه بعبارة شارحة لمفهوم الغزالي وهو سيكون منطلق الكلام‬ ‫في ابن تيمية وابن خلدون من بعده‪ :‬فما دلالة هذا الرد؟ وهمان سميتهما ذات مرة في‬ ‫محاضرة قدمتها في المغرب منذ ما يقرب من عقدين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪132‬‬

‫‪–-‬‬ ‫ثمرة هذه الرؤ يةكيف نفهمها؟‬ ‫اضطررت لوضع مفهومين يمكنان من تحليل البنية العميقة في هذه الرؤ ية‪ .‬فقد سميت‬ ‫هذه البنية باسم شديد الغرابة رغم كونه يعبر عن ظاهرة شديدة الوضوح‪:‬‬ ‫\"إطلاق السرد في الكلام على الماضي\"‬ ‫و\"إطلاق الطرد في الكلام على المستقبل\"‪.‬‬ ‫وكلاهما قيس المجهول من الماضي ومن المستقبل على المعلوم من الحاضر‪:‬‬ ‫اسقاط الحاضر على الماضي بالسرد‪.‬‬ ‫واسقاط الحاضر على المستقبل بالطرد‪.‬‬ ‫فرد أحداث الماضي إلى حديثها في الحاضر ينفي التغير الذي لا يبقى أدنى معنى‬ ‫للمطابقة‪.‬‬ ‫ورد حديث المستقبل إلى حدثه عندما يصبح حاضرا يلغي الفرق بين الحديث‬ ‫والحدث‪.‬‬ ‫فلا يكون الفرق بين الماضي والمستقبل ماثلا ليسقط القول بالمطابقة في النظر والتمام‬ ‫في العمل‪.‬‬ ‫فالسارد يغلي بهما ما لا يحيط به سرده من لا تناهي تأو يل المآلات الممكنة للماضي‬ ‫في الحاضر فيحصره في ما يرده إلى ما يدركه من الحاضر بالسببية الساذجة‬ ‫والطارد يلغي ما لا يحيط به طرده من لا تناهي تأو يل المآلات الممكنة للحاضر في‬ ‫المستقبل فيحصره في ما يرده إلى ما يحققه منه بالسببية الساذجة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪133‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وذانك هما ما لا يصح إلا معنى التأو يل في القرآن إذا نسب إلى الله متكلما وفاعلا‬ ‫ولا يمكن ان يصحا على الإنسان متكلما وفاعلا‪:‬‬ ‫فتأو يل الوجود بترجمته قوليا وهو أمر لا يتطابق إلا في علم الله‪.‬‬ ‫وتأو يل القول بترجمته فعليا وهو أمر لا يتم إلا في عمل الله‪.‬‬ ‫وكلاهما مستحيل إلا عندما يتعلق الامر بالقرآن من حيث هو كلام الله حيث يكون‬ ‫الماضي والمستقبل دائمي الحضور فيه لتعلقه بالسرمدي من الوجود وهو الغيبي فيه بصرف‬ ‫النظر عن تعينه التاريخي‪.‬‬ ‫وفي ما عداه يغيب شرط التأو يل بمعنييه إذ هو يكون ناتجا عن وهم الاحاطة بعالم‬ ‫الشهادة اي اطلاقا للعلم واعتباره مطابقا له ومن ثم نفي المجهول منه في سرد الحاضر‬ ‫للماضي وطرده للمستقبل‪.‬‬ ‫لذلك قلبت قيس الغائب على الشاهد فجعلت العلم الإنساني لأنه غير محيط وغير مطابق‬ ‫بنبغي أن يقيس الشاهد على الغائب في الشهادة والغائب على الغيب في الآخرة التي هي‬ ‫مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر‪ :‬إذن طرد المعلوم في عالم‬ ‫الشهادة مستحيل وأكثر منه استحالة تأو يل الغيب في عالم الآخرة‪.‬‬ ‫(ملاحظة الطرد يعني اعتبار مجرى الأحداث لا يتغير ما هو جار اليوم باق غدا وما‬ ‫يجري اليوم هو ما جرى أمس أي اسقاط الحاضر على المستقبل‪ :‬يعني بروجاسكيون‬ ‫للحاصل على الممكن ورده إليه بمنطق التعميم والثبات في الوجود)‪ .‬منطلق النقد التيمي‬ ‫من هذه النتيجة و يقبل الرد إلى السؤالين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪134‬‬

‫‪–-‬‬ ‫‪ -1‬السؤال الاول عن صحيح المنقول أي هل السرد مطابق؟‬ ‫‪ -2‬السؤال الثاني عن صريح المعقول‪ :‬أي هل الطرد مطابق؟‬ ‫وبعبارة أدق واوضح‪ :‬هل قانون السرد وقانون الطرد يتعلق بالمضمون الذي يتوهم‬ ‫ثابت لأن شكل قوله الإنساني يبدو ثابتا؟ وهل يمكن ادعاء المطابقة بين شكل القول‬ ‫وحقيقة المقول في نظرنا وفي عملنا؟‬ ‫فإذا تعلق بالشكل أي ما يحدد الصحة في المنقول وما يصحح الصراح في المعقول‬ ‫فإن التعارض بين النقلي والعقلي يصبح مستحيلا ما بقيا في حدود فهم الإنسان عندما‬ ‫لا يخلط بين المضمون المقول والشكل القائل لأن‪:‬‬ ‫النقلي لا يقبل من دون البحث العقلي فيه في حدود ما يدركه الإنسان من الوجود‬ ‫الطبيعي إذ العمل غير ممكن بدون التجربة الخلقية في حدود ما يدركه الإنسان من‬ ‫الوجود التاريخي‪:‬‬ ‫إذ لو كان عمل الإنسان عديم التناسق المنطقي لما اثمر صوغا لعادات الأشياء والتناسق‬ ‫الخلقي لما أثمر صوغا لعادات الحضارات‪ .‬وتلك هي غايات الاستخلاف في الأرض‬ ‫وأداة الاستعمار فيها‪.‬‬ ‫كما أن العقلي لا يقبل من دون البحث النقلي فيه إذ العلم غير ممكن من دون التجربة‬ ‫العينية‪ :‬لو كان علم الإنسان عديم التناسق التجريبي لما اثمر في العلاقة بالطبيعة أصلا‬ ‫ولما وجدت أدوات الاستعمار في الأرض‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪135‬‬

‫‪–-‬‬ ‫ذانك هما مبدآ النقد التيمي وهما علة الفصل بين مستو يين في نظر ية المعرفة‪ :‬المعرفة‬ ‫مطلقة التجريد وهي معرفة التقدير الذهني والمعرفة مطلقة التعيين وهي معرفة التجربة‬ ‫الخلقية في التاريخ والتجربة العينية في الطبيعة‪ .‬وعليهما يبني نظريته الأكسيولوجية‬ ‫ونظريته الأبستمولوجية‬ ‫اللتين سينقد بهما الفلسفة والكلام سواء كانتا من الإسلام أي من المدرسة السنية‬ ‫أو من المدرسة الشيعية أو من غير الإسلام وخاصة من اليهودية والمسيحية‪.‬‬ ‫المسالة الثانية‪ :‬ثورة ابن تيمية‪ :‬الابستمولوجية وأثرها في نظر ية السيميولوجيا‬ ‫(المنطق الجزء التاسع المجموع نشر المعارف الرباط غير مؤرخ ص ‪)73 -72‬‬ ‫\" فالعلوم (‪ )1‬الأولية (‪ )2‬البديهية (‪ )3‬العقلية (‪ )4‬المحضة (‪ )5‬ليست إلا في‬ ‫المقدرات الذهنيةكالعدد والمقدار لا في الامور الخارجية (الموجودة)‪.‬‬ ‫فإذا كانت مواد القياس البرهاني (يعني مضمون التحليلات الثواني لا التحليلات‬ ‫الأوائل) لا يدرك بعامتها إلا أمور معينة ليست كلية وهي ما يدرك بالحس الباطن‬ ‫والظاهر والتواتر والتجربة والحدس‬ ‫(وإذا كان) الذي يدرك الكليات (‪ )1‬البديهية (‪ )2‬الاولية يدرك إنما يدرك (‪)3‬‬ ‫أمورا مقدرة ذهنية لم يكن في مبادئ البرهان (التحليلات الثواني) ومقدماته المذكورة‬ ‫ما يعلم به قضيةكلية عامة للأمور الموجود في الخارج (‪)4‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪136‬‬

‫‪–-‬‬ ‫و(إذا كان) القياس لا يفيد العلم إلا بواسطة قضية كلية (بمقتضى التحليلات‬ ‫الأوائل) فامتنع حينئذ أن يكون في ما ذكروه من صورة القياس (التحليلات الأوائل)‬ ‫ومادته (التحليلات الأواخر) حصول علم يقيني (‪.)5‬‬ ‫وهذا بين لمن تأمله‪ .‬وبتحريره وجودة تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف‪ .‬وسنبين‬ ‫إن شاء الله من أي وجه وقع عليهم اللبس‪.‬‬ ‫فتدبره فإنه من أسرار عظائم العلوم التي يظهر لك به ما يجل عن الوصف من الفرق‬ ‫بين الطر يقة الفطر ية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية وبين الطر يقة القياسية المنطقية‬ ‫الكلامية\"‪:‬‬ ‫ولا تكتمل هذه الرؤ ية من دون نصفها الثاني المتعلق بإشارة لا تحصر التقدير الذهني‬ ‫بصفاته المعرفية الخمسة تلك على العدد والمقدار بل تقيس عليه العقائد الدينية التي وخاصة‬ ‫الصفة الأولى‪ )1( :‬الأولية (‪ )2‬البديهية (‪ )3‬العقلية (‪ )4‬المحضة (‪.)5‬‬ ‫ملاحظة أخيرة أشرح فيها الصفات الخمس التي وصف بها ابن تيمية العلم المجرد المطلق‬ ‫الذي بمقتضاه توضع الدولة المجردة التي تلازم الإنسان من حيث هو إنسان في العمل‬ ‫كالتي تلازمه في النظر‪.‬‬ ‫فقبل الذهاب الآن إلى نظر ية الفلسفة السياسية فلنعتبر الكلام عليها مفترضا مبدأ ابن‬ ‫خلدون في \"عدم التأثيم\" للعمل السياسي في علاجه لإشكالية الفتنة ال كبرى وكيفية‬ ‫الخروج منها بقلب الصفحة‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪137‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وهو ما سيأتي شرحه في الفصل الموالي‪ .‬ذلك أن ابن تيمية ربما بمكر إلهي جاء بين‬ ‫الغزالي وابن خلدون‪ .‬فلا يمكن فهمه من دون علاقته بالغزالي قبله وبابن خلدون بعده‬ ‫وخاصة في نظر ية الفلسفة السياسية‪.‬‬ ‫(‪ )1‬فهي أولية بمعنى أنها ليست مشتقة من غيرها لأن شرط كل اشتقاق‬ ‫(‪ )2‬وهي بديهية بمعنى أن من لم يسلم بها لا يمكن أن يبدأ التفكير السوي‬ ‫(‪ )3‬وهي عقلية بمعنى أن العقل لا يوجد من دونها‬ ‫(‪ )4‬وهي علوم محضة بمعنى أنها خالصة‬ ‫(‪ )5‬وهو ما جعلني افهم كلمة \"صريح المعقول\" ليس بمعنى الصراحة بل معنى الصراح‬ ‫أي المحض‪ .‬وهذه المعاني متعينة في كيان الإنسان وفي كيان العالم‬ ‫وهي عين ما به يحصل اللقاء بين الكيانين لتكتمل المعادلة الوجودية دون أن يحصل‬ ‫تطابق بين صاحب العمل المحيط بالخلق والأمر في الغيب وبين اللغة المعبرة عنهما بالرسم‬ ‫والصوت في الشاهد منهما في عالم الإنسان‪.‬‬ ‫فذروة ثمرة قوانين الطبيعة ممثلة في الحياة ماثلة بأتم صورة في كيان الإنسان العضوي‬ ‫وذروة ثمرة سنن التاريخ ممثلة في الحضارة ماثلة بأتم صورة في كيان الإنسان الروحي‪.‬‬ ‫ومن ثم فالإنسان نسخة شاهدة هي المعنى أي مجرد رمز يعبر عن مرموز لا يمكن‬ ‫وصفه ولا خاصة قوله لأنه الغيب المطلق أي ذات الله الخالق والآمر‪.‬‬ ‫وهو معنى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وكلاهما المميز المطلق بين الرمز‬ ‫(الإنسان المستخلف) والمرموز‪ :‬الله الذي خلقه وأمره ليكون خليفة في الارض التي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪138‬‬

‫‪–-‬‬ ‫هي بدورها وحدة قيس لإبعاد العوالم (كما في تقدير يوم أحدها بخمسين ألف من أيام‬ ‫الارض)‪.‬‬ ‫وهذا هو القصد بمعنى المعنى في عالم الغيب ‪-‬علاقة الرمز الذي هو عالم الشهادة بالمرموز‬ ‫الذي هو عالم الغيب وهي ليست علاقة حقيقة بمجاز بل علاقة رمز بمرموز‪-‬‬ ‫وإذن فمعنى المعنى لا يرد إلى عالم الشهادة بالتأو يل الذي يخضع لمنطق الحقيقة والمجاز‪.‬‬ ‫ومن هنا فلا يمكن اعتبار ما يعلمه الإنسان بالتأو يل موصلا إلى علم مطابق‬ ‫لأن المناظرة بين الرمز والمرموز علاقة بين موجودين فعليين‪ :‬أحدهما يؤدي وظيفة‬ ‫الرمز والثاني يؤدي وظيفة المرموز‪ .‬وكل لغة هذه طبيعتها تتألف من موجود فعلي تجعله‬ ‫رمزا لموجود فعلي تجعله مرموزا‪ .‬كلاهما حقيقة بذاته ل كنه ليس حقيقة إضافية يكون‬ ‫المرموز فيه مجازا والرمز حقيقة‪.‬‬ ‫فليس للرموز اللغو ية معنى الحقيقة الإضافية إلى ما ترمز إليه ليكون هو معنى مجاز يا‬ ‫بل كلاهما له حقيقته التي هي غير وظيفته‪ .‬إذ لو صح ذلك لتوحدت كل اللغات لتكون‬ ‫اسماء متطابقة مع مسميات متطابقة‬ ‫لتكون الإفادة دالة على الحقيقة المزعومة واحدة والمجازات التي ينبغي أن تتحد فتكون‬ ‫البلاغة واحدة في كل الألسن ولا تختلف استراتيجيات الترميز‪.‬‬ ‫ل كن الرمز متناه وهو المعنى وفيه يكون الإنسان رمز الرب‪ :‬وهو معنى الخليفة الذي‬ ‫هو حي مائت‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪139‬‬

‫‪–-‬‬ ‫والمرموز لا متناه وهو معنى المعنى وفيه يكون الله المرموز وهو معنى المعنى وهو حي‬ ‫لا يموت‪ .‬لذلك فلا بد لفهم هذه العلاقة بين المعنى ومعنى المعنى التخلص من خرافة‬ ‫الحقيقة والمجاز‪.‬‬ ‫شرط ذلك التمييز بين المعنى وهو مجموعة الرموز ومعنى المعنى وهو مجموعة المرموزات‬ ‫لنكتشف الدالة المحددة للعلاقة بين عالمين من طبيعة مطلقة الاختلاف رغم الدالة التي‬ ‫تصل بينهما‪.‬‬ ‫الدالة بين المعاني ومعاني المعاني دالة بين عالمين أحدهما رامز والثاني مرموز وكلاهما‬ ‫ينتسب إلى عالم مختلف عن الثاني الاول من عالم الشهادة وهو عالم الممكن النسبي‬ ‫للإنسان والثاني من عالم الغيب وهو عالم الممكن المطلق للرب‪.‬‬ ‫فتكون كل لغة ذات أبعاد خمسة بخلاف السائد الذي يقصرها على ثلاثة هي الاسم‬ ‫والفعل والحرف‪ .‬لا بد من اضافة الصورة والصوت المستعملين مادة خاما تصنع منها‬ ‫الرموز التي تقال باللسان فيكون اللسان ترجمانا للتصوير والتنغيم في العبارة اللغو ية لذلك‬ ‫فذروتها الشعر‪:‬‬ ‫الصورة‪ :‬لقول المشهود من الذات ومن الغير‬ ‫الصوت‪ :‬لقول المسموع من الذات ومن الغير‬ ‫وكلاهما تجسيم للمعنى بالكيان البدني في الذات أو في الموضوع وهما جوهر العبارة‬ ‫الإنسانية إما مباشرة أو بالترجمة اللسانية في الكلام وبالترجمة التمثيلية أو الدرامية المقصورة‬ ‫على الإشارة البدنية والتعبير الموسيقي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪140‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وكلاهما يعتمد وحدة أدنى ترسم في المكان أو تصوت في الزمان وهي الحرف الذي‬ ‫يصل بين بقية الأبعاد في الاولين وصلة بين عناصر الرسم الدالة وبين عناصر الصوت‬ ‫الدالة وفي الثانيين بين الافعال والأسماء فرادى وبينها جملها‪.‬‬ ‫وهو مضاعف بمعنى جزء التصويت الأدنى المحيز في المكان الخارجي للمشار إليه والمحيز‬ ‫في المكان الداخلي لطبيعة التحيز قيسا على ما يجري في المكان والزمان‪.‬‬ ‫وهو الحد الأدنى من الصوت والحد الأدنى الدال من التصويت‪ .‬فيكون ما يجعل‬ ‫الصوت أداة التعبير الإنساني الواصل بين اللسان والبدن أو بين التعبير اللساني والتعبير‬ ‫اليدني‬ ‫وتلك هي علةكونه الوسط بين الاثنين الأولين أي الصورة والصوت والاثنين الاخيرين‬ ‫اي الفعل والاسم‪:‬‬ ‫فالفعل‪ :‬علاقة القول بالمقول من حيث الحدوث في المكان والزمان فعلا وانفعالا‬ ‫والاسم‪ :‬علاقة القول بالمقول من الحادث فاعل ومفعول متمكن ومتزمن ومشار إليه‪.‬‬ ‫وكلاهما يستحيل تجسيمه إلا بإحالة الصورة والصوت إلى المسمى الذي يتم وصله بما‬ ‫في المكان والزمان حدثا وحدوثا بصورة عرفية خاصة بكل لغة وذانك هما الفعل والاسم‪:‬‬ ‫والحرف يصل بينهما داخل وعي المتكلم‬ ‫و يصل بين اللساني والبدني خارج المتكلم‬ ‫والوصل بين الوصلين هو الإشارة إلى ما يعتبر أشياء خارجية تصبح هي المدلول في‬ ‫مواضعات غير واعية تتميز بها كل ثقافة أو لسان بعدد الجماعات التي تعايشت لمدة طو يلة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪141‬‬

‫‪–-‬‬ ‫فتوارثت رؤ ية لعالمها تسمي ما فيه بما تواضعت عليه من رموز لسانية وبدنية فيكون‬ ‫ما فيه من أشياء ثمرة هذا التوارث الذي يتراكم فيصبح تراثا هو الذي يحدد هذا الترابط‬ ‫الدلالي بين ما في الاذهان وما في الأعيان‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪142‬‬

‫‪–-‬‬ ‫‪ -‬الفصل السادس عشر –‬ ‫ما يعنيني من ابن تيمية‬ ‫اضطرني تحرير الفصول إلى ضم الوصلتين بين الغزالي وابن تيمية ثم بين ابن تيمية وابن‬ ‫خلدون في الكلام عليهم ثم أعود إليهما ليس في فصلين بل في فصل واحد يلي الكلام‬ ‫على الفلاسفة الثلاثة الموصول بينهم ليكون بحثا في علاقة الوصلتين التي جعلتهم ممثلي‬ ‫المدرسة النقدية‪.‬‬ ‫لذلك لن أعود إلى الكلام على ثورة ابن تيمية الفلسفية في نظر ية العلم ونظر ية العمل‬ ‫لأنها جزء من كلامي على الوصل بينه وبين الغزالي وذلك في‪:‬‬ ‫* البعد الأبستمولوجي من العلم الواعي بحدود العقل الراجح‬ ‫* وفي البعد الأكسيولوجي من العمل الواعي بحدود الإرادة الحرة‪.‬‬ ‫وقد بقيت الحاجة إلى اضافة تتمة لهذه العلاقة تتمثل في المسألتين التاليتين‪:‬‬ ‫الاولى‪:‬‬ ‫علتها كثرة المتكلمين في نقد المنطق عند ابن تيمية‪ .‬وهو لم ينقد المنطق كما عرضه‬ ‫ارسطو في التحليلات الأوائل أي المنطق الصوري واكتفى برده إلى مبدأين‪:‬‬ ‫* أولهما حصره في مبدأ اللزوم بين المقدم والتالي إيجابا وبين التالي والمقدم سلبا‪.‬‬ ‫* والثاني اعتباره غير كاف ليكون مصدرا للعلم بعادات الأشياء وإن كان ضرور يا‬ ‫لصورتها وليس لمضمونها الذي لا يعلم إلا بالتجربة والمعاينة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪143‬‬

‫‪–-‬‬ ‫ومن ثم فهو يعنيه من المنطق ليس المنطق بل شروط تطبيقه وعلل حدود اعتماده‬ ‫ليوصل إلى العلم‪ :‬كل كلامه يرد إذن إلى التحليلات الثواني وليس التحليلات الاوائل‪.‬‬ ‫الثانية‪:‬‬ ‫وبهذا المعنى فنقده يقبل الرد إلى نقد الميتافيز يقا الذي سبقه إليه الغزالي‪ :‬وتلك هي‬ ‫حقيقة علاقته به‪:‬‬ ‫* الموجبة‪ :‬قبول نقده للمتافيز يقا وتنسيب الضرورة السببية‬ ‫* والسالبة‪ :‬فرض المنطق على علوم الملة بقبول ما يناقض التنسيب‪.‬‬ ‫فما يعيبه ابن تيمية على الغزالي هو نكوصه إلى ما يلغي ثورته على الميتافيز يقا لأنه هو‬ ‫الذي جعل المنطق حجة في علوم الملةكما في المستصفى‬ ‫وهو ما ترتب عليه وضع مبدا التأو يل الذي لا يختلف عما يقول به الفلاسفة اي إن‬ ‫ما لا يرد إلى المعقول من المنقول يؤول بمقتضى أحكام العقل‪ :‬وهو يضمر أن العقل‬ ‫يدرك الغيب ومن ثم فعلم المؤولين محيط‪.‬‬ ‫أكتفي بهذا الوصل بين ابن تيمية والغزالي في الفلسفة النظر ية وتطبيقاتها في تأسيس‬ ‫علوم الملة عامة‪:‬‬ ‫* أي اصول النظر والعقد (الكلام والفلسفة)‬ ‫* واصول العمل والشرع (الفقه والتصوف)‪.‬‬ ‫وأمر إلى موضوع هذا الفصل‪ :‬نظر ية الدولة المجردة وشروط تعيين القيمين عليها‪ .‬فهل‬ ‫يوجد نفس التناظر بين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪144‬‬

‫‪–-‬‬ ‫علاقة الرؤ ية الغزالية في الفلسفة النظر ية التي وصفت في الفصل الرابع عشر‬ ‫والرؤ ية التيميةكما حددتا حاليا وعلاقة الرؤ ية الغزالية والرؤ ية التيمية في الفلسفة العملية‬ ‫عامة في نظر ية الدولة المجردة بخلاياها الخاو ية الخمس وشروط ملئها القيمين عليها لتتعين‬ ‫الدولة في التاريخ الفعلي جمعا بين السرمدي في التجريد والتاريخي في التعيين؟‬ ‫فهل رؤ ية الغزالي التي وردت في الفضائح تتضمن مفهوم الدولة المجردة أولا وشروط‬ ‫ملئها بالقيمين عليها وفيم يتمثل طابعها الثوري الذي ما يزال متجاوزا لنظر ية الدولة كما‬ ‫صيغت في القرنين السابع عشر والثامن العشر من تاريخ الفكر الغربي الحديث وأفضل‬ ‫منها ل كونه عين الرؤ ية القرآنية؟‬ ‫ولأبدأ قبل الجواب بملاحظة يزعجني قولها ول كن لا بد منه‪ :‬لو كان الرسول وصحابته‬ ‫يمارسون الإسلام كما صار عليه في تاريخ التربية والحكم الإسلاميين بعد النكوص الذي‬ ‫أغرق ثورة الإسلام في ما كان سائدا رغم ثورته عليه لاستحال أن نفهم ما أنجزه‬ ‫الإسلام في تاريخه‪:‬‬ ‫فمن يتعبد مثل ما صار عليه التعبد خلال عقود الانحطاط لا يمكن أن يفتح العالم‬ ‫و يؤسس إمبراطور ية عالمية‪ .‬ومن هنا أفهم عنوان الغزالي في الكلام الاقتصاد في‬ ‫الاعتقاد والالجام وحتى الاحياء‪ .‬فكلها نقد لعلوم الملة لم يفهم الفهم الجدير به‪.‬‬ ‫ومن يعتبر رعاية عالم الشهادة بشروطها وأدواتها بوصفها تحقيق شروط الاستعمار في‬ ‫الأرض من يعتبر ذلك من النوافل ويزعم المرور مباشرة إلى عالم الغيب حصرا‬ ‫للاستخلاف فيه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪145‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook