Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الدولة اين الخلل وكيف يعالج ابو يعرب المرزوقي

الدولة اين الخلل وكيف يعالج ابو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2023-03-06 16:10:05

Description: الدولة اين الخلل وكيف يعالج ابو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫ن َزَ َل ۗ وَمَا َأ ْر َسل ْن َاكَ ِإ َّلا مُب َشِرًا وَن َذِيرًا ‪ 105‬وَق ُرْآن ًا ف َر َقْن َاهُ ل ِت َ ْقر َأهُ ع َل َى ال َّنا ِس ع َل َى‬ ‫مُ ْك ٍث وَن َّزل ْن َاهُ ت َنْزِيل ًا ‪.\" 106‬‬ ‫فلا يبقى معنى \" وبالحق انزلناه\" أي إن الإنزال حق‪\" .‬وبالحرق نزل\" أي إن‬ ‫النازل حق‪ .‬ثم \"وقرآنا فرقناه لتقرأه على مكث\" أي وظيفة التبليغ والتعليم\" واخرا‬ ‫\"ونزلناه تنز يلا\" أي التعين التاريخي الأتم للنازل للقرآن الذي يمثل الصورة الأتم‬ ‫لفعلي الله في الوجود أي الخلق والأمر‪.‬‬ ‫وبين أن وظيفة ما أرسلناك إلى بشيرا ونذيرا وليس حاكما من حيث هو‬ ‫رسول بل هو يصبح حاكما بمقتضى استخلاف الجماعة له استخلافا سياسيا بمعنى‬ ‫مبايعتها له ليكون قيما على شأنها الدنيوي‪:‬‬ ‫فلا هو وسيط بالمعنى الديني في الثيوقراطيا ولا هو وصي بالمعنى السياسي في‬ ‫الأنثبوقراطيا‪\" :‬فذكر إنما أنت مذكر‪ 21‬لست عليهم بمسيطر ‪(22‬الغاشية)\" ‪.‬‬ ‫والاضمار هو أن الدور الأول اصطفاء إلهي والدور الثاني اصطفاء إنساني تقوم‬ ‫الجماعة التي تريد المحافظة على هذا الجهاز المجرد المحافظ على السرمدي خلال‬ ‫التعين التاريخي لمضمون العقيدة والشر يعة الذي هو تنز يلهما في الظرفيات‬ ‫التار يخية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪46‬‬

‫‪--‬‬ ‫تلك هي علة استدلالي بأمثلة من الإسلام‪ .‬ومعنى ذلك أن أسس هذه‬ ‫المفهومات لا استمدها من الإسلام باعتباره عقيدتي الذاتية بل هو استنتاج‬ ‫فلسفي خالص لما يقتضيه العيش المشترك الجامع بين التعدد والوحدة شرطا في‬ ‫التساخرين‪ .‬والرؤ ية الإسلامية هي معين ضرب الأمثلة‪ .‬وفي ذلك اكتفيت‬ ‫باتباع طر يقة ابن خلدون‪.‬‬ ‫فهو أسس علمهكما يتبين من عنوانه على نظر ية فلسفية في \"علم العمران البشري‬ ‫والاجتماع الإنساني\" ل كنه أغلب الأمثلة التي يعين فيها مفهوماته يستمدها من‬ ‫الإسلام عقيدة وتاريخا‪ .‬ولو كانت نظريته مستمدة من الإسلام استقرائيا لكان‬ ‫العنوان \"علم العمران والاجتماع الإسلاميين\"‬ ‫ولكانت المقدمة تأو يلا للقرآن وليست تعيينا لدلالة هذه المفهومات الأربعة‬ ‫وما يوحد بينها‪ :‬العمران والاجتماع والبشري والإنساني وما يوحد بينها لتكون‬ ‫موضوع علم واحد هو شرط جعل التاريخ يكون علما فلسفيا‪.‬‬ ‫لم يستقرأ ابن خلدون نظريته من القرآن بل هو وضع نظر يةكان أقرب الأمثلة‬ ‫للدلالة على صحتها هو ما وجده في القرآن من شروط العيش المشترك السلمي‬ ‫لتكوين الدول التي تجمع بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬

‫‪--‬‬ ‫وهو بذلك قد بين أن أقرب الأديان منها في الفلسفة السياسية هو الإسلام‬ ‫فنتخب منه امثلته تسليما بأن الأديان مثل الفلسفة خاصيتها أنها محاولة الوصل‬ ‫بين التاريخي والمتعالي عليه حتى في أكثر الرؤى الملحدة تطرفا‪.‬‬ ‫ومن هذه الرؤ ية يصدر موقفي من رؤ ية المقاصديين المحدثين الذين جعلوا‬ ‫الشر يعة ناقصة وهم يعلمون كيف يستكملونها فيكونوا أدرى من الشارع نفسه‬ ‫بكيفية تنز يل السرمدي في التاريخي‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن الشرائع الدينية وحتى الفلسفية لا تحقق العدل في التعاوض‬ ‫والصدق في التفاهم وأن العدل والصدق ليس لهما وجود سرمدي فيردان إلى‬ ‫التاريخي منهما‪.‬‬ ‫فلا تكون شر يعة العدل والصدق كما هما حقا مستغنية عن أرخنة السرمدي‬ ‫فيها وهو المقصود بالأرخنة‪:‬‬ ‫أي نفي وجود السرمدي ورده إلى تعين القيم المشروطة في الاستعمار في‬ ‫الأرض والاستخلاف فيها إلى تمظهراتها التاريخية التي لا علاقة لها بأي سرمدي‬ ‫فيها‪ .‬وقد نجد لأصحاب هذه الفكرة عذرا في ما حل بالشر يعة من تحر يف‬ ‫باعتباره علة مغر ية بتبني هذه الرؤ ية التي يزعمونها اجتهادا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬

‫‪--‬‬ ‫فيعتبرونها غير كافية لتحقيق شروط عدل التعاوض في التساخر التبادلي‬ ‫وصدق التفاهم في التساخر التواصلي خلطا بين حقيقتها وتأو يلاتها الخاطئة في‬ ‫تاريخ الاجتهاد الفقهي هو العلة في جعل المقاصد ذات وظيفة تكيفية مع‬ ‫الظرفيات التاريخية‪.‬‬ ‫وقد سبق أن بينت أن ذلك خطا لا يغتفر من مؤولي الشر يعة وأصولها‬ ‫لتأسيس اجتهادات تحرف حقيقة أخلاق القرآن التي تؤسس الشر يعة التي لا‬ ‫تقتصر على ما تشترك فيه مع القانون ولا يمكن أن ترد إلى أسخف التوحيد بينها‬ ‫وبين تقدير البشر للمصلحة وإلا لاستغنينا عنها‪.‬‬ ‫فهي تضرب أمثلة عن العدل والصدق المؤسسين لكل ما يصدق عليه اسم‬ ‫شر يعة الإسلام إذا لم نرد معنى المعنى المفهوم إلى المعنى اللساني ولم نتصور هذه‬ ‫العلاقة هي علاقة بين الحقيقة والمجاز‪ .‬فمعنى المعنى يختلف تماما عن المقابلة بين‬ ‫الحقيقة والمجاز في لغة القرآن‪:‬‬ ‫فالمعنى اللساني في كل لغة وليس في لغة القرآن وحدها أداة التعبير عن معنى‬ ‫المعنى المفهومي‪ .‬وهو نوعان‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬

‫‪--‬‬ ‫فالمعنى اللساني يكون إما رسما لما يدركه البصر ليجعله الرمز الدال على ما لا‬ ‫يدركه البصر من المعنى المفهومي‪ .‬وهو في الغالب الأفعال التي تعبر عن خلجات‬ ‫الروح أو ما يتعلق بحركات النفس‪:‬‬ ‫ومثالها الأوضح هو اسم الفعل في اللغة إذا كان الفعل مما لا يمكن أن يفاد‬ ‫إلى بهذه الطر يقة‪ :‬والمثال هو رسم التردد الذي هو حالة نفسية هي المعنى الثاني‬ ‫بعبارة لغو ية ترسمه بعبارة هي المعنى الأول «يقدم رجلا و يؤخر أخرى\"‪.‬‬ ‫أو هي نغم لما تدركه الأذن للعبارة عما مسماه العيني يسمى بصوته فيكون نغم‬ ‫التصويت مسماه‪ .‬وهي ظاهرة اسم الصوت في اللغة‪:‬‬ ‫ومثاله الأوضح هو تنغيم صوت الحيوان مثلا أو الماء او الريح أو أي ظاهرة‬ ‫طبيعية‪ .‬فخرير الماء وحفيف الورق وكل التنغمي السائد لأصوات الحيوانات‬ ‫مثلا تصبح رموزا مسمية لصوتها ولها في آن‪.‬‬ ‫ويشترك هذان المعنيان اللسانيان في كونهما أصل كل لسان لأن الأول ترجمة‬ ‫بالرسم واللسان لما يشبه التعبير البدني والثاني ترجمة بالموسيقى واللسان لما يشبه‬ ‫التعين المادي للشيء ليس للبصر بل للسمع‪ .‬وكلاهما يتقدم على الأبعاد الثلاثة‬ ‫التقليدية للسان أي الحرف والفعل والاسم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬

‫‪--‬‬ ‫فإذا طبقنا هذه الرؤ ية المخمسة للغة من حيث هي ترميز للمجرد والمتعين بالرسم‬ ‫وبالتنغيم تكون البيعة مثلا معنى المعنى للالتزام التعاقدي الذي هو حالة نفسيه‬ ‫يرسم بالمصافحة التي هي المعنى المتعين رمزا دالا على المعنى المجرد‪ :‬أي مفهوم‬ ‫التعاقد في التجارة أو في السياسة‪ .‬والمعلوم أن كل لغة القرآن تجار ية حتى في‬ ‫العلاقة بين الرب والمربوب‪.‬‬ ‫و يكون معنى المعنى المفعومي في دلالة عبارة \"قطع اليد\" اللسانية في السرقة‬ ‫والحرابة من جنس البيعة ول كن بسلبها أي إنها تتعلق بالإخلال بالعقد المؤسس‬ ‫للعيش المشترك أي عدل التعاوض في التساخر التبادلي وصدق التفاهم في‬ ‫التساخر التواصلي أي إنه يتعلق بحكم \"مد اليد\" فيها لملك الغير دون عدل‬ ‫التعاوض في التبادل‪:‬‬ ‫والحوار بين قابيل وهابيل يفيد هذا المعنى‪ :‬مد اليد يفيد نية القتل‪.‬‬ ‫والكلام على الانفاق من الرزق تبذيرا أو تقتيرا يستعمل رمز اليد‪.‬‬ ‫فيكون معنى المعنى هو المفهومي في معنى قطع اليد والرجل من خلاف هو‬ ‫العبارة اللسانية متعلقا بحكم مد اليد المفهومي لملك الغير وقطع الطر يق عدوانا‬ ‫على عقد عدل التعاوض في تساخر التبادل وعلى عقد صدق التفاهم في تساخر‬ ‫التواصل أي مسا بشرطي العيش السلمي المشترك الذي هو شرط وجود الجماعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فكل ما يعاب على الشر يعة ليس نقصا في احتواء مقصدها بل هو نقص‬ ‫في فهمها وفي فهم دلالةكمال تحقق مقصدها فيها وهو دلالة معنى معناه الراسم‬ ‫لدلالته أو المنغم لها‪ .‬وهي دائما عين بيان علته التي يكون حكمه بإزالتها‪.‬‬ ‫ولما كانت اليد ليست هي التي تسرق دون عنف أو هي والرجل هي التي تقوم‬ ‫بالحرابة فإن في تسليط العقوبة عليها بقطعها ماديا لا يفيد خلقيا ظلم الأداة‬ ‫بتحميلها مسؤولية محركها أي صاحبها فحسب بل هو يفيد كذلك لغو يا عدم‬ ‫إدراك أنه المعنى وليس معنى المعنى المقصود في الكلام‪ .‬فمعنى المعنى هو العلة‬ ‫التي ينبغي إزالتها لحماية ما وقع عليه العدوان‪ :‬فيكون معنى المعنى هو حماية المل كية‬ ‫في الحالتين حالة السرقة البسيطة وحالة السرقة بقطع الطرق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬

‫––‬ ‫– الفصل السابع –‬ ‫هل معنى ذلك أن هذا الفهم ‪-‬الذي قدمته في الفصل السادس‪-‬من جنس ما يطلبه‬ ‫أصحاب المقاصد في التعامل مع السرمدي بأرخنته لكأنه خال مما يحفظ ثباته في تعينات‬ ‫تنز يله التاريخي جمعا بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ؟‬ ‫لو كان ذلك كذلك لكان ما يتم تطويره به متعلقا ما يظن أكثر كلية مما هو حاصل في‬ ‫نص حكمي السرقة البسيطة والسرقة المصحوبة بقطع الطرق‪.‬‬ ‫وحتى يتبين أن الحل الذي عرضته لا يتعلق بتجاوز مقاصدي للحكمين بل هو إصلاح‬ ‫لاجتهاد خاطئ خلقيا لتجاهل معنى المعنى الذي هو عين المفهوم برده إلى المعنى لغو يا‪.‬‬ ‫وهذا الرد علته تأو يل سطحي للسرمدي الشرعي في التنز يل التاريخي‪ .‬فهو تأو يل يخلط‪:‬‬ ‫بين الحكم الشرعي ومقدار العقوبة حدا أقصى في الأحكام أولا‬ ‫وبين يقين العلم المحيط واجتهاد الحكم في القضاء الدنيوي ثانيا‬ ‫لأن الحد الأقصى الوارد في الحكم يؤخذ في غياب أهم شروطه التي يذكرها الحكم نفسه‬ ‫في القضاء الإلهي وليس في القضاء الإنساني رغم أن المخاطب هو القضاء الإنساني ما‬ ‫يعني أن ضمير الحكم هو \"في حدود ما يسمع به الاجتهاد الذي لا يحقق يقين العلم المحيط‬ ‫أبدا\"‪:‬‬ ‫فما يؤخذ لا يعتبر سرقة إذا لم يكن محميا ممن عليه واجب الحماية‬ ‫وحكم قاضي الأرض حكم بالظاهر ولا يعلم السرائر إلا الله وحده‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬

‫––‬ ‫ولا يوجد فقيه ينكر أن حماية المل كية شرط في كون أخذها سرقة لأنه من دونها لا‬ ‫يعتبر تبادلا أصلا فظلا عن اعتباره ظلما لأحد‪.‬‬ ‫ولا يوجد فقيه ينكر أن تطبيق الحد الأقصى بالمعنى الحرفي يفترض العلم المحيط المستحيل‬ ‫في القضاء الدنيوي‪.‬‬ ‫ومن ثم فلا يمكن أن يكون الحكم نفسه قابلا للتأو يل بالقطع المادي لليد في السرقة‬ ‫ولليد والرجل في الحرابة لغيات هذين الشرطين‪.‬‬ ‫ففي الحرابة مثلا الحكم بقطع اليد والرجل من خلاف يسقط إذا تاب المحارب قبل‬ ‫القدرة عليه‪ .‬والمعلوم أن المحارب ليس غبيا حتى ينتظر وصول الدولة للقدرة عليه من‬ ‫دون أن يسارع للتوبة حتى نفاقا لئلا يطبق عليه حكم القطعين من خلاف‪ .‬ما يعني أن‬ ‫القضاء الشرعي مقصده ثابت فيه وهو ليس للعقاب بل للتربية‪.‬‬ ‫فيكون الشرط إذن مشيرا إلى شرط منع الحرابة بقدرة الدولة وهو ما يعني أن تخلف‬ ‫شرط الحماية هو العلة في الحالتين‪ :‬فأخذ الشيء غير المحمي ليس سرقة وإلا لما استثني‬ ‫من الحكم‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن تكون حماية مقصورة على دور صاحبها وإلا لما احتجنا إلى القانون وشوكة‬ ‫الدولة بل ولصار كل مالك بديلا من الدولة مستغنية عن الأمن الداخلي ناهيك عن‬ ‫توقي الحرابة في التنقل في المكان والزمان‪ .‬وهكذا فالمشكل يصبح مضاعفا‪:‬‬ ‫مشكل تربية المواطن على تفضيل ثمرة العمل على ثمرة ال كسل لأن جهد اخذ ثمرة عمل‬ ‫الغير أقل كلفة من العمل المنتج للثمرة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬

‫––‬ ‫ومشكل قيام الدولة بالحماية أعني اصلاح قوامة الدولة التي صارت في الغالب ملعب‬ ‫اللصوص سرقة وحرابة‪.‬‬ ‫ومن ثم فالأمر كله متعلق بوظيفتي الاستراتيجية السياسية أي التربية والحكم اللتين‬ ‫تفسدان في الجماعات التي يكون المكلفون بالقوامة فيها أكبر السراق والمحتربين كالحال‬ ‫عند العرب خاصة ل كن الأمر كوني والفرق في مقدار هذين الفسادين‪:‬‬ ‫كيف نربي المواطن الذي يحترم المل كية التي هي شرط قيام الجماعة المادي‬ ‫كما نربيه ليحترم التراث الذي هو شرط قيامها الروحي بعدل التساخر التبادلي والتساخر‬ ‫التواصلي‪.‬‬ ‫ولا تحقق التربية والحكم هذين الغايتين ما لم تكن الجماعة من المؤمنين العاملين صالحا‬ ‫والمتواصين بالحق اجتهادا والمتواصين بالصبر جهادا أي محققين لشروط الخروج من‬ ‫الخسر كما بينت ذلك سورة العصر‪ .‬ولولا ذلك لما كان من شروط الانتساب للخير ية‬ ‫الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (آل عمران من ‪ 104‬إلى ‪.)110‬‬ ‫وهذا هو القصد بأن التأو يل المناسب لكل مضمون في نص الحكم الشرعي لا يتعلق‬ ‫بنص منعزل عن بقية النصوص عند جمعها النسقي في نظام الشر يعة الإسلاميةككل‪.‬‬ ‫استبدال ذلك بالبحث عما يزعم ناقصا في النص بالقياس إلى الظرف التاريخي هو الذي‬ ‫يلغي السرمدية فيجعل التاريخ حكما في دلالة النصوص و يقع اللجوء إلى ما يسمونه أسباب‬ ‫النزول التي يردون الحكم إليها وكأنها علته وليست معلولته‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬

‫––‬ ‫وتلك هي ويحتاج إلى استكماله بالمقاصد التي تكون متروكة للفقهاء يستخرجونها لنسخ‬ ‫الموجود وتعو يضه بما يطوره ليؤرخن السرمدي بمقتضى التكيف مع الظرفيات‪ .‬فأحكام‬ ‫الشر يعة لا تقتصر على تقدير العقوبة وردها إليها دون التثبت في ما يجعلها للتخو يف في‬ ‫الآخرة عندما تشهد اليد والرجل على السارق والمحارب‪.‬‬ ‫فكيف يكون من العدل الإلهي أن يعاقب الشاهد الصادق‪-‬اليد والرجل‪ -‬وهو من‬ ‫الجوارح التي ليس لها الأمر والنهي في سلوك الإنسان الدنيوي لأنها مجرد أدوات مأمورة‬ ‫و يترك الآمر فتعاقب هي بدلا منه‪ :‬هل معنى هذا أن النص الشرعي يعاقب اليد والساق‬ ‫و يترك صاحبهما الذي استعملهما في السرقة والحرابة؟‬ ‫سيقال من انت حتى تشكك في فهم كل أيمة أصول الفقه والفقهاء فتظنهم عاجزين‬ ‫عن الوصول إلى هذا التأو يل فتخطؤهم بهذه الصورة العجيبة؟ فلنفرض أنك عالم زمانك‬ ‫وفريد عصرك وأنك تتجرأ عليهم فزعمت الاتيان بما لم يأت به الأولون ولن يأتي به‬ ‫الأخيرون‪.‬‬ ‫وهبنا سلمنا لك بأن خطأهم ليس مستحيلا بدليل فقبلنا بما تنكره علمهم في الفقه وأصوله‬ ‫رغم كونهم هم من هم في علوم الملة فهل تنكر ما نسب إلى الرسول من القول‪ :‬لو‬ ‫سرقت فاطمة لقطعت يدها؟‬ ‫لست بحاجة لمناقشة هذا الاعتراض ولا أدعي أني وحيد زماني ولا أزعم الاتيان لما‬ ‫لم يأت به الأولون قبلي ناهيك عن الأخيرين بعدي‪ .‬ل كني لست متعسفا في نقدي لأن‬ ‫المدرسة النقدية في الحضارتين العربية الإسلامية والغربية المسيحية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬

‫––‬ ‫كلتاهما انتهتا إلى أن علم الإنسان ليس محيطا وعمله ليس تاما ومن ثم فيستحيل أن يكون‬ ‫حكمه المعرفي والقيمي غنيا عن الإيمان بأن ما يجهله يفوق بما لا يتناهى ما يعلمه وما‬ ‫يعمله في أي مجال ناهيك عنه في ما يتعلق بالسرائر التي تحكم أفعال البشر ومن ثم عسر‬ ‫القضاء فيها‪.‬‬ ‫ثم إن النظر ية المنطقية والنظر ية اللغو ية اللتين هما ما يحتكم إليه الإنسان في تقييم الاجتهاد‬ ‫في أي مجال تفرضان هذا الحذر في اطلاقه تجنبا لما لا يمكن تداركه بأقل الاضرار بما‬ ‫تقتضيه التربية والحكم الحر يصين على كرامة الإنسان وحريته‪.‬‬ ‫فمنطقيا لا يمكن القضاء في القضايا الشرطية سواء تعلقت بالماضي أو بالمستقبل‪:‬‬ ‫كأن تقول في شرطية متعلقة بالماضي لو كان حكام العرب يخافون الله لما كانوا لصوصا‬ ‫وقطاع طرق‪.‬‬ ‫وكأن تقول في شرطية متعلقة بالمستقبل لو يصبح حكام العرب عادلين وصادقين لزال‬ ‫الظلم في التبادل والخداع في التواصل‪.‬‬ ‫فالشرطية المتعلقة بالماضي هي التي تفترض عكس علة ما حصل في الماضي لنستنتج منه‬ ‫مشروط عكسه فيه‪ .‬والشرطية المتعلقة بالمستقبل هي التي تضع عكس ما يحكم الأفعال‬ ‫لتستنتج منه ما تتوقع حصوله‪ .‬والحالة الأولى محسومة لأن الماضي لا يعود‪ .‬والثانية‬ ‫محسومةكذلك بوجود انتظار الحصول‪.‬‬ ‫لذلك فقول الرسول شرطي بالمعنيين ولا يمكن أن يلغي الشروط التي المنطقية التي بينتها‬ ‫والشروط اللسانية كذلك لأن الكلام على الغيب بقيسه على الشاهد يقتضي أن تكون‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬

‫––‬ ‫المعاني السرمدية من الغيب فتكون في منزلة المعنى الثاني أو معنى المعنى وأن يكون‬ ‫الكلام عليها في التنز يل التاريخي من الشهادة فتكون في منزلة المعنى الأول‪ :‬أي إنها من‬ ‫جنس التمثيل الرسمي أو التنغيمي‪.‬‬ ‫وهذا ليس صريحا في نص الأحكام فحسب بل هو مقتضى نسق الشر يعة ونظامها إذا‬ ‫كانت كما يعرفها القرآن في علاقة بالاستعمار في الأرض امتحانا لأهلية الاستخلاف‬ ‫الإنساني وكانت حكما أوليا يستأنف في الآخرة استئنافا ليس بعده تعقيب لأن القاضي‬ ‫حينها لا تخفى عنه خافية والشهود هي الجوارح فضلا عن الكتاب الذي لا يهمل كبيرة‬ ‫ولا صغيرة في سلوك الإنسان الظاهر والباطن‪.‬‬ ‫ولو صح الفهم السائد الذي لا يطبق هذين المعنيين أي التمييز بين قضاء حاكم الأرض‬ ‫وقضاء حاكم السماء باقتصار الأول على الظاهر وبلوغ الثاني تولي السرائر لكان أول من‬ ‫عصى الرسول هو أعدل الخلفاء الراشدين أعني ثانيهم‪:‬‬ ‫فهل حكم الفاروق بتعطيل تنفيذ الحكم عام المجاعة حقيقة أم كذبة فأباح السرقة بمنع‬ ‫القطع أي هل كانت في تلك الحالة لو وقعت تسمى سرقة؟‬ ‫وهل كان عمر يقدم على تعطيل حكم غير مشروط بما اشترطته لو لم يكن قد فهم قبل‬ ‫غيره ضرورة أخذ شروط تطبيقه التي وصفت بالحسبان؟‬ ‫فهو أدرك استحالة التغافل عن الشرطين وخاصة عدم شرط قيام القيمين على وظائف‬ ‫الدولة في الرعاية والحماية بدورهم‪ .‬ومن ثم فتطبيق النصوص بالمعنى الأول‪ -‬دلالة رسم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬

‫––‬ ‫القول من حيث هو أداة دلالة لسانية على ما يفاد بدلالته مفهوميا أي ما يحدده سياقه‬ ‫في نظام الشر يعةككل أي نظام التساخرين‪:‬‬ ‫نظام شروط العدل التبادلي بالتعاوض‬ ‫ونظام شروط الصدق التواصلي بالتفاهم‬ ‫وذلك هو المعنى الثاني أو معنى المعنى بلغة الجرجاني ‪-‬ولا علاقة لذلك بالزوج \"حقيقة‪-‬‬ ‫مجاز\" للخلط بينهما بين المفهومين الجرجانيين لفهم دلالة الحكم في نظام الشر يعةككل‪.‬‬ ‫وهو في الحقيقة تحيل هدفه التغطية عن قصور القيمين على الدولة في الحماية بل واجرامهم‬ ‫في التربية والحكم بصورة تجعلهم هم كبار اللصوص والمحتربين كما نشهد ذلك في كل‬ ‫دول العالم وخاصة في المحميات التابعة لمافيات العالم التي تمتص داء الشعوب‬ ‫المستضعفة‪.‬‬ ‫و يكفي دليلا قولة عمر الشهيرة في رده على الوالي الذي أجابه بقطع يد السارق‪ .‬رد عليه‬ ‫قطع يده الحاكم هو إذا ثبت تقاعسه في الحماية الداخلية والحماية الخارجية وهما علة ظلم‬ ‫التساخر التبادلي ووجود الجوعى والمجرمين‪.‬‬ ‫ثم إن التطبيق الحرفي لحكم السرقة مثلا لو اعتبرنا المعنى الأول أي المعنى اللساني هو‬ ‫المقصود وليس المعنى الثاني أي المعنى المفهومي يغفل حالة السرقة الناتجة عن المرض‬ ‫النفسي وليس عن إرادة استبدال العمل بال كسل وهو السرقة والحرابة‪.‬‬ ‫فالسرقة من حيث هي مرض نفسي تحتاج إلى العلاج وليس إلى العقاب‪ .‬وما يقال‬ ‫عن السرقة المرضية يقال أكثر منه عن الإجرام المرضي ومنه الحرابة‪ .‬ولما كانت الشر يعة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬

‫––‬ ‫أرحم من مجرد قانون ردع فهي أيضا قانون تربية وعلاج العلل في الدولة في المتهمين‬ ‫حتى تصبح الدولة قادرة على الحمايتين وحتى يعالج من كانت السرقة والحرابة لديهما من‬ ‫الأمراض النفسية‪.‬‬ ‫ونحن سننطلق من هذا الفهم الذي يقدم الدور التربوي للشر يعة على الدور الردعي ‪-‬‬ ‫الذي لا يردع حقا لأن أكبر اللصوص والمحتربين هم من بيدهم السلطان الذي يطبق‬ ‫الردع على المستضعفين ليغطي عن المستكبرين‪-‬لتحديد الأسماء المناسبة لأنواع القوى‬ ‫السياسية‬ ‫التي هي علة العلل في التصدي لهذين الداءين اللذين يصيبان الإنسان عامة والإنسان‬ ‫المكلف بالقوامة لما يصبح هو بدوره لصا ومحاربا كالحال في جل النخب العربية التي‬ ‫جعلت الدولة مطية للإثراء غير الشرعي بظلم التساخر التبادلي وبخداع التساخر التواصلي‪.‬‬ ‫ينبغي تحرير القوى السياسية مما يترتب على أسمائها التقليدية يمين ويسار ليكون اسمها دالا‬ ‫على المعنى الذي يشير إلى معنى المعنى الذي سنسميها به بالإشارة إلى ما يحررها من علتي‬ ‫تحولها إلى عاملي فساد واستبداد ومن ثم مصدر كل شر يعاني من الإنسان والأرض‪.‬‬ ‫تربية القيمين وإصلاح الجهاز المشرف عليها أي القوى السياسية أحزابا كانت أو قبائل‬ ‫هو مصدر الخير بدل الشر‪ :‬وذلك هو معنى الإصلاح في الإسلام‪.‬‬ ‫ول كن قبل ذلك سأنطلق من الاصطلاح القديم لتيسير فهم البديل الاصطلاحي‬ ‫المناسب لوظيفة القوى السياسية التي تشبه مصنع القيمين على الصالح العام في الجماعة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬

‫––‬ ‫التي تجعل وظائف الدولة قوامة شروط التساخرين المحققين لعدل التعاوض في التبادل‬ ‫المنتج للثروة شرط الرعاية ولصدق التفاهم في التواصل المنتج للتراث شرط الحماية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬

‫––‬ ‫– الفصل الثامن –‬ ‫الاصطلاح التقليدي لتسمية أنواع القوى السياسية‬ ‫وإذن فإذا أردنا أن نحافظ على نفس الأسماء فبالوسع القول‪:‬‬ ‫إن الرأسمالية هي شرط انتاج الثروة إذا ضمنت عدل التساخر التبادلي‬ ‫وإن الاشتراكية هي شرط انتاج التراث إذا ضمنت صدق التساخر التواصلي‬ ‫فيكون من ثم قد وضع سياسة العدل قانونا للاستعمار في الأرض المحقق للعيش‬ ‫المشترك السلمي بعدل التساخر التبادلي وسياسة الصدق التواصلي قانوا‬ ‫للاستخلاف في الأرض المحقق لشروط العيش المشترك السلمي بعدل التساخر‬ ‫التواصلي‪.‬‬ ‫والدليل أن التقابل بين الأحزاب الرأسمالية أو اليمينة علته غلبة الظلم التبادلي فيها‬ ‫والأحزاب الاشتراكية أو اليسار ية علته غلبة الخداع التواصلي فيها‪ .‬ل كنهما‬ ‫تشتركان فيهما بمعنى أن الغلبة في الأولى هي لمعدن العجل والغلبة في الثانية لخوار‬ ‫العجل‪.‬‬ ‫وهما من يشتركان في العجلية مع خلاف في الوجه الغالب منها‪ :‬ربا الأموال أم‬ ‫ربا الأقوال‪ .‬والخير كل الخير هو الحاجة إلى‪:‬‬ ‫• من يبدع الثروة مع التحرر من ربا الأموال‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬

‫––‬ ‫• ومن يبدع التراث مع التحرر من ربا الأقوال‪.‬‬ ‫فيحصل العدل في التبادل والصدق في التواصل شرطي العيش المشترك السلمي‬ ‫في الجماعة الجزئية في السياسة الداخلية وفي الجماعة الكلية في السياسة الخارجية‪.‬‬ ‫ذانك هما شرطا العيش المشترك السلمي الذي يناسب مبدأي القرآن أي الأخوة‬ ‫البشر ية (النساء ‪ )1‬والمساواة بينهم (الحجرات ‪.)13‬‬ ‫وحينها يكون الإنسان قد تحرر من سلطان العجل‪ .‬فتصبح المنافسة تسابقا في‬ ‫كل الخيرات وفي التحرر من علل كل الشرور‪.‬‬ ‫وليس في هذا الكلام مثالية زائدة عن اللازم لأن عكسها هو عين الواقع الذي‬ ‫يصح فيه وصف الإنسان بما وصفته الملائكة في قصة استخلافه‪ :‬فهي اعتبرته‬ ‫غير جدير بالاستخلاف لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء‪.‬‬ ‫وقد راهن الشيطان في القصة نفسها على فشل الإنسان حتى في الفرصة الثانية‬ ‫التي أعطيت لآدم وحواء بعد تلقيمهما كلمات فتاب عليهما ربهما ‪-‬لم يذكر إلى‬ ‫آدم ل كن الذكر مفيد في عبارة الإخراج بالعداوة بين البشر‪.‬‬ ‫والقصة لم تستثن المرأة من العصيان ل كنه لم يحملها مسؤوليتها بل كان التحميل‬ ‫لآدم‪ .‬لكأن القصة اكتفت للكلام على وسوسة إبليس لهما معها واعتبر العفو‬ ‫على آدم مضمرا العفو على حواء‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬

‫––‬ ‫إذ لا يمكن ألا يحملها المسؤولية وكل خطاب القرآن في التذكير يذكرهما معا ما‬ ‫يعني ان هذا المضمر حاصل فعلا فتكون المسؤولية مشتركة والعفو يشمل الزوجين‬ ‫فالله اعدل العادلين‪.‬‬ ‫ولا بد من هذه الإشارة لأن من الانحرافات التي حصلت في فهم القرآن الزعم‬ ‫بأن المرأة هي علة البلاء كله وكأنها حليفة الشيطان‪ .‬وهو من الإسرائيليات إذ‬ ‫إن منزلة المرأة في تحر يف التوراة بينة‪.‬‬ ‫لذلك وجب التنبيه حتى لا تمر منزلة دورها في الإسلام وتكرار ذكرها في‬ ‫القرآن مع الرجل في كل المسؤوليات الدينية والدنيو ية مر ال كرام فتحول دون‬ ‫فهم هذه المنزلة لكان الله لما \"روى\" رأي القائل إن كيدهن عظيم يقصد أن‬ ‫ذلك حكمه فيها‪.‬‬ ‫لذلك فلا بد من دور الرواية في الخطاب القرآني وهي تعني ما حصل فعلا في‬ ‫القصة ولا تعني ما يقبل به الرب مثل ما ينسبه إلى ذاته‪ .‬وإلا لكان ما قالته‬ ‫الملائكة وما يقوله الشيطان وما يقولهكل من يروي عنهم القرآن رؤاهم في قصه‬ ‫هو ما رؤ ية الرب واحكامه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬

‫––‬ ‫لذلك فكل ما هو رواية في القرآن ليس من رؤ ية الله لما ورد في الرواية بل هو‬ ‫صدق الخطاب في رواية ما حصل قبل الإعلان عن الحكم المتعلق به وهو المعبر‬ ‫عن حكم الله فيه‪.‬‬ ‫وحضور الخير ية في سلوك الإنسان وغيابها يحددهما موقفه في استراتيجية الحكم‪:‬‬ ‫فإذا كان هو الذي يحكم يغلب عليه غريزة الاستفراد بالخير لنفسه وحرمان‬ ‫الأقو ياء للضعفاء‬ ‫وإذا كان هو الذي يعارض يغلب عليه غريزة تعميم الخير ومقاومة حرمان‬ ‫الأقو ياء للضعفاء‪.‬‬ ‫وتلك هي علة الزوجية في الحكم بين القيام بدور الحكم بالفعل والقيام بدور الحكم‬ ‫بالقوة أي بالمعارضة تمثيلا لمن له قوة الحكم الفعلية عن الذي له قوة الحكم غير‬ ‫الفعلية‪ .‬وهي الزوجية في الحكم بين القوي والفاعل شرط التداول عليه‪ .‬فيتبادلان‬ ‫التأثير بسر القوتين‪:‬‬ ‫فمن له قوة الحكم بالفعل يسيطر على انتاج الثروة المادية بالسيطرة على الموجود‪.‬‬ ‫ومن له من قوة الحكم بالقوة ‪-‬المعارض‪-‬يسيطر على انتاج الثروة الرمزية بالسيطرة‬ ‫على المنشود‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪65‬‬

‫––‬ ‫والتفاعل هو في اكتشاف صاحب السيطرة على واقع الموجود والحاجة إلى مثال‬ ‫المنشود فينتج عنهما حزبان كل منهما يضيف إلى منطلقه ما يأخذه من غريمه‪.‬‬ ‫فتصبح أنواع القوى السياسية قبائل كانت أو أحزابا أربعة والخامس يكون‬ ‫وسطا بينها‪.‬‬ ‫وهو ليس وسطا بينها فحسب بل وهو أصلها في آن أي إن كل من لم يتحزب‬ ‫بعد وقابل لأن يتحزب يكون قبل التحزب وسطا بينهما يستفيد من اللعب على‬ ‫الحبلين فيكون حزب الوسط الانتهازي وعندما لا يتحزب يبقى المتحزب بالقوة‬ ‫والمستفيد من كل الأحزاب‪ .‬وبذلك تكون أنواع الأحزاب خمسة هي‪:‬‬ ‫• اليمين الخالص‪ :‬وهو في الغالب المسيطر على الثروة المادية‪.‬‬ ‫• اليسار الخالص‪ :‬وهو في الغالب المسيطر على الثروة القيمية‪.‬‬ ‫• اليمن المتياسر‪ :‬لجلب القاعدة الشعبية والز يادة في مؤيديه‪.‬‬ ‫• اليسار المتيامن‪ :‬لإنتاج الثورة التي تجلب القاعدة الشعبة إليه‬ ‫• الوسط الانتهازي أو المعرض عن التحزب للاستفادة والمناورة‪.‬‬ ‫فمن لا يتحزب متحزب بالقوة لان حريته الاختيار ية هي شرط انتفاعه منها جميعا‬ ‫بحسب الانتهاز السياسي‪ .‬وهؤلاء هم الأغلبية التي يحاول كل حزب الحصول‬ ‫على تأييدها له على الأقل في الانتخابات فيكون خطابه محاولة جلبه إليه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬

‫––‬ ‫فما البديل الاصطلاحي الذي اقترحه و يطابق هذا الاصطلاح القديم بجعل‬ ‫الأسماء دالة على المفهوم القرآني الذي يجعل التحر يف في الأصلين والتحيل في‬ ‫التعديلين والأصل الناتج عن التخلي عن فرض العين الذي يمنع التخلي عنه تخليا‬ ‫يرد إلى الانتهاز ية في حين أن عدم إصلاحه هو أصل الانحرافات الأربعة التي‬ ‫ما كانت لتكون ممكنة من دونه؟‬ ‫هذا البديل هو الذي قدمه ابن خلدون دون أن يغوص إلى تعليلها التعليل‬ ‫المتجاوز لمجرد الدلالة العقدية حتى وإن حاول اثبات كونيته لدم ربطه بالإسلام‬ ‫دون سواه من الأنظمة السياسية عندما صنفها في المقدمة‪ .‬وذلك ما أنوي ختم‬ ‫هذا الفصل ببيانه‪:‬‬ ‫لأثبت علاقته بالنظام السياسي الذي وضعه القرآن أولا‬ ‫وبدور علاقته بالقوامة السياسية على الرعاية والحماية ثانيا‬ ‫فهما اللتان تعودان لدور المجتمع الأهلي‪-‬الأسرة والمدرسة والمعبد والمعمل‬ ‫والجماعة‪ -‬والأفراد في جعل القوامة السياسية ثمرة لاستراتيجية تحقق تربية الجماعة‬ ‫لأجيالها حتى تكون أهلا لحكم نفسها بنفسها وعدم تحول القوى السياسية‬ ‫لأوصياء عليها في شأنها الدنيوي بحلف مع النخب التي تدعي التوسط الروحي‬ ‫بينها وبين ربها في شأنها الأخروي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬

‫––‬ ‫والتسمية المطابقة للمسمى في القوى السياسية هي التي تحدد وظيفتها بهذا المعنى‬ ‫الذي يجعلها شبه \"معمل\" لتكوين القوى السياسية قبائل كانت أو احزابا وهي‬ ‫النخب القيمة على الرعاية والحماية دون أن تجعلهما أداتي تسلط على الجماعة في‬ ‫شأنها الدنيوي بالوصاية وفي شأنها الأخروي بالوساطة‪.‬‬ ‫وانطلاقا من هذه الوظائف يمكن تحديد النظام السياسي واستراتيجيته في التربية‬ ‫والحكم المحافظين على معاني الإنسانية بالمعاملة اللطيفة او في افسادها بالمعاملة‬ ‫العنيفة (ابن خلدون) في القرآن وإلغاء الوساطة بين المؤمن وربه في شانه‬ ‫الأخروي والوصاية بين المؤمن في شانه الدنيوي‪:‬‬ ‫فما كان يسمى يمينا خالصا يصبح التظاهر بالتدين المؤسس للإخلاد إلى الأرض‬ ‫باسم الدين الذي يخفي التسلط بمعدن العجل‪ :‬تحر يف الأديان الذي يخفي دين‬ ‫العجل بربا الأموال‪.‬‬ ‫وما كان يسارا خالصا يصبح التظاهر بالتفلسف المؤسس للإخلاد الأرض باسم‬ ‫الفلسفة التي تخفي التسلط بخوار العجل‪ :‬تحر يف الفلسفات الذي يخفي دين‬ ‫العجل بربا الأقوال‪.‬‬ ‫ويتجلى ذلك عندما يأخذ كل منهما من الثاني ما ينقصه حتى يمرر تحيله فلا‬ ‫يكون صادقا في هذا الأخذ بل هو يستعمله غالبا في خطابه و يقوم بما يضفي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬

‫––‬ ‫ظاهر المصداقية على تبنيه دون أن يكون القصد تحقيق عدل التعاوض في‬ ‫التبادل ولا صدق التعارف ي التواصل‪:‬‬ ‫فالأول يأخذ من خوار الثاني حتى يجذب الجمهور و يوسع قاعدته الانتخابية‪.‬‬ ‫الثاني يأخذ من معدن الأول حتى يجذب الجمهور ويسوع قاعدته الانتخابية‪.‬‬ ‫فيدعيان الديموقراطية التي يغلب عليها الجمع بين الفسادين المادي بربا الأموال‬ ‫وهو كل تحيل بتحر يف توز يع الثروة والروحي بربا الأقوال وهو كل تحيل‬ ‫بتحر يف توز يع التراث‪.‬‬ ‫وهو ما يثبت أن القوى السياسية بهذه الحيل الجامعة بين الفسادين تحول القوامة‬ ‫إلى سلطة على الجماعة في حين أنها في خدمتها‪ .‬ولذلك فهما البنية العميقة لكلا‬ ‫النظامين المتنافسين‪-‬الرأسمالية والاشتراكية‪-‬وعلة تحالفهما ضد الإسلام للحرب‬ ‫عليه وعلى المؤمنين برؤيته لأنه يرفض الحكم المؤسس على معدن العجل وخواره‬ ‫باسم الرب أو باسم الإنسان‪.‬‬ ‫ورمزه الأبين لنا كمسلمين هو نظام الملالي إذ هو يتأسس على نهب الحكام لثروة‬ ‫الشعب بربا الأموال باسم الدين وتخديره باسم سلب الشعب لتراثه بربا الأقوال‪.‬‬ ‫وهو في ذلك قسيم النظام إسرائيل أذ هو يتأسس على نبهم ثروات كل البشر‬ ‫وتراثاتهم باسم الدين والفلسفة بربا الأموال والأقوال‪ .‬فهما هو دين العجل؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬

‫––‬ ‫ولماذا كانت الثيوقراطيا خدعة تخفي دين العجل‬ ‫ولماذا كانت الأنثروبوقراطية خدعة تخفي دين العجل‬ ‫وكيف يحرر الإسلام الإنسانية من دين العجل بكشف الغطاءين أي النظامين‬ ‫الحاكمين باسم الدين الثيوقراطيا الأبيسيوقراطية وباسم الإنسان الانثربوقراطيا‬ ‫الأبيسيوقراطية‪.‬‬ ‫وبذلك تبقى القوى السياسية خمسة‪ .‬ل كنها بصفات لا تنفي الغريزي بل تهذبه‬ ‫حتى يعمل بمقتضى الوعي بشروط الاستثناء من الخسر الذي فهو ما يحصل‬ ‫للإنسان من رد أسفل سافلين‪ .‬فيكون هذا الوعي أصلا لهذه الشروك‪:‬‬ ‫• الإيمان الصادق‬ ‫• العمل الصالح‬ ‫• التواصي بالحق‬ ‫• التواصي بالصبر‬ ‫• الأصل هو الوعي بالخسر وشروط استرداد التقويم الاحسن‪.‬‬ ‫و يترتب عن ذلك التناظر بين مبادئ سورة العصر والبنية المجردة للدولة محددا‬ ‫للقوانين والسنن التي تحكم استراتيجية عمل الدولة بالمنظور الإسلامي وهو عين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬

‫––‬ ‫المنظور الفلسفي حتى في حالة الإلحاد المتطرف‪ .‬وما يميز بنية الدولة المجردة‬ ‫الصالحةكونيا هي التي تنتج العناصر الخمسة‬ ‫أي المرجعية والقوى السياسي ودستور النظام السياسي والقوامة السياسية‬ ‫وشروط المجتمع الأهلي المحقق المنتج للثروة والتراث المحققين للاستعمار في‬ ‫الأرض بقيم الاستخلاف‪ :‬وذلك هو المقصود بالاستراتيجيا السياسية التي هي‬ ‫مضمون التذكير القرآني‪.‬‬ ‫فتكون المرجعية معيارها الإيمان الصادق بما يحقق العيش المشترك السلمي‪ .‬وهي‬ ‫تقتصر على شروط الرعاية أو الاستعمار في الأرض بتساخر التبادل العادل‬ ‫وشروط الحماية أو الاستخلاف في الارض بتساخر التواصل الصادق‪.‬‬ ‫• و يكون صلاح القوى السياسية معياره التواصي بالحق لتحقيق شروط التساخر‬ ‫التواصلي‪ .‬وذلك هو اجتهاد قوامة ما يحقق العيش المشترك السلمي بقوامة الرعاية‬ ‫والحماية‬ ‫• و يكون صلاح المجتمع الأهلي معياره التواصي بالصبر لتحقيق شروط التساخر‬ ‫التبادلي‪ .‬وذلك هو الجهاد لتحقيق شروط الرعاية والحمايةكلفة وقيما‪.‬‬ ‫• والدستور معياره تحديد نظام سياسي لا يفسد معاني الإنسانية بالمعاملة العنيفة‬ ‫بل يصلحها بالمعاملة اللطيفة وهو معنى عقد القوامة حكما ومعارضة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬

‫––‬ ‫واختم باقتراح أسماء بديلة للقوى السياسية طرفاها الأقصيان مستخرجان من‬ ‫تعر يف ابن خلدون لعلمه وإلى نظريته في التربية والحكم من حيث علاقتهما بما‬ ‫ينمي اللطف في معاني الإنسانية و يضعف ما ينمي العنف فيها‪ .‬والمرجع في ذك‬ ‫هو هذه التعر يفات التي تعتمد نفس المخمس بالإشارة إلى التعدد الموحد لكل‬ ‫قوة سياسية لأن كل واحدة منها متعددة يوحدها المبدأ التي تقدمه في الاستعمار‬ ‫في الأرض والاستخلاف فيها‪:‬‬ ‫• فحزب اليمين الخالص أسيمه راعي التموين العمراني‪.‬‬ ‫• وحزب اليسار الخالص أسميه راعي التموين الاجتماعي‬ ‫• وحزب اليمين المتياسر أسميه مستتبع الاجتماعي للعمراني للجميع‬ ‫• وحزب اليسار المتيامن أسميه مستتبع العمراني للاجتماعي للجميع‬ ‫• وحزب الوسط اسميه الانتهاز السياسي الغالب على كل جماعة‪.‬‬ ‫وطبعا فهذا هو الحد الأدنى لعدد الاعزاب في أي جماعة علما وأن كل حزب‬ ‫يعرف بما يغلب عليه ل كنه في الحقيقة يتضمن من لهم ميول بقية الاحزاب وقد‬ ‫تصبح تيارات فيه ل كنه يبقى واحدا ما ظل نظامه يسمح بذلك‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬

‫––‬ ‫ولذلك فنفس الحزب يمكن أن يفتت بمقتضى تياراته مزايدة عليه في اليمينية أو‬ ‫في التياسر او حتى في الوسطية‪ .‬وتلك هلي علة تفتت الاحزاب الخمسة التي لا‬ ‫يخلو منها عمران سواء تعين بالفعل أو بقيت قو ية على هذا التعين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪73‬‬

‫––‬ ‫– الفصل التاسع –‬ ‫في الجمع بين تعدد الدستور ووحدته‬ ‫يشغل الدستور قلب المعادلة التي تحدد خانات الدولة المجردة الخمس أو وظائف القوامة‬ ‫ومجالاتها فيكون تعاقدا إما عرفيا هو نظام العادات الخلقية في التعامل في الجماعة أو بينها‬ ‫وبين غيرها من الجماعات‪ :‬وهي تتألف من اثنتين منها قبله واثنتين منها بعده‪:‬‬ ‫فالأوليان تتقدمان عليه لأنهما شرط إنشائه أو ثمرة الوعي بشروط دورهما في تحقيق‬ ‫العيش المشترك في الجماعة شرطا لحصول التساخرين بالصورة التي تجعله سلميا وقادرا على‬ ‫تحقيق حر ية الإرادة ورجاجة العقل فيها‪.‬‬ ‫والاخيرتان تتأخران عنه لأنه شرط نظامهما أو ثمرة تحقيق أدوات القيام السياسي‬ ‫والقيام الأهلي للجماعة لأن نظام التساخر السياسي للقوامة والتساخر الأهلي لوظائف‬ ‫الجماعة من حيث هي مستعمرة في الأرض ومستخلفة فيها‬ ‫ولما كان كل تساخر سياسيا كان أو مدنيا مضاعفا فإن ما قبل الدستور وما بعده‬ ‫كلاهما حصيلة تفاعل الزوجية فيه فيكون‪:‬‬ ‫ما تقدم عليه مخمس الأساس الأداتي للدولة المجردة‬ ‫وما يتلوه مخمس الغاية من الدولة المجردة‬ ‫وكأنها بالنسبة الى الجماعة في علاقة بكيان الفرد الإنسان لهكيان عضوي هو بدنه وكيان‬ ‫روحي هو وعيه أو عودته على آيات الأنفس فيه وآيات الآفاق في احيازه‪:‬‬ ‫فالمرجعية مؤلفة من زوجين هي حصية تفاعلهما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪74‬‬

‫––‬ ‫والقوى السياسية مؤلفة من زوجين هي حصيلة تفاعلهما‬ ‫والمجتمع السياسي أو القوامة مؤلف من زوجين هو حصلة تفاعلهما‬ ‫والمجتمع الأهلي أو الغاية مؤلف من وزجين هو حصيلة تفاعلهما‪.‬‬ ‫فما الزوجية في الدستور الذي يتوسط بين الأولين والأخيرة‪ :‬إنها زوجية حصول العقد‬ ‫أو الدستور‪ :‬فلا بد فيه من وجود زوجين يتعاقدان هما قوامة الحكم وقوامة المعارضة‬ ‫وفعل الأول في الثاني وفعل الثاني في الأول والشاهد الذي هو يمثل المرجعية من حيث‬ ‫هي الماوراء الذي يضع أخلاق القانون التعاقدي‪.‬‬ ‫وهذا القانون هو الذي يحقق العيش المشترك السلمي وبفضل أخلاق القانون التعقدي‬ ‫في التساخر التبادلي وأخلاق القانون التعاقدي في التساخر التواصلي ضمانا للعدل في‬ ‫الأول والصدق في الثاني‪.‬‬ ‫فتكون الضمانة هي محتوى المعادلة الوجودية أي آيات الأنفس وفي آيات الآفاق‬ ‫وشهادة رب العالمين بأن رؤ يتها الواردة في القرآن تبين أنه حق‪ :‬لذلك فرؤ ية الآيات‬ ‫هي التي تؤسس الدستور‬ ‫من حيث هو التعاقد ال كوني بين البشر سواء كان التعاقد بين الافراد في الجماعة الجزئية‬ ‫أو بين الجماعات في الجماعة ال كونية أي بين البشر ككل وبين الأحياز التي هي شروط‬ ‫القيام العضوي والروحي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪75‬‬

‫––‬ ‫وهكذا نكون قد عرفنا معنى الدستور سواء كان عرفيا أو كتابيا‪ .‬وأهم فعل قام به‬ ‫الرسول بعد حصوله على البيعة ليتولى القوامة السياسيةكان نقل الأمة من الدستور العرفي‬ ‫إلى الدستور الكتابي‬ ‫وفيه نجد الجمع بين التعدد والوحدة في المستو يات الخمسة التي بينا منها الاثنين المتقدمين‬ ‫على الدستور وسنبين الاثنين المتأخرين عنه في المعادلة التي تعرف الدولة المجردة والتي‬ ‫تصبح عينية عندما نملأ الخانات الخمس التي تتألف منها‪ .‬وإذن فالدستور يبدأ‪:‬‬ ‫بتعر يف النظام فيحدد المرجعية التي وصفنا‬ ‫ثم تعر يف القوى السياسية التي وصفنا‬ ‫ثم يعرف نفسه بوصفه عقدا بين متساوين في الحقوق والواجبات‬ ‫ثم يعرف القوامة السياسية وسلطها بمقتضى العقد الذي سأصف‪.‬‬ ‫ثم يعرف غاية العيش المشترك وشروطه سلميته التي سأصف‪.‬‬ ‫فيكون تعر يف الغاية الأهلية التي تكون الأداة السياسية قيمة عليها مشروطة بالمقومين‬ ‫المتقدمين على الدستور وبالتعاقد الوارد فيه ومداره تعر يف علاقة القوامة وسلطها النائبة‬ ‫عن إرادة الجماعة الحرة وعقلها الراجح قوامة لا تعدوا ما هي قيمة عليه‬ ‫ثم نختم بتحديد وظائف الجماعة والفرد فيها لأن من ينجز هذه الوظائف ليست الدولة بل‬ ‫الجماعة الأهلية جماعة وافرادا لئلا تستبد الدولة بالرزقين المادي والروحي لأن الاستبداد‬ ‫بهما يتجلى دائما في‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪76‬‬

‫––‬ ‫الوصاية المادية‪ :‬وحقيقتها هي المقابلة بين المستكبرين باستعباد المستكبرين للمستضعفين‬ ‫من خلال الدولة الحاضنة بالسيطرة على شروط الاستعمار في الأرض أي على انتاج‬ ‫الثروة‪.‬‬ ‫الوساطة الروحية‪ :‬وحقيقتها هي المقابلة بين الخاصة والعامة من خلال الدولة الطاغية‬ ‫بما يبرر الدولة الحاضنة المسيطرة على شروط الاستخلاف فيها أي على انتاج التراث‪.‬‬ ‫فيكون فساد القوامة راجعا دائما إلى حلف بين من يدعون الوساطة الروحية والوصاية‬ ‫المادية سواء كان ذلك باسم الرب أو باسم الإنسان‪ .‬فهما‪:‬‬ ‫مصدر ربا الأقوال المز يف للتواصل بإلغاء صدق التفاهم‬ ‫ومصدر وربا الأموال المز يف للتبادل بإلغاء عدل التعاوض‪.‬‬ ‫ولا فرق بين حدوث ذلك باسم الرب أو باسم الإنسان‪ .‬فهما عين ما يغطي عن دين‬ ‫العجل ونظامه السياسي الذي يحكمه المال الفاسد البديل من عدل التعاوض في تساخر‬ ‫التبادل والإعلام الفاسد البديل من صدق التفاهم في تساخر التواصل‪.‬‬ ‫وهذه التغطية تخفي ما يحدث في أساس التساخر السياسي فيفسد قوامة الرعاية وقوامة‬ ‫الحماية بالتربية والحكم العنيفين فتحولا دون صلاح الأمة لأن الحصيلة هي الغاء الإرادة‬ ‫الحرة والعقل الراجح فيها فترد أسفل سافلين بدل التقويم الاحسن وذلك هو الخسر‪.‬‬ ‫وهو ما يرى فيه ابن خلدون علة فساد معاني الإنسانية‪ .‬ومن ثم فهو يعتبر صلاح معاني‬ ‫الإنسانية مقتضيا تعر يفه بحر ية الإرادة ورجاحة العقل إذا ربي وحكم باللطف لأنه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪77‬‬

‫––‬ ‫\"رئيس بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" فتكون أخلاقه اخلاق الأحرار لا‬ ‫أخلاق العبيد‬ ‫(ابن خلدون‪ :‬الفصل السادس والفصل العشرون من باب المقدمة الثاني ثم الفصل‬ ‫أربعون من باب المقدمة السادس وهو يجمع مضمون الفصلين الأولين في التناظر بين‬ ‫ثمرة التربية العنيفة والحكم العنيف لأن الأولى تفسد الوازع الذاتي أي تخرب الضمائر‬ ‫والثانية تفسد الوازع الأجنبي أي تخرب القوانين)‪.‬‬ ‫وختاما فإن خانات الدولة المجردة الخمسة ليست تاريخية بل هي سرمدية وهي مناظرة‬ ‫ما ليترتب على كون الإنسان مستعمرا في الأرض من حيث شروط قيام وجوده‬ ‫العضوي ومستخلفا فيها من حيث شروط قيام وجوده الروحي‪.‬‬ ‫وهي لا تصبح تاريخية إلا بتعينها فتتحدد مضامينها العينية التي تكون مرجعية وقوى‬ ‫سياسية وعقد سياسي اجتماعي وسلطة قوامة حاكمة ومعارضة لقوامة وظائف الجماعة‬ ‫التي تحقق شروط الاستعمار في الأرض وشروط الاستخلاف الفعلية‬ ‫فتكون سيدة نفسها بقدر ما تكون منتجة لشروط الرعاية التكوينية والتموينية وشروط‬ ‫الحماية الداخلية والحماية الخارجية‪ .‬وليس للقيمين على الخانات إلا دور القوامة التي تنوب‬ ‫الجماعة تساخر يا في تقسيم العمل السياسي‪:‬‬ ‫الجماعة اختيار القيمين ومراقبتهم في تمثل إرادتها الحرة وعقلها الراجح‪.‬‬ ‫والقيمون المنتخبون لهم تفو يض يحدده الدستور ويتعين في القوانين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪78‬‬

‫––‬ ‫ولست بحاجة للكلام في وظائف الرعاية التكوينية والتموينية وفي وظائف الحماية‬ ‫الداخلية والحماية الخارجية فقد سبق ذكرها‪.‬‬ ‫ل كن ما لا بد منه في ختام مضمون الدستور التذكير بما حرص عليه ابن خلدون‬ ‫بخصوص هذين الوجهين‪ :‬ينبغي الحرص على منع تركهما للقيمين الذين لا ينبغي أن‬ ‫يتجاوز دورهما حماية الدستور والقوانين ومنعهم من مد اليد للرعاية بوظائفها الخمس‬ ‫وللحماية بوظائفها الخمس‪.‬‬ ‫فهذه كلها من صنع الجماعة وتحت حمايتها التي تحول دون تحول سيطرة القيمين عليها‬ ‫لأن ذلك هو معنى الاستبداد وشرط فساد معاني الإنسانية الناتج عن استبداد القيمين‬ ‫بالرعاية والحماية فيصبحون سيدين على الرزقين المادي والروحي فتفقد الجماعة اخلاق‬ ‫الأحرار وتتخلق بأخلاق العبيد فترد أسفل سافلين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪79‬‬

‫––‬ ‫– الفصل العاشر –‬ ‫الانتقال من الدستور إلى ما يليه ينبغي أن يعكس المجيء إليه مما قبله أي من‬ ‫المرجعية أولا والمجتمع السياسي ثانيا‪ .‬وذلك للتناظر بين ما قبله وما بعده أي‬ ‫بين المرجعية والمجتمع السياسي والحكم ببعديه والمجتمع الأهلي‪:‬‬ ‫فالتناظر الأول‪:‬‬ ‫هو بين المجتمع السياسي من حيث هو معبر عن إرادة الجماعة حربا أو سلما‪-‬‬ ‫وهما نوعا العيش المشترك إلى المجتمع السياسي من حيث هو قد حاز هذا التمثيل‬ ‫حربا او سلما‪ -‬ليحقق نوع العيش المشترك السلمي أو الحربي‪.‬‬ ‫وهو مما يعني أن بنية اركان الدولة المجردة واحدة من حيث الشكل ل كنها مختلفة‬ ‫من حيث المضمون الذي يتغير عندما يصل الإنسان إلى إدراك معنى الاستعمار‬ ‫في الأرض بقيم الاستخلاف فيكون سلميا أو من دونها فيكون حربيا‪ .‬سواء‬ ‫كان ذلك في نفس الجماعة أو بين الجماعات البشر يةكلها‪.‬‬ ‫والتناظر الثاني‪:‬‬ ‫هو بين المرجعية التي تقر الجمع بين أنواع التعدد الخمسة ووحدته وأهم هذه‬ ‫الأنواع نوع التعدد الديني فتعتبرها الجماعة غير حائلة دون العيش المشترك السلمي‬ ‫إذا جمعت بين الاستعمار في الأرض وقيم الاستخلاف ومؤدية إلى استحالته‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪80‬‬

‫––‬ ‫من دونها لأن دورها يمكن من جعل التساخرين اللذين هما معنى العيش المشترك‬ ‫السلمي إذا تحقق عدل التعاوض التبادلي في التساخر وصدق التعارف في التساخر‬ ‫التواصلي‪ .‬وبدونهما يكون العيش المشترك حربيا‪.‬‬ ‫وهذان القانونان كونيان‪ .‬وهما لم يتحققا في الرؤ ية الواعية بهما قبل الإسلام لأن‬ ‫ذلك هو مضمون الاستراتيجية القرآنية في توحيد الإنسانية وتآخيها‪ .‬فكان‬ ‫الإسلام بذلك الدين الأول المعبر عن شروط العيش المشترك السلمي في الجماعة‬ ‫وبين الجماعات على الأقل مبدئيا‪ .‬والفكر الفلسفي الحديث ‪-‬على الأقل قبل‬ ‫النكوص الهيجلي الماركسي‪ -‬حقق مثل هذه الرؤ ية على الأقل مبدئيا إذا فهمنا‬ ‫أن نظام الشورى ونظام الديموقراطية يختلفان في واجب امرهما عنهما في واقعه‪.‬‬ ‫إن الفرق بين السياستين التي تحفظ كرامة الإنسان وحريته فلا تفسد فيه معاني‬ ‫الإنسانية والتي تهين كرامة الإنسان وتلغي حريته فتفسد معاني الإنسانية (ابن‬ ‫خلدون) ‪ -‬فضلا عن كون المثال يستحيل تحققه التام في المثيل‬ ‫هو أن ميل الإنسان إلى الاستكبار وحب التأله فيغلب العنف على اللطف في‬ ‫العلاقات بين البشر‪ .‬ولا يلطف هذا العنف إلا في السياسة ببعديها أي التربية‬ ‫والحكم اللذين يحدان من هذا الميل‪ :‬وذلك هو دور القوامة لا يعدوها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪81‬‬

‫––‬ ‫ولذلك فالشورى والديموقراطية يمكن من دون تربية وحكم على منع فساد معاني‬ ‫الإنسانية (ابن خلدون) أن تفسدا القوامة وصاية مادية ووساطة روحية بسبب‬ ‫ما تستعملانه من استراتيجية التغطية على دين العجل فتصبحا حائلتين دون التحرر‬ ‫من الاستبداد إذ تزينانه بخدماتهما وتحولهما إلى غطاء عن عنف الأقو ياء ضد‬ ‫الضعفاء‪.‬‬ ‫فيكون سلام الحياة الجماعية وإن بدا سلميا فهو يكون مغشوشا لاعتماده على‬ ‫تغطية عيوبها بأداتي دين العجل أي بربا الأموال وربا الأقوال اللذين يجعلان‬ ‫العنف معللا دينيا وفلسفيا وكأنه أمر طبيعي صار موظفو الدين يستعملون‬ ‫ويسمونه تدافعا طبيعيا وصار موظفو الفلسفة يسمونه صراعا جدليا طبيعيا‪.‬‬ ‫لذلك فالشورى والديموقراطيةكلتاهما لم تتمكن من الاعتراف بالتعدد وبضرورة‬ ‫توحيده بتحييد ما فيه من شر وتفعيل ما فيه من خير فيكون التساخر العادل في‬ ‫التبادل والتساخر الفاهم في التواصل هما الحل الذي يجعل العيش المشترك‬ ‫السلمي ممكنا من دون نفي الفروق بين البشر سواء تعلقت بالقوة العضو ية أو‬ ‫بالقوة العقلية‪ .‬وبذلك تسقط حجة تعليل التساخر الظالم والتساخر الناكر بالطبيعة‬ ‫لرده إلى القوة العقلية أو البدنية لتعليل العبودية (أرسطو)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪82‬‬

‫––‬ ‫وما يسمى الانفاق من الرزق في القرآن هو لعلاج هذين العلتين‪ :‬أي مساعدة‬ ‫كل العاجزين إما لعلة بدنية أو عقلية أو لظرف اجتماعي مثل المسكنة الناتجة‬ ‫عن البطالة مثلا أو اليتم أو السفر أو الدي ْن حتى لا يكون ذلك علة للحظ من‬ ‫منزلتهم في الجماعة‪.‬‬ ‫واقترن ذلك بالزكاة الملازمة للصلاة لأن هذه دعاء وحوار مع الرب وعرفان‬ ‫بفضله وتلك تطبيق لهذا العرفان بنسبة الرزق إلى الرب حتى لا تعتبر المساعدة‬ ‫تفضلا لأن الرزق مصدره الرب وليس الإنسان سواء كان ماديا أو روحيا‪.‬‬ ‫التعدد الأول‪:‬‬ ‫مصدره زوجية الحاجات التي ينبغي سدها وهي حاجات البدن وحاجات‬ ‫الروح‪ .‬والأولى هي موضوع الاستعمار في الأرض والثانية هي موضوع‬ ‫الاستخلاف فيها‪ .‬ولما كانت زوجية البدن والروحي هي التناغم بينهما فإن‬ ‫الفصل بينهما هو علة العلل في أمراض أفراد الجماعة التي تفصل الأول عن الثاني‬ ‫أو تفصل الثاني عن الأول‪.‬‬ ‫فالتفاعل بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها مناظر للتفاعل بين البدن‬ ‫والروح في الأفراد والتفاعل بين الآفاق والأنفس في الجماعات فتكون العلاقة‬ ‫بين التساخرين التبادلي والتواصلي لا يصبحان سو يين إلا بفضل المعادلة الوجودية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪83‬‬

‫––‬ ‫التي تصل آيات الآفاق وآيات الأنفس بالخالق والآمر وذلك هو هو مضمون‬ ‫الرسالة الإسلامية ودليل حقيقة القرآن‪.‬‬ ‫وتلك هي علة تأسيس النظام السياسي فيه على الاستجابة للرب وغايته هي‬ ‫الانفاق من الرزق وبين البداية والغاية تحديد طبيعته بكونه أمر الجماعة تحديد‬ ‫أسلوبه في الحكم الشورى بين الجماعة‪ .‬فيكون النظام جمهور يا شور يا مبدؤه هو‬ ‫رؤ ية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس (الشورى الآية الثامنة والثلاثون)‪.‬‬ ‫التعدد الثاني‪:‬‬ ‫مصدره زوجية قوامة الرعاية‪ :‬وهي زوجية مضاعفة أي رعاية التكوين (وهي‬ ‫تربية مدرسية تربية معملية) رعاية التموين (انتاج سد الحاجات المادية وانتاج‬ ‫سد الحاجات الروحية) واصلها اربعتها البحث والاعلام العلميان لأن انتاج سد‬ ‫الحاجات المادية هو الاقتصاد وإنتاج الحاجات الروحية هو العلم والأخلاق‬ ‫والأول أصل سد كل الحاجات المادية والثانية أصل سد كل الحاجات‬ ‫الروحية)‪.‬‬ ‫التعدد الثالث‪:‬‬ ‫مصدره زوجية قوامة الحماية‪ :‬وهي زوجية مضاعفة الحماية الداخلية (وهي القضاء‬ ‫والأمن) الحماية الخارجية (وهي الدبلوماسية والدفاع) وأصلها اربعتها الاستعلام‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪84‬‬

‫––‬ ‫والاعلام السياسيان‪ .‬فتحقيق الأمن الداخلي شرطه عدل التبادل وصدق‬ ‫التواصل في الداخل وتلك هي مهمة القضاء والأمن‪ .‬وتحقيقهما الأمن في الخارج‬ ‫هي مهمة الدبلوماسية والدفاع‪.‬‬ ‫وأداة انتاج الثروة هي العلم وتطبيقاته وأداة انتاج التراث هي العمل وتطبيقاته‪.‬‬ ‫وعدل التعاوض في التساخر التبادلي في الداخل والخارج هو أصل سد كل‬ ‫الحاجات المادية وصدق التعارف في التساخر التواصلي في الداخل والخارج هو‬ ‫أصل سد كل الحاجات الروحية‪.‬‬ ‫التعدد الرابع‪:‬‬ ‫مصدره زوجية قوامة توز يع العمل بحسب قدرة البشر‪ .‬ولما كانت قدرة البشر‬ ‫هي بدورها زوجية لأنها تتعلق إما بالقدرة المادية في العمل أو بالقدرة الروحية‬ ‫في النظر وكان النظر أداة في العمل والعمل غاية في النظر بات من الواجب أن‬ ‫يقسم العمل بهذين المعيارين منفصلين ثم مجتمعين بغلبة الأول أو بغلبة الثاني‬ ‫والاصل هو تحقيق العدل بالاستفادة من قدرات البشر الأربعة أي النظر‬ ‫والعمل والنظر العامل والعمل الناظر والمدرسة هي التي تمكن تصنيف الخريجين‬ ‫لتقيق التساخرات كلها‪.‬‬ ‫التعدد الخامس‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪85‬‬

‫––‬ ‫مصدره تساخر القوامة أي القوى السياسية التي تكون من يملأ خانات الدولة‬ ‫المجردة للسهر على عدل التعاوض في تساخر التبادل وصدق التفاهم في تساخر‬ ‫التواصل‪ .‬وهذا هو معنى كل كم راع وكل كم مسؤول عن رعيته‪ .‬ومعنى ذلك أن‬ ‫قوامة التساخر هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض عين على‬ ‫كل منتسب إلى الجماعة‪ .‬وهو من شروط الإيمان بل ولا يمكن من دونه‬ ‫الانتساب إلى الأمة الخيرة (آل عمران‪ :‬الآيات من ‪ 104‬إلى ‪.)110‬‬ ‫تلك هي شروط إدارة الحكم الذي يملأ خانات الدولة المجردة بالقيمين عليها سواء‬ ‫كان القيمون من جنس من يشغل الدور بالعنف لأنه متغلب أو يشغله باللطف‬ ‫لأنه منتخب من الشعب ليمثل إرادة الجماعة بمقتضى التساخر السياسي الذي‬ ‫يقتضي تعدد الوظائف التي لا يمكن ان يقوم بها الجميع مباشرة ووحدته التي‬ ‫تمثلها الدولة المعبرة عن إرادة الجماعة‬ ‫أصل شرعة القوامة تعيينا وعزلا بحسب نظام يحدد شروط القوامة و يضمنها‬ ‫في الدستور عقدا بين الجماعة والدولة في شخص القيمين عليها الشرعيين‪ .‬وهذا هو‬ ‫موضوع البحث في العنصر الأخير لهرم السلطة في الجماعة‪:‬‬ ‫المرجعية الزوجية (الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف) بمخمس قيمها‬ ‫والمجتمع السياسي الزوجي (رب العمل والعامل) بمخمس قواه والدستور الزوجي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪86‬‬

‫––‬ ‫(عقد بين المواطنين وبينهم وبين القيمين عليه) بمخمس عقده والحكم بزوجيه‬ ‫(بالفعل وبالقوة) ومخمس وظائفه والمجتمع الأهلي بزوجيه (المنتج لشروطها‬ ‫وصاحب السيادة)‪.‬‬ ‫فالدستور هو العقد الذي يمثل أعلى تعبير عن سلطة مستمدة من إرادة الجماعة‬ ‫سواء كانت بالتغلب في مرحلة أولى مرجعيتها القوة المادية أو بالشرعية المستمدة‬ ‫من مرجعية القوة الخلقية التي تحقق معاني الإنسانية أي حر ية الإرادة ورجاحة‬ ‫العقل في الفرد والمجتمع الاهلي وهو التناظر الأصلي في الجماعة والذي يتعين فعليا‬ ‫في التناظر اللصيق بالدستور أصلا لتمثيل الإرادة وللقوامة‪.‬‬ ‫ذلك هو هرم الدولة المجردة التي تصبح دولة فعلية متعينة في كل جماعة إنسانية‪.‬‬ ‫فكيف يدار الحكم وهو موضوع هذا الفصل وقد اخترت التمثيل لذلك بتونس‬ ‫وبقية الفصل مأخوذة من مقال سابق خصصته للوضعية في تونس ومحاولة وضع‬ ‫خطة للحد من تغول الدولة‬ ‫التي تحولت إلى دولة حاضنة السلطان فيها للمافية السياسية والمدنية اللتين تقاسمتا‬ ‫التسلط وغاب معنى إرادة الجماعة فصارت الدولة عالة عليها وأصبح المواطن‬ ‫عبدا للمسيطرين على الرزقين المادي والروحي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪87‬‬

‫‪–-‬‬ ‫‪-‬الفصل الحادي عشر –‬ ‫إدارة الحكم ببعديه‪ :‬الذي بالفعل والذي بالقوة‬ ‫حددت زوجية الحكم ‪-‬الحكم بالفعل والحكم بالقوة أو المعارضة‪-‬وكيف يحصل‬ ‫بين القوى السياسية الخمس أقصى اليمين وأقصى اليسار واليمين المتياسر واليسار‬ ‫المتيامن والوسط الذي يمثل الانتهاز ية ليس وسطا بين هذه الأحزاب‬ ‫بل هو المعبر عن تراخي الجماعة في القيام بدورها والاكتفاء بتدبير الرأس‬ ‫للعيش دون القيام بفرض العين الذي يتثمل في المشاركة في الامر بالمعروف‬ ‫والنهي عن المنكر الذي هو عين مسؤولية الجماعة في اختيار القيمين بالنيابة عنها‬ ‫تعيينا منهم ومراقبة لهم وعزلا عند عدم القيام بواجبات القيمين‪.‬‬ ‫فدور المشاركة في هذه الوظائف فرض عين يسمى في العمل السياسي‬ ‫الانتخابات وفي الإسلام مبايعة وعدم القيام بفرض الامر بالمعروف والنهي عن‬ ‫المنكر يعني الاستفادة من التساخر السياسي دون المشاركة فيه بحيث تصبح حكرا‬ ‫على القوى السياسة الخمسة التي تنتأ في الجماعة للقيام بدور القوامة نيابة عنها‬ ‫بإرادتها أو من دونها‪.‬‬ ‫وذلك هو الفرق بين دور المجتمع الأهلي ككل إذا كان من الاحرار وبدون‬ ‫إرادتها إذا كانت من العبيد‪ .‬والمعلوم أن المجتمع الأهلي غير المجتمع المدني بالمعنى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪88‬‬

‫‪–-‬‬ ‫الحديث لأن هذا الفهم هو النسخة المنحطة من ا لمجتمع السياسي لما يتردى إلى‬ ‫صراع المصلحة والمنزلة الفئو ية‬ ‫التي تنفي خدمة الجماعةككل بخلاف المجتمع الأهلي الذي يتألف من الأسرة‬ ‫والمدرسة والمعبد والمعمل والجماعة عامة باعتباره منتظمة بالضرورة في الأربع‬ ‫الأولى وفي الكل الذي هو أصلها‪.‬‬ ‫وهذه العلاقة لا تخلو منها جماعة لأنها عين الجماعة من حيث هي محكومة‬ ‫وحاكمة بممثليها الذين يمثلون قواها السياسية الفاعلة والتي هي المجتمع السياسي‬ ‫القيم بالنيابة عن المجتمع الأهلي باعتباره يمثلها دون تنويب لأنها تنقسم إليه‬ ‫طبيعيا لأنه شروط قيامها العضوي والروحي‬ ‫وهي صاحبة السيادة الفعلية إما برضاها الصريح بمن يمثلها في القوى السياسية‬ ‫أو الضمني بقبولها بها عنيفةكانت لأنها وصلت بالتغلب أو لطيفة لأنها وصلت‬ ‫بالانتخاب الحر‪.‬‬ ‫وبين الحدين علاقة هي التي تجعل الانتقال من التغلب إلى الاختيار علامة‬ ‫على اكتشاف الأقل كلفة على الوجود الجمعي والأكثر جدوى في تحقيق شروط‬ ‫الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها لأنه شرط الانتقال من الحرب الأهلية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪89‬‬

‫‪–-‬‬ ‫الدائمة والمترددة بين البرودة والحرارة إلى السلم الأهلية التي هي علة الحاجة‬ ‫للجماعة‪.‬‬ ‫وسأبدأ بالكلام على علة فساد القوامة فسادها الذي يجعلها عنيفة فتملأ خانات‬ ‫الدولة المجردة ليس لخدمة الجماعة بل لاستخدامها فتكون الدولة حينها منظومة‬ ‫مافياو ية‪ .‬فلا تؤدي وظائفها في قوامة الرعاية والحماية بل تصبح عبئا على المجتمع‬ ‫الأهلي‬ ‫لأن المجتمع السياسي ينقسم إلى خادم لنقابة أرباب العمل ونقابة العمال أي‬ ‫الزوجية البدائية والتي هي دائما حلف ضمني بين مافيتين تعملان بمنطق اللصوصية‬ ‫والحرابة لامتصاص دم الجماعة الجزئية المعينة في الداخل وخدمة المافيات التي‬ ‫تمتص دم المستضعفين من الجماعة الكلية في العالم للتلازم الدائم بين وجهي‬ ‫الدولة المجردة حتى بعد تعينها‪ :‬فهي نظام كل جماعة عاكس لنظام جماعات‬ ‫البشر يةكلها‪.‬‬ ‫فالعولمة ليست ظاهرة حدثت في اللحظة الراهنة من تاريخ البشر ية بل هي‬ ‫ملازمة لاتصال المكان والزمان‪ :‬فكل جماعة مجاورة لجماعات ووارثة لجماعات‬ ‫ومن ثم فلا توجد قطعة من الجغرافيا بمعزل مطلق عما عداها ولا لحظة من‬ ‫التاريخ بمعزل مطلق عما عداها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪90‬‬

‫‪–-‬‬ ‫وإذن فما يحكم تقسيم المكان والزمان من حيث هما حيزان طبيعيان هو ما يحكم‬ ‫التنافس على الثروة والتراث انتاجا وتوز يعا بين البشر في كل عصر حربا وسلما‪.‬‬ ‫ولا بد من فهم منطق ملء الخانات التي تتألف منها الدولة المجردة باعتبارها‬ ‫البنية ال كونية لسياسة الجماعات لنفسها في علاج مشكلتي الاستعمار في الأرض‬ ‫بقيم الاستخلاف أو بدونها‪.‬‬ ‫ولا توجد جماعة لا تنتأ عليها الخانات الخمس وكيفية تعينها فيها‪ .‬فلا بد من‬ ‫المرجعية والمجتمع السياسي والدستور والقوامة السياسة والمجتمع الأهلي‪ .‬ومشكلنا‬ ‫الآن هو كيف تكون القوامة الأولى هي ما يسميه ابن خلدون بالعصبية المفضية‬ ‫للهرج والعنف (المثال هو جاهلية قبل الإسلام)‬ ‫ثم تتطور لتصبح العصبية المفضية للنظام (المثال هو انتقال العرب إلى دولة‬ ‫الإسلام) والانتقال من العيش المشترك الحربي بقوامة شرعية الاضطرار‬ ‫والعبودية إلى العيش المشترك السلمي بقوامة شرعية الاختيار والحر ية‪.‬‬ ‫مافيتان تمثلان المجتمع السياسي والمجتمع النقابي جعل الدولة تكيةكلفتها على‬ ‫الجماعة تحول دون أدائها لدورها الذي من المفروض أن يحول دون تحولها إلى‬ ‫دولة حاضنة تستبد بإنتاج الثروة والتراث‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪91‬‬

‫‪–-‬‬ ‫فتملك شروط الاستعمار في الأرض ونوع الاستخلاف الذي لا يكون إنسانا‬ ‫حر الإرادة وراجح العقل صالح معاني الإنسانية بل هي تفسدها فيفقد حقيقته‬ ‫إذ لا يبقى \"رئيسا بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" ولا يبقى له شيء‬ ‫من اخلاق الأحرار فتصبح أخلاقه اخلاق العبيد تابعا في الرعاية وفي الحماية‪.‬‬ ‫إدارة الحكم ببعديه الحاكم بالفعل والحاكم بالقوة (المعارضة)‪ :‬الفصل السادس‬ ‫في تعدد الحكم (زوج الحكم والمعارضة)‪.‬‬ ‫وظيفة القوامة الحاكمة بالفعل أو الحكومة الفعلية‪ :‬تنفيذ البرنامج الذي نالت به‬ ‫الأغلبية بوضع القوانين الجديدة وتغيير القوانين الموجودة وتنفيذها تشر يعا وتنفيذا‬ ‫يحترمان أحكام العقد‪.‬‬ ‫وظيفة القوامة الحاكمة بالقوة أو حكومة الظل‪ :‬تنقد برنامج الأغلبية ليس من‬ ‫حيث شرعيته لأن شرعيتها متضايفة مع شرعيتها‪ .‬ومن ثم فدورها هو نقد‬ ‫القوانين الجديدة وتغيير القوانين الموجودة في عمل الحكومة الفعلية بالاحتكام‬ ‫إلى الدستور أو إلى معيار عدم جدوى الحلول وعدم الوفاء لبرنامج الحكومة ببيان‬ ‫أنهكان مجرد وعود انتخابيةكاذبة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪92‬‬

‫‪–-‬‬ ‫تحديد أصناف قوامة المجتمع السياسي بحسب أصناف وظائف الجماعة في رعاية‬ ‫نفسها وحمايتها‪ .‬فلنحدد سلط قوامة المجتمع السياسي وتراتبها بحسب دورها في‬ ‫قوامة وظائف الجماعة رعاية لنفسها وحماية‪:‬‬ ‫وسأبدأ بالقيمين على شأن الرعاية‪ :‬فهي أدنى ما تنفق عليه ثروة الجماعة أعني‬ ‫الرعاية التكوينية (التربية ومنها الصحة والعمل ومنها حل مشكل المائدة‬ ‫والسرير) والعناية التموينية (الاقتصاد والثقافة العلمية والقيمية)‬ ‫وأصلها جميعا أي البحث العلمي وتطبيقاته شرط للرعاية بهذه الأبعاد كلها‪.‬‬ ‫واثني بالقيمين على شأن الحماية‪ :‬فهي اقصى ما تبذر فيه ثروة الجماعة دون‬ ‫تحقيق شروط الحماية الفعلية أعني الحماية الداخلية أي القضاء والأمن والحماية‬ ‫الخارجية أي الدبلوماسية والدفاع‪.‬‬ ‫فلو كان العدل في التبادل بالتعاوض المناسب موجودا لقلت الخصومات‬ ‫الداخلية ولكان القيمون على القضاء والأمن أكثر فاعلية وأكفأ وأنظف ومن‬ ‫ثم لكانت كلفتهما أقل رغم الحاجة إلى الترفيع في أجر القضاة وحماة الأمن‬ ‫الداخلي والخارجي‪ :‬فعدل التعاوض يغني عن ال كثير من التنازع بين المشاركين‬ ‫في التساخر التبادلي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪93‬‬

‫‪–-‬‬ ‫لو كان الصدق في التواصل بالتعارف المناسب موجودا لقلت الخصومات‬ ‫فصدق التعارف يغني عن ال كثير من التنازع بين المشاركين في التساخر التواصلي‬ ‫الداخلي والخارجي ولكانت الدبلوماسية والدفاع مثل القضاء والأمن اكثر فاعلية‬ ‫وأكفأ وانظف ومن ثم لكانت كلفتهما أقل رغم الحاجة إلى الترفيع في أجر‬ ‫السفراء وحماة الأمن الخارجي‪.‬‬ ‫مرض أجهزة القوامة‬ ‫هو الدولة الحاضنة المؤدية إلى التضخم والتغول‬ ‫وسأحلل قوامة هذه الوظائف تحليلا يبين أن وما قلته عن الحماية يصح عن‬ ‫الرعاية التكوينية لئلا يقع تضخيم عدد القيمين عليها لتجنب ما حصل في اثقال‬ ‫كاهل الجماعة بهذا التضخيم في مثال تونس‪.‬‬ ‫فالمربون والعاملون يمكن أن يقل عددهم ويرفع أجرهم مقابل الز يادة في‬ ‫الانتاجية والإبداع بتحرير التربية من الحشو ولصار العمل الفعلي بديلا حقيقيا‬ ‫من البطالة المقنعة بالتوظيف المشط بإثقال مادة التكوين وتضخيم الانتداب‬ ‫وإغراق المتعلمين بالمواد الهامشية‪.‬‬ ‫ولن يزيد ذلك في البطالة بل هو سيكون فرصة للز يادة في العمل المنتج لأن‬ ‫كل ز يادة في العمالة غير المنتجة يعني التقليل في إنتاج الثروة‪ .‬والمثال عندنا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪94‬‬

‫‪–-‬‬ ‫مثال شركة الطيران التي تستخدم أربعة اضعاف ما تحتاج إليه ‪-‬ويمكن أن نقيس‬ ‫عليه جل الوظائف التي جعلت الدولة تتحول إلى \"تكية\"‬ ‫فتفلس كل القطاعات التي تتبعها و يصبح الشعب يدفع اجول المتحيلين‬ ‫بدعوى العمل الذي هو بطالة مقنعة‪ .‬فتفلس لأنها في الحقيقة تغطي على سرقة‬ ‫موصوفة لثروة البلاد يحصل عليها مافية النقابات وقيمو الإدارة الرسمية تقاسما‬ ‫بينهما لمال الشعب بدل استعماله في تمو يل الاستثمار في انتاج الثروة‪.‬‬ ‫وما قلته عن قيمي الرعاية التكوينية يمكن قول مثله عن قيمي الرعاية التموينية‪.‬‬ ‫ولأكتف بمثال أهم مجال استراتيجي من شروط السيادة‪ .‬فإهمال الزراعة وعدم‬ ‫تنفيل مردود العمل فيها عما علة مافيات التوريد وافقار المزارعين مع المزيد من‬ ‫الحاجة إلى عملة اجنبية تدفع لمن نستمد منها ما يجعل أمننا الغذائي بيده‬ ‫فيطلب التعو يض بالسياحة التي هي في الحقيقة حط من العملة الوطنية التي‬ ‫تباع بأبخس الاثمان للسواح الذي تصرف عليهم الدولة ما لو حسبناه بقيمة‬ ‫تبادل العملة لكان قيمة الدينار التونسي قد انحطت بحسبان الخدمات التي توفر‬ ‫للسائح دون عشر عشر الدولار‪..‬‬ ‫ويمكن ‪-‬قبل الكلام على كلفة \"الدولة\" من حيث هي جهاز القوامة الذي لا‬ ‫ينبغي ان يكون حاضنا ولا خاصة وصيا على الجماعة بل هو من موظف لديها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪95‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook