من الأحيان تت�سم بو�شائج حنان و أ�وا�صر محبة عميقة � .صحيح �أن �أبي لم يقل لي �أو ألي أ�حد من إ�خوتي كلمة (يا حبيبي) أ�و �صرح ألحدنا بحبه في يوم من الأيام � ،أو تحت �أي ظرف عاطفي ،بل كان عاقد الحاجبين دائ ًما تت�صدر جبهته علامة ( )111ال�شهيرة التي أ� ْورثها معظمنا .ف�صارت إ�حدى �سمات وجوهنا � .إلا أ�ن الحب ا ألبوي العميق الذي كان يك ُّنه لنا فر ًدا فر ًدا ولي على وجه خا�ص ،باعتبار علاقتي به �أقدم و�أبعد امتدا ًدا في التاريخ �أنا و( آ�مال) طب ًعا .إ�ذ ظللنا هي و أ�نا نحظى بها لفترة طويلة في الحقبة التاريخية التي �شهدت فقدان (�صفاء و�سامي) الم أ��ساويين ،حتى ولد (عادل) والذي �سماه (محمد عادل) من �أول مرة لتعوي�ض ف�شله في �إلحاق ا�سم (محمد) با�سمي -وكان (عادل) قد ولد عقب إ��صدار الوفد قانون ا إلن�صاف في ( )44الذي ارتفع به مرتب مدر�سي الألزامي ارتفا ًعا ملحو ًظا كمكاف�أة وفدية ر ًّدا لجميلهم بوقوفهم المبدئي مع الوفد في الانتخابات ال�سابقة � ..صحيح أ�ن الوفد جاء للحكم بعد تلك المرة على أ��س َّنة رماح الدبابات وا إلنذار الإنجليزي الذي فر�ضه الموقف العالمي من النازية ،ورغم أ�ن �أبي كان قد التحق غي ًظا بـ(الأخوان الم�سلمين) ب�سبب ذلك ،ولكن ال�صفاء عاد مرة �أخرى لعلاقات (الإلز) بالوفد الذي يقدر على الدوام دورهم الانتخابي ومنهم أ�بي .الذي عاد �إلى �صفوف الوفد تار ًكا ا إلخوان ت أ�كي ًدا لولائة الم�ستمر وتحية لقانون ا إلن�صاف الذي كان بمثابة مطر منقذ بعد جفاف الحرب القاتل .. كانت ب�سمة الحنان الممزوج بالفخر تب�سط عقدة وجه �أبي ،وتم أله بال�سماحة عندما لا تخذله عبقريتي في �إجابة ا أل�سئلة �أو حل ا أللغاز التي كانت �أحيا ًنا مادة تخفف من حدة الجدل الجاد �أمام دكان (محمود �شطا) 151
يبتكر ويتحايل أ��صدقائي الأحباء لإخفائي فيلتفون حولي �أو يدهنونني بالطين لذا لم يلاحظني �سوى مرات معدودة ،كان فيها ح�ضوره مفاج ًئا تما ًما . و أ�خي ًرا قرر أ�ن يلج�أ لحيل ماكرة لمواجهة كارثة نزولي إ�لى طفيليات الماء فلج�أ إ�لى التوقيع ب�إم�ضائه على لحم فخذي .غال ًبا بالقرب من أ��سفل بطني ،توقيعه الفذ المعقد بالقلم الكوبيا والذي من ال�سهل �أن تزيله المياه . �أو على الأقل ت�شوهه ،فيك�شفني دون الحاجة لمطاردتي ..فلابد �أن �أعود إ�ليه طائ ًعا بالدليل القاطع على نزولي �إلى ماء البلهار�سيا ومخالفتي ا ألوامر.. لكني لم أ��ست�سلم لذلك ا ألمر إ�لا �أيا ًما قليلة بعدها اكت�شفت طر ًقا نجح بع�ضها وف�شل الآخر في حماية التوقيع من ت�أثير الماء ،و إ�ف�شال دليل الجريمة. أ�خفيت التوقيع – عدة مرات – تحت رباط �سميك من القطن والقما�ش لكن الماء خذلني ون�شع لي�شوه التوقيع ..ثم ح�صلت على �شيء ي�سمونه (بلا�ستر) ي�ضعونه في الم�ست�شفى على الجروح والدمامل المتقيحة أ�ح�ضره لي (مختار) ابن (عمارة) التومرجي ..و أ�فلح يومها لمرة واحدة يتيمة ،لكنه لم ي�صمد في المرة التالية ..ولم يكن هناك بعد ذلك مفر من التدريب القا�سي لتقليد توقيع �أبي المعقد المكتوب بالرقعة في �سلا�سة وحروف متحولة �صعبة ..، لكن من أ�همية الغاية وقيمة الهدف ،كان طول �صبري و إ��صراري على تحقيق هذه الو�سيلة الذهبية إلخفاء جريمتي اليومية المتكررة .والتي لم تعد تحتاج مني غير الح�صول على (عقب) قلم (كوبيا) �سري و�إخفائه عن الأنظار ! لم تكن علاقة أ�بي بي على هذا ال�شكل دائ ًما .بل كانت في كثير 150
( )111المعقودة �أبداً بين حاجبيه حتى وهو يمازحني ..حمله لي ملهو ًفا دون انتظار حمارة عمتي وجريه بي إ�لى الم�ست�شفى رع ًبا من أ�ن أ�كون �ضحية مثلها لذلك اليوم الملتهب ..ثم �سهره الليالي ليلة بعد أ�خرى يتابع ما يحدث لي و�أنا �أقوم مفزو ًعا أ��صرخ ب�سبب كوابي�س �أن�صا�ص الليالي ل ِّلحاق بها تحت الأر�ض .وقد ظننت مثل �أمها التي كانت تعتقد �أنهم ت�سرعوا ودفنوها حية .ألنها لا يمكن أ�ن تموت هكذا ! واحت�ضانه لي و أ�نا �أفرفر فز ًعا لما �شاهدته و�أحكي عنه في رحلة منامي إ�لى ما تحت الأر�ض من �شياطين وبغال ذات قرون وثعابين طولها �سبعون ذرا ًعا ..وا�ضطراره للنزول على تنفيذ ن�صيحة خلت (خ�ضرة �أم بيومي) بذبح خروف ألهل الله .و إ�ن رف�ض ب�شدة إ�قامة زار لطرد ما ركبني من عفاريت ألنه كان مقتن ًعا �أن ما يحدث لي �إنما هو رد فعل طبيعي لما �أفعله طول النهار وخلال �أجزاء طويلة من الليل من (�شيطنة) مع ه�ؤلاء الأ�صحاب القذرين وجريي وراءهم في الزرايب ولعبي معهم في مقابر (�أبو خ�شبة) و�أنه ما عفريت �إلا بني �آدم .بل كان ي�ضحك ويقول :قولي ا ّن ه ّو اللي راكب العفاريت ! لكنه لم ي�صدقني حين قلت له �إن الجرح الذي عدت به إ�لى البيت ذات يوم كان من �سلك �شائك ملقى في طريق الجرن ،و�صدق كلام (بهنونة) التي ت�أكدلى �أنها لابد وان تكون م�ستاجرة لمراقبتى والابلاغ عنى – فقد �أكدت أ�ن كلبة (ال�سباعي) جرت ورائي وع�ضتني .وهي كلبة م�سعورة والعياذ بالله ..ورغم تكذيبه لي وت�صديقه لكذبها ,بلغت �سعادتي �أوجها ألنني ر�أيت على وجه �أبي ذلك التعبير الم�شفق الذي يقطع القلب واللهفة العميقة والخوف أ�ن تكون الكلبة الم�سعورة قد ع َّ�ضتني فعل ًا .. يومها ا�ستبعد فكرة �أخذي �إلى م�ست�شفى الكلب في القاهرة ، 153
أ�و في مندرتنا أ�و في حجرات المدر�سين والتي كانت تتخذ �صورة �صراع الديكة في بلاد أ�خرى � .إذ ينحاز الحا�ضرون وينق�سمون انت�صا ًرا ألحد ا ألطراف والذين غال ًبا ما يكونون في مثل �سني يختبرون ذكاءنا ويتحزبون لنا .وي�صفقون لمن يجيب على تلك ا أللغاز وتلك ا أل�سئلة : (ما هي ا ألعداد التي حا�صل �ضربها ي�ساوي جمعها ؟ هل يبرد ال�شاي �أ�سرع لو و�ضعنا الثلج تحته �أو فوقه ؟ ما هو ال�شيء الذي كلما �أكل كبر وزاد و إ�ذا �شرب انعدم ومات ؟ لماذا �سمي غيط ال�سباخ بهذا الا�سم ؟ ما معنى �سجنجل ؟ لماذا لا ي�صعد ماء الجوزة في غابتها ؟) لم تكن تلك الجل�سات المرحة تحدث بال�صدفة ..لكني كنت �أظن أ�نها مرتبة لأن �أبي كان ي�ؤكد على ح�ضوري و(جهوزيتي) قبلها .وغال ًبا ما كنت أ�ن�صره .ذلك أ�نني كنت أ�قر أ� مجلة (الهلال) و(المختار) اللتين كان خالي يحر�ص على �شرائهما وعلى �إر�سال الأعداد القديمة إ�لينا من (المن�صورة) مع أ�ي زائر أ�و م�سافر متاح ..كما كنت أ�حر�ص على قراءة مجلة (البلبل) في جل�سة واحدة إ�لى جوار عم (محمد ال�سقا) بائع ال�صحف الوحيد في البلدة والذي تعمقت �صداقتي به منذ �سنواتي المبكرة تلك و�شبابي (حتى جندته عام )58رغم فارق ال�سن الكبير. وكان انت�صاري في تلك المباريات م�ضمو ًنا .وكنت �أحب أ�ن �أرى انعكا�س ذلك على وجه �أبي .و�أ�ضمن بها �سماحته في مواجهة �صراعنا الآخر الدائم ب�سبب �أ�صحابي وعدم ر�ضاه عن ارتباطي الحميم بهم. لهفته على يوم �ساخت روحي عندما �سمعت خبر موت حبيبة قلبي وزميلتي وزميلة �أختي ابنة (�أبو ن�ضارة) التي اختطفها لهيب ال�شم�س الحارقة �أكدت لي حبه رغم تك�شيرته الحادة الدائمة ورغم علامة الـ 152
فنحن عندما نتبارى في ذكر ما نعرف من بلدان -قرى وعزب ومدن -زارها كل منا ..كانوا يتفوقون عل َّي طب ًعا .لولا �أنني كنت �أ�ستعين بكتاب الجغرافيا ف أ�فاجئهم ب أ��سماء لم ي�سمعوا عنها ..مثل (فرن�سا ولندن ونيويورك و�أنقرة و�ألمانيا) مدع ًيا أ�نني ذهبت إ�ليها بينما هم لم يتخطوا (الكردي) و(عزبة ب ْذله) و(�أكالة العي�ش) و(الرحامنة) و(ليثة الجمالية)!.. ظللت منتب ًها منذ ركبنا القطر �إلى (المن�صورة) لكل اللافتات التي نمر عليها ابتداء من (الكردي) و(موقف المكباتي) حتى (ميت حديد) و(محلة دمتة) و(محلة ام�شاق) � ..أما بعد المن�صورة وركوبنا قطار �سكك حديد المملكة الم�صرية فقد حيرني أ�ن كثي ًرا من القرى لم يكن القطار يقف عليها ولي�س لها �أر�صفة أ�و محطات ولا حتى لافتات .بع�ضها كان أ�بي ي�سميها لي ولكنني ظننته في غالب ا ألحوال ي ؤ�لف لي �أ�سماء من عندياته .ألن بع�ض الركاب كان ي�صحح له معلوماته .وبد�أت أ�ت�شكك فيما دونته وفي جدواه .وبد�أ الملل يت�سلل إ�ل َّي .حتى �أنني نمت مخد ًرا بحركة القطار و�صوت عجلاته الرتيب المنتظم الذي لا يتغير . كانت �أمي قد �أعدت لنا زيارة فخيمة تليق بمكانة والد يلعب دور الأب لعائلة من اليتامى وكذلك ألنها كانت تحب البنات ح ًّبا ج ًّما.. (�سعاد ودرية ونعمات) وكانت تتمنى أ�ن تجعل (�أمال) تقلدهن في ت أ�نقهن وذوقهن في اللب�س وا ألكل وا ألدب .وحايلت والدي كثي ًرا لكي ن�صحب �آمال معنا .ولكن دموع أ�ختي ومحايلات �أمي لم تفلح في إ�قناع �أبى بذلك .أل�سباب لا أ�دريها لخ�صها هو في �شخطة من �شخطاته القاطعة : 155
وا�ستبدلها بفكرة ال�سفر بي �إلى ا إل�سكندرية لزيارة �أقاربنا الذين كان �أبي بمثابة خال لهم .وهم الثلاث بنات وا ألخين الذين يعمل أ�حدهم �سائ ًقا في ال�سكة الحديد الأميري والذين �أقاموا في بيتنا عندما لج أ�وا للقرية مهاجرين �أثناء الحرب .ولم ي�ستطيعوا الت�أقلم والعي�ش في بيت عوائلهم ا ألقرب منا . وفرحت أ�نا وب َّدلت أ�قوالي ووجدت في اعترافي بع�ضة الكلب و�سيلة لر ؤ�ية (بحر ا�سكندرية) الذي طالما حدثتني عنه البنت ال�صغرى من الأخوات الثلاث (نعمات) التي كانت تكبرني ب�سنتين ،والتي كانت �صديقتي و�شاركتني و�أ�صحابي معظم مغامراتنا طوال مدة بقائهم عندنا ل�شهور عديدة ،لدرجة ظننت معها أ�نني أ�حبها ..خا�صة و أ�ن �أختي طول الوقت كانت تح�شر نف�سها بيننا ولا تدع لي فر�صة للاختلاء �أو الا�ستئثار بها بعي ًدا عن تدخلها -أ�ختي (�آمال) ..وطب ًعا وجدها �أبي فر�صة ل�صلة الرحم بزيارة أ�قاربه اليتامى والابتعاد بي عن �صحبة ال�سوء وا�صطحابي لم�شاهدة دنيا �أخرى ..قد تقنعني ب أ�نني �أرقى من ه ؤ�لاء (المنحطين) في الطين والجهل ..و أ�ن لي م�ستقبل ًا �آخر يعدني له ،يليق بطموحاته التي ذاق بع�ضنا طعمها ب�سبب كونه الأخ الوحيد بين �أخوة كثيرين ،الذي تعلم ودخل المدار�س ولب�س دونهم طربو�ًشا وجاكتة وبنطلون. دفعته �أن يهيئ ألولاده حياة مختلفة نظيفة و(بندرية) كما كان يطلق عليها وعلينا (الفلاحين) �أقاربنا أ�نف�سهم. أ�ح�ضرت دفت ًرا �صغي ًرا وقل ًما كي �أ�سجل أ��سماء كل البلدان التي �سنعبرها في الطريق إ�لى (ا إل�سكندرية) ،و�سر �أبي لان�شغالي بمثل هذا ور�آه بداية لنجاح خطته ،وكنت �أراها و�سيلة للتفوق على �أ�صحابي �أنف�سهم 154
عليكم ب أ�نف�سكم .. في المن�صورة انتقلنا من محطة �سكة حديد وجه بحري �إلى محطة المن�صورة الأميرية ب�سهولة .. كان معظم موظفي المحطة والكم�سارية يعرفون �أبي بحكم �أنه زوج �أخت (فتوح أ�فندي) ..فلم ن�ضطر لم�ساومة ال�شيالين .بل تطوع بع�ضهم لم�ساعدة قرايب (فتوح أ�فندي) ومجاملته .. عبرنا إ�لى المحطة الأميري الكوبري العلوي ال�شهير الذي يمتد من �أمام المحطة ال�صغيرة �صاع ًدا لأكثر من 42درجة وممت ًّدا إ�لى ميدان المحطة ال�شهير .كان مجرى الكوبري الحديدي الأ�سود الفخيم رهي ًبا ..ودرجاته زلقة لامعة من كثرة ما مر عليها من أ�قدام و أ�حذية و ُب َلغ .ولابد أ�ن ت�أخذ بالك حتى لا تنزلق على أ�ي درجة .وكان �سطح 157
-هو احنا رايحين نتف�سح ؟ �إحنا راحين الم�ست�شفى ..الولد ح ين�سعر � ..إن �شاء الله لما ن�شوف ظروفهم يبقى ن�سافر في ال�صيف ونكون كمان ف َّ�صلنا آلمال كام ف�ستان يليقوا با إل�سكندرية . ثم قطع الطريق على الا�ستمرار في المجادلة ب�أن قال لأمي : -ده ثمن التذاكر لوحده ال�شيء الفلاني ..ابقى ام�سكي �إيدك �شوية .وع ال�صيف الجاي يحلها أ�لف حل َّال .وتكوني ف َّ�صلتي ليكي ولها مايوهات .عل�شان ال�شيخ ( أ�بو العيون) يقطع رقابيكم على البحر .. و�ضحك الجميع وانهمكوا في ترتيب القفف والا�سبتة التي �ست�صون (الزيارة) .. ••• 156
يمكن �أن تكون ،وكانت معلوماتي عن طنطا كثيرة .إ�نها عا�صمة الدلتا وملتقى خطوط ال�سكك الحديدية وال�سكك الزراعية ،ويمر بجوارها (الرياح المنوفي) .وهي �أكبر محافظات م�صر من حيث الم�ساحة ( .لم يكونوا قد اقتطعوا منها محافظة الف ؤ�ادية بعد) .ثم أ�ن بها (ال�سيد البدوي) المقام والم�سجد .وهو �شيخ أ�ولياء م�صر وزعيم م�شايخ الديوان الذي تر أ��سه (ال�سيدة زينب) ..وك�سوة (�سيدي مجاهد) بوركت منه ،كما أ�ن عمي ن�صب خليفة لمولد (�سيدي مجاهد) با�ست�شارته ور�ضاه .وكان أ�بي م�صم ًما على �أن ننتهز فر�صة مرورنا للقيام بزيارته ولنقر أ� الفاتحة ونزور المقام ا�ستجابة لو�صية أ�مي .لكن الم�شاكل المعقدة التي واجهناها في تلك المحطة لم تتح لنا هذه الفر�صة .فقد �صعب علينا معرفة الر�صيف ،وكان القطار قد وقف في طرف المحطة ل�سبب لا نعرفه .وكان الو�صول لر�صيف (الإ�سكندرية) م�شكلة وهذه القفف وال�شيل معنا .وت�شاجر أ�بي وهو يفا�صل ال�شيالين واتهمهم بالل�صو�صية حتى كادوا يقاطعونه ويتركوننا في حي�ص بي�ص .لكن �أبي كان قاد ًرا على التراجع في الوقت المنا�سب وكذلك تدخل بع�ض الطيبين �أولاد الحلال الذين عابوا على ال�شيالين �أن يتركوه لحل م�شكلته بنف�سه ومعه (�صغير) مثلي وغريب .و�أح�س�ست ب أ�همية ت�ضاف لوجودي معه من حيث لا أ�حت�سب . عبر القطار محطة (كفر الدوار) فقال �أبي : � -إ�سكندرية ه َّي اللي جاية ... قال رجل عجوز له وجه ي�شبه جدي يو�سف : -إ��سكندرية مرية وترابها زعفران ... فقلت منده�ًشا : 159
الكوبري مزدح ًما لا بالعابرين فقط ولكن ب�سبب الباعة الذين يفتر�شون أ�ر�ضه وي�شغلون ن�صف عر�ضه تقري ًبا .باعة محافظ جلدية ومعهم �آلات تثبت بها الأزرار المعدنية وباعة �أم�شاط و�أوية وعطور و�شيلان وتلفيعات ومناديل ولعب و�أي ً�ضا ما�سحي �أحذية وبائعي لب وترم�س وفول �سوداني و�سميط وبي�ض .بدا معهم الكوبري وك�أنه المعبر الوحيد ما بين �شرق الدنيا وغربها .يعبره آ�لاف من العابرين والزائرين والم�سافرين من كل الأ�شكال وا أللوان . كان لابد أ�ن نكرر تجربة الانتقال لقطار �آخر في (محطة طنطا) . �صحيح �أننا لن نخرج من المحطة ولن نعبر �أي كوبري عالي مثل هذا . بل يا دوب �سننتقل من ر�صيف �إلى ر�صيف .وقد ي�أتي القطار على نف�س الر�صيف .هكذا تخيل أ�بي وبدا ك أ�نه ي�سهل الأمر عل َّي : -ربك ح ي�سهلها ان �شاء الله .. تمتم �أبي هام�ًسا لي وهو يفكر في الم�شكلة وكانت هذه �أهم نتائج الرحلة بالن�سبة لي .ف أ�بي ا آلن يعاملني َك ِن ٍّد .رغم �أنه لا ينفك ينبهني وين�صح لي ويقب�ض على يدي في قوة وحر�ص في أ�حيان كثيرة ..لكنه كان ي�شركني فيما يواجهنا من م�شكلات ،في اختيار �أماكن الجلو�س ،في و�ضع �أوعية الزيارة أ�و اختيار ما أ�رغب فيه من �أطعمة أ�و ت�سالي .مطب ًقا كل محاذير ال�صحة العامة و�ضوابط المالية كذلك .ولكن ذلك �أعجبني ب�شكل عام و أ��ضفى على وجودي معه أ�همية كبرى لدرجة كدت أ�ظن �أنه لولا وجودي معه لما أ�فلحنا في الو�صول إ�لى (طنطا) . �ضخمة محطة (طنطا) وهائلة ..مدينة كاملة ..لي�ست كمثلها ولا 158
-يا عم حرام عليك دا الح�صان بياكل بال�شيء الفلاني ،هو انت فاكر لما نخرجوا م المحطة معاك ح ت�شيلوا حد تاني ..ح ناخدوا تلاتة �شلن .. �آخر كلام .. كنت �أتمنى �أن تنتهي المناهدة حول ا ألجرة ..م�شتا ًقا لركوب الحنطور ور�ؤية (محرم بك) ..كان لأبي قول م�شهور و�أمنية كالحلم يكررها كثي ًرا .يا �سلام لو عمارة في محرم بيه وميت أ�لف جنيه والعافية وال�صحة ك�أنها رو�شتة ال�سعادة ا ألبدية ,وحلم الراحة الدنيوية . �صدمت عيناى لمر�أى الكثير من العمارات المهدمة ..كان بع�ضها مهدوما تماما .وبع�ضها ك�أنما قطعت ب�سكين جبارة من ال�سقف حتى الأر�ض ,ي�سيل الركام من حجراتها كالدماء المتحجرة .وت�ساءلت �ساعتها �أيها كانت حلم �أبى الذى لم يتحقق .ولفت نظرى وجود أ��سوار من �سلك �شائك �أو من قطع من الخ�شب والحديد تحيط بكثير من النفايات التى تحولت إ�لى �أنقا�ض و�س أ�لت �أبى : -هل يلفونها بالأ�سوار لحمايتها من ال�سرقة ؟ ومن الذى �سي�سرق تلك ا ألكوام من الأنقا�ض ! �ضحك أ�بى �ضحكه مفتعلة .. -لا ..ح�صلت حوادث لبع�ض من دخلوا هذه الأماكن المهدمة ألن هناك قنابل لم تنفجر فى وقتها وراح �ضحيتها بع�ض الأطفال والرجال.. كانوا بيدوروا فيها على �أ�شياء فانفجرت فيهم ... �أق�شعر بدنى فالت�صقت بوالدى وحين �إح�س�ست بذراعه تطوقنى مرحبة دفنت وجهى فى ملاب�سه طالبا للحماية . 161
-زعتران ؟ �ضحك الجميع .و�صححوا لي نطق الكلمة ولم �أفهم الفرق ،ولكني أ�خرجت ر�أ�سي من ال�شباك �أواجه الريح رغم تحذيرات والدي أ�ل َّا �أفعل . كانت هناك رائحة تكاد تكون غريبة . -دي ريحة البحر � ..إحنا على و�صول .واليود ح يو�سع �صدرك . أ�جبرني قطار آ�ت في الاتجاه المعاك�س على الجلو�س فز ًعا . -قلت لك ما تب�ص�ش من ال�شباك . ال�شم�س كانت دافئة والن�سمة ت�شرح القلب ..لابد �أنه البحر .. البحر ؟ لابد أ�نه �أكبر من (البحر ال�صغير) ..ولذلك �سميناه البحر ال�صغير و�أكبر من (بحر النيل) كما كانت تطلق �ستي على النيل عند (المن�صورة) يقولون أ�ننا لا ن�ستطيع �أن نرى �ضفته ا ألخرى .والبع�ض �أكد لي �أنه لا �ضفة أ�خرى له . عجبت ألنهم ي�سمون محطة �إ�سكندرية (محطة م�صر) رغم اللافتة المكتوبة بالعربية وا إلنجليزية .ولم �أ�س أ�ل لأن بر�ضه م�صر هيه الكبيرة ! تفاهم �أبي ب�صعوبة مع الحمالين الذين ا�ستدعوا عربة حنطور حتى �سلم المحطة وتركوا �أبي يفا�صل العربجي الذي �أ�صر على �أن يتقا�ضى ريال ًا كامل ًا لنقل كل هذه ال�شيل .نهره �أبي لمغالاته فالم�سافة قريبة ج ًدا من محطة م�صر فمنزل أ�قاربنا في (محرم بك) ولي�س في (�أبي قير) وهدده ب إ�نزال ال�شيل وطلب حنطور آ�خر .. -عايزين تدفعوا كام؟ -ع�شرة قرو�ش لا غير ؟ 160
-هو انت ح تيجي ا�سكندرية وما تزور�ش البحر .دا انا عارفة انك بتموت في الميه ..ب�س َم ِّيتنا بقى ما فيها�ش بلهار�سيا ..وتقدر تنزل من غير إ�م�ضا . قالتها وهي ت�ضحك في مرح جعلني أ�كتم غيظي ،لأنها عرفت ذلك ال�سر الذي لابد �أن يقلل من مكانتي لديها باعتباري تحت رقابة أ�بي المت�سلطة .. فاج�أتني قائمة جديدة وغريبة من الأ�سماء .كانت تده�شني برنينها ال�ساحر و�إيقاعها الخواجاتي (كرموز /لمبرووزو /بولكلي /زيزينيا/ �سيزو�ستري�س) الذي مازلت حتى الآن �أخطئ في نطقه بينما كانت (نعمات) تنطقه بنف�س �سهولة نطقها (لل�شاطبي والأنفو�شي وا ألزاريطة) و�أخذت أ��سخر من هذه ا أل�سماء التي لم أ�حتمل كما يبدو �سحرها وغمو�ضها فم�ضيت �ساخ ًرا �أك�سر حدة الغرابة و أ�مطرها بجلافة ظريفة . -ا ألنفو�شي .. � -س�ألوا عليكم مالقيوكو�شي .. -المزاريطة .. -وقعت عليك حيطة . م�ستعي ًنا بطريقة تتقنها �أمي حين تبتكر تعلي ًقا �ساخ ًرا من �أى �شيء . لكن هذا الزخم من ا أل�سماء الجديدة ذات الرنين � ،أزاح من ذاكرتي أ��سماء القرى التي دونتها في نوتة المحطات لدرجة �أنني ن�سيت أ�ين أ��ضعتها .. وقفت فاغ ًرا فمي �أمام عربة التفاح الأخ�ضر الم�شرب ببع�ض ال�صفرة والاحمرار خا�صة عندما قالت (نعمات) في أ�لفة �صديقة مخاطبة البائع العجوز المميز : 163
لم نذهب �إلى البحر على الفور كما تمنيت .فقد رتب ال�شقيق الأكبر لليتيمات (كمال) الذي ي�شتغل م�ساعد قائد قطار وهو من�صب له �أهمية كبيرة في مجاله – موع ًدا للك�شف عل َّي باعتبار �أن العلاج هو المهمة الأولى لهذه ال�سفرية وبعدها البحر وغيره .. قابلونا بما يليق من حفاوة وهددت (�سعاد) العربجي و أ� َّنبته على طمعه وقالت ألبي �أن لا يعطيه �سوى �شلن واحد .ولكن �أبي لأمر ما أ�عطاه � 2شلن � ،أخذهما الرجل و�شكره . أ�فردوا لنا �سري ًرا في حجرة ا ألخوين ،باعتبارها �ستكون غرفتنا خال�صة لنا .فا ألخ الأكبر يق�ضي معظم وقته خارج البيت بحكم عمله و�سفره الدائم � .أما ا ألخ ا أل�صغر فلم يكن ي أ�تي إ�لى البيت ،كان عاطل ًا لا تكف الم�شاكل عن محا�صرته و�إف�ساد علاقته ب إ�خوته .. �أخذتني نعمات في جولة م�سائية حول المنزل ..ولن�شتري تفا ًحا أ�خ�ضر كنت قد ر أ�يته على عربة عند النا�صية .و�س أ�لت أ�بي عنه فلم يهتم . كانت ال�شوارع وا�سعة ونظيفة ولها �أر�صفة تظللها �أ�شجار (البن�سوانا) الملتهبة ا ألزهار ولخ�ضرة أ�وراقها بريق غير عادي .ألن اليود المحمل به ن�سيم البحر ي�شفي وي�شرح قلب الب�شر ..لابد �أنه أ�ي ً�ضا ي�شرح قلب النبات ويجعل لخ�ضرته هذا البريق الرائع الذي تفتقده كثي ًرا �أ�شجار بلدنا إ�لا الجديد والوليد منها .وكنت أ�بحث طوال الوقت عن (الزعفران) ولكني لم �أجد �أي تراب فالأ�سفلت يكاد يكون مغ�سول ًا حتى فى الأجزاء التى بجوار هديم البيوت . �أخذت نعمات تخبرني ب�أ�سماء ال�شوارع والميادين وت�شرح لي الاتجاهات .وطلبت منها أ�ن تذهب بي �إلى البحر ،ولكنها اعتذرت فلي�س أ�مامنا وقت لذلك الآن.. 162
انت�صبت قامة أ�بي وطبطب على كتفي وهو يقودني للداخل .. و�سمعته ي�س�أل (�سعاد) هام�ًسا في رجاء: -لازم بكره ناخده للم�ست�شفى يا (�سعاد) � ..أنا خايف من هوهوته دي تبقى م�صيبة .... ردت (�سعاد) تطمئنه : -ما احنا ميعادنا بكرة ..ب�س ما تقلق�ش ،قال لك إ�نه بيهزر يا خال ..ياللا .ياللا ..ا ألكل جاهز ..وم ال�صبح ح نروح للدكتور .في الم�ست�شفى ا إليطالي .. عاد �أبي من الم�ست�شفى �سعي ًدا يكاد يطير من الفرحة لنتيجة الك�شف .و�إن لم ين�س أ�ن ي ؤ�نبني غا�ض ًبا لأنني لم أ�عترف بالحقيقة .لقد أ�كد له الدكتور الطبيب �أن هذا جرح عادي وتلوث قليل ًا ..ولا علاقة له ب أ�ي ع�ضة كلب ..وط َّهر الجرح وقال : -ممنوع ينزل الميه لحد ما الجرح يلم .ياللا يا �شقي براءة .. لكن أ�بي هددني بعقاب �شديد لما �سببته له وللجميع من رعب وجزع .ولكنني قلت ألبي بب�ساطة �شديدة .. -يا بابا �أنا قلت لك لما �س�ألتني ،انها خرب�شة �سلك �شائك ات�شنكلت فيه .انت ما �صدقتني�ش و�صدقت (بهنونة المجنونة) ع�شان تعرف انهم بيكدبوا عليك تم ِّلي ويتب ُّلوا عل َّي .. -وال�سلك ال�شائك إ�يه اللي و َّداك ليه ؟ لم أ�قل له طب ًعا أ�ننى تعودت وا�صدقائى الذين لا يحبهم �أن ندخل من خلال قناة الري جنينة (�سراية عبد ربه) ونحن ن�ستحم أ�مامها في (ال�سحارة) ..و�أن ال�سلك طال بطن رجلي لعدم خبرتي ،معقول أ�قول ؟ ما قلت�ش طب ًعا . 165
-نقي الحبة يا عم ( أ�خنوخ) ما احنا�ش زباين على الما�شي ..ع�شان خاطر (�سمير) �ضيفنا من المن�صورة ! لم يعجبني �أنها ن�سبتني (للمن�صورة) ولي�س (لميت �سل�سيل) .واعتبرت هذا تهر ًبا �أن يكون �ضيفها من الفلاحين مبا�شرة ..لكن مو�سيقى ا�سم ( أ�خنوخ) جعلتني �أ�شعر بلذة لا مثيل لها و�أنا أ�ق�ضم التفاحة التي انتقاها (عم �أخنوخ) ب إ�معان وقدمها لي ترحي ًبا بي ..وهو يبت�سم ابت�سامة عري�ضة بات�ساع فمه الخالي تما ًما من أ�ي �أ�سنان. أ�ثناء عودتنا بعد تلك الجولة ال�سعيدة ،جرت (نعمات) لت�سبقني �إلى البيت وطاردتها مر ًحا �سعي ًدا ولحقت بها عند الباب .ثم طاردتها على ال�سلم الق�صير .ولم �أجد ما أ�فزعها به �سوى �أن أ�نبح عليها مقل ًدا �أ�صوات من �أعرفهم من كلاب .فوجئت ب�أبي يفتح الباب �صار ًخا وقد ارت�سمت على وجهه علامات رعب وجزع لا يحتمل ،مت�سائل ًا وهو ي أ�خذني في أ�ح�ضانه وكنت أ�ظنه �سي�ضربني ف�إذ به يتفح�صني بحنان وهو ي�س�ألني مرعو ًبا ..منذ متى و�أنا أ�نبح هكذا ..لكنني وقد ن�سيت �أننا هنا ب�سبب كلب وهمي ع�ضني ..فهمت �س َّر ُرعبه .ولم أ�فهم �إلا عندما �س أ�لني : -أ�ول مرة تهوهو يا �سمير ..هه .هوهوت قبل كده ؟! وكدت �أقول له ال�صدق .. (و أ�قول أ�نا ؟ �أنا ياما (هوهوت) .طول عمري (ب�أهوهو) -لدرجة �أده�شت خالي (الخمي�سي) وناف�سته في عزف حفلة ومعركة (هوهوة) تقلي ًدا لبراعته في عزف هوجة (م أ�ماة) الغنم الأبي�ض). لكنني في الحقيقة أ��شفقت عليه وقلت �أطمئن جزعه .. � -أب ًدا يا بابا دا انا باهزر معاها ..كنت باخ ِّوفها ب�س .. 164
لربع قرن كامل لكي ينطقها (ابني �أ�شرف /فيما بعد) ..معب ًرا عن ده�شته حين �شاهد موج النيل يلاطم �صدر الأوتوبي�س النهري في �أول مواجهة له مع الماء وهو لم يزل دون �سن المدر�سة � .صاح في تلقائية ومرح .. -يااااه ..الدنيا بت�ستحمى .. لماذا جمد ل�سانى وعجزت �أن أ�نطقها �أمام البحر ..مع أ�ني �ساعتها كنت �أكثر �أهلية لذلك منه ،وكنت �صاحب خيال يمرح مع الجن والعفاريت والجنيات .ويخو�ض حرب الليل �ضد الخفافي�ش الطائرة .. والكلاب ال�سعرانة .وكنت أ�خو�ض معركة الذهاب يوم ًّيا إ�لى (مدر�سة الجمالية) أ�ركب لها ال�صعب مزنو ًقا في أ�وتوبي�س (عبده عواد) مع رعب ع�صا (الأ�ستاذ ها�شم) أ�و ممتط ًيا ظهر موتور الديزل القادم مع الفجر و�سط بائعات الجبن والفطير والخ�ضار وال�سمك ..وكان ل�ساني طويل ًا ،يخو�ض فيما لا يجب أ�ن يخو�ض فيه من هم في �سني ...... لكن ا ألمر احتاج لربع قرن �أو يزيد لكي تنحل عقدة ل�ساني فينطق بنف�س الجملة على ل�سان ولدي ولي�س أ�مام البحر و إ�نما أ�مام النيل ..ربع قرن طالت فيه �شرارات وباء الكوليرا الأولى قريتنا لتخطف �أكثر من ربعمائة عجوز وامر�أة وطفل ورجل من فقرائها من بينهم عائلات بكاملها ، خلت منها بيوتهم و�صارت خاوية على عرو�شها .وكادت تخطف مني �أبي نف�سه لولا �أنني �أح�ضرت له من جنينة (عبد ربه) نف�سها التي ع�ضني �سلكها ال�شائك ب�ضع ليمونات أ�عطاها لي (كامل أ�فندي) نف�سه مع تمنياته ألبي بال�شفاء وت أ�كيده لي أ�ن �أبي لي�س مري ً�ضا و إ�نما هو موهوم وك�أنه كان يعلم ،لأن �أبي ق َر�ش الليمونة الأولى فكف عن ال�شكوى ،وق َر�ش الليمونة الثانية فتب�سم وب�شرنا بنجاته ،وقام مع الليمونة الثالثة ليجبرنا جمي ًعا على م�ص ف�صو�صها ..لننجو. 167
فرحة �أبي لأني لم يع�ضني كلب ولم أ�ن�سعر فعل ًا جعلته يقرر �أن ن�أخذ يومين ف�سحة لنتفرج على (ا إل�سكندرية) فوافق أ�ن نذهب للبحر .و�أكثر من ذلك وافق على �أن نذهب لل�سينما وها �أنذا �أقرر بعد عقود طويلة أ�ن هذين الحدثين كانا من �أهم ما حدث لي و�أثر في تكويني وخلد في نف�سي تلك الزيارة الق�صيرة للإ�سكندرية .. البحر وال�سينما .. البحر .. يا له من كائن ويا له من كيان .. كنت أ�ظن – إ�لى أ�ن وقع نظرى عليه -أ�نني ملك الحقول الخ�ضر و�سلطان الترع ..ملك (الخم�س) و(ال�سباخ) و(�أر�ض الطير) و(ال�ساحل) ..و�أنني الم�سيطر على مياه (البحر ال�صغير) و(المغذي) و(ال�سحارة) و(الخرارة) و(اله َّدار) .وحتى (ترعة الجوابر) لا �أطيق البعد عنها نها ًرا واح ًدا .و أ�نني أ��سرع من يعبرها �سباحة أ�وغط�ًسا ..و�أنني المر�صود من جنيتها ذات ا أل�صابع �شبه البلح الأحمر ..ف إ�ذ بي وبمجرد �أن عبرنا الكورني�ش ووجدتني في مواجهته وج ًها لوجه أ��صابني الخر�س �أو �أكاد �أ�صاب بال�شلل .وات�سعت عيناي وفغر فمي في ده�شة وبلاهة ..تعجب لها والدي الذي كان يكر�س معظم وقته للحد من علاقتي بالماء . عجزت عن النطق .كانت الجملة تدور في حروف مبعثرة أ�مام مخيلتي ولا أ��ستطيع نطقها ..كلما انتظمت بعترها هجوم الموج المباغت الذي كان يعلو ال�صخور في إ��صرار ،وك�أنه م�صر على الو�صول إ�لينا . �ضحكوا �أو قفزوا محاولين تجنب رذاذه � ..أنا لم �أفعل ..بل تجمدت عاج ًزا عن نطقها ،أ�و نطق �أي غيرها يعبر عما أ�ح�سه و أ�نفعل به ..احتاج ا ألمر 166
ربع قرن قلب نظام الحكم فيها ال�ضباط الأحرار .ولم�ست بيدي قبعة (نجيب) وهو يعبر بوابة ال�ساحة ال�شعبية و أ�نا معلق على بابها �أنبح في ح�سي و�أنا أ�دعو بحياته وحياة م�صر ..لينتهي الم�شهد الذي ح�ضرت من قريتنا خ�صي ً�صا لأ�شارك منقذي الوطن وخالعي الملك عند زيارتهم (للمن�صورة) فرحتهم والهتاف لهم ألرى بعد انف�ضا�ض المولد ره ًطا من الع�سكر ي�ضربون طال ًبا يوزع (من�شورات �شيوعية) كما قال لي خالي عندما أ�عطيته الورقة التي التقطتها من الأوراق التي نثرها علينا .ولأعرف حين قر أ�ناها أ�نها تلعن وت�سب الذين �سافرت �أكثر من 50كم لأراهم ونبحت ح�سي هتا ًفا لهم .تنادى ب�سقوطهم ألنهم حب�سوا ال�شرفاء وخطفوا الوطن وذبحوا عماله وتواط�أوا مع الإنجليز والأمريكان عليه وعلينا .و ألعرف بعد �سنوات طويلة �أن ذلك الذي كان يوزع هذا المن�شور وي�ضرب ب�سببه هو �صديقي (فيما بعد) وزميلي (عبد الله الزغبي) المحامي . ••• 169
ربع قرن من الزمان كادت فيها �أظافر (عهد الإرهاب) �أن تنتزع �أبي من بيننا بتهمة انتمائه (ل إلخوان الم�سلمين) وهجموا على بيتنا يفت�شون عن أ�ي دليل .فلم يجدوا �سوى خبر ا�ستقالته من تلك الجماعة في �صدر �صحيفة (الأهرام) وكان دخلها مع �آخرين نكاية في الوفد عندما تولى الحكم بتدبير من ا إلنجليز .فاكتفوا بنفيه إ�لى (عزبة البرج) ثم (ال�شيخ �ضرغام) في آ�خر بلاد ي�صلها (فرع دمياط) ويتركني ألكون رجل البيت كما أ�و�صاني ثقة ف َّي وح َّملني م�سئولية خلافته و�إدارة �شئون بيتنا الخارجية مبك ًرا .. ربع قرن �شاهدت فيه عن قرب فلول جي�شنا العائد من (النكبة) ن�ستقبلها ا�ستقبال المنت�صرين و ألزين ب�صورة قادتها (الملح والفلفل) (المواوي وال�ضبع الأ�سود) �أغلفة كرا�ساتي ..ثم أ�كت�شف الحقيقة بعدما قر أ�ت مقالات الم�صور عن ا أل�سلحة الفا�سدة وتحقيقات (روزاليو�سف).. وكنت قد أ�ر�شفت �صور الطائرات و�صور البطل (�أحمد عبد العزيز) .. و�سمعت حكايات عن مغامرتهم في �أر�ض فل�سطين وهتفت وغنيت وبكيت مع (يا مجاهد في �سبيل الله).. ربع قرن درت فيه على المدار�س الثانوية ما بين (دمياط) و(المن�صورة) و(المنزلة) و(ك�شك في زفتى) و�صادقت ع�شرات وتتلمذت على يد ع�شرات .ر�أيت الدلافين في نيل (دمياط) وخيط جرح في ر�أ�سي في (المن�صورة) و�أنا أ��ستحم في نيلها حين ت�شاجر أ�بناء �شارعنا في (داير البندر) مع تلاميذ من �شارع (العبا�سي) قذفني �أحدهم بفردة قبقابه الم�سنونة على �أ�سفلت ال�شوارع .وي�سرع بي زملائي إ�لى الم�ست�شفى القريب .و أ�جد أ�لف حجة لأكذب على أ�مي فمعي �شهود عدول.. 168
�أن حمل الإن�سان (الأمانة) التي �أ�شفقت منها ال�سماوات وا ألر�ض والجبال والبحار وا ألنهار .ورغم ذلك لم يرحمه الذين أ�رادونا في قالب واحد ..نهتف عندما يريدون ونخر�س عندما ي�شا�ؤون ..ويفقد (ال�شيخ علي) ب�صره في ال�سجن .وت�شاء الأقدار أ�ن �ألتقيه في (معتقل المزرعة) عندما ُقب�ض عل َّي في �أول مظاهرة بعد (النك�سة) رف ً�ضا للحزب الواحد . 25عا ًما من ال�سجون والمعتقلات والأحلام والانت�صارات والأحكام الظالمة ،والاعتقالات وال�سجن الانفرادي .وكم لذلك من �شهداء . 25عا ًما زخرت ب�أ�سماء ومعاني �أخرى لنف�س الكلمات ..ت�أميم القنال والبنوك .و�شنق عمال وذبح ملوك .وعدوان و�صمود وهزيمة وب�إلقاء لل�سلاح وحل للتنظيمات . 25عا ًما يولد في نهايتها ابني و�سط هدير مدافع (�أبو جامو�س) وحريق الزيتية ال�شهير .ثم محاكمات هزلية تنتهي ب�أحكام فكاهية لينتف�ض الم�ضروبون بالخديعة وا آلمال الكاذبة يطالبون الزعيم الذي خرجوا من قبل يرف�ضون ا�ستقالته ..يطالبونه بالخروج من قف�ص أ�عوانه �إلى رحابة �صدر الجماهير ..الذي اكت�شفت �أنه هو البحر ..البحر الأكثر روعة ورهبة وعظمة .و�أي ً�ضا عجزت أ�ن أ�نطق �أمامه .و�سالت دموعي وقد عجزت أ�ن �أقول ما قاله ولدي بعد 25عا ًما ..كانت �ضرورية لحل عقدة ل�ساني على ل�سانه بعد ربع قرن . ومثلما خطف البحر روحي إ�لى مداه ال�شا�سع اله َّدار المتلاطم �سحرتني ال�سينما كجني ت�سلل ليتلب�س ج�سدي الهزيل الذي لم تكن تهد أ� له حركة ،والذي كانت ت�سرقه خط ًفا مياه البحر ال�صغير وترع (الخم�س) و(ال�سباخ) العكرة لتغرقه حتى في �أيام التحاريق . ابتلتني (ا إل�سكندرية) إ�ذن ب�أمنيتين لم �أ�شف منهما أ�ب ًدا ..هما �ضعفي 171
قد �شغفها ح ّبا .. ربع قرن تتلمذت فيه على يد ال�شيخ (علي �سعود) الذي �أ َّدبني ب أ�دب الإ�سلام ول َّقنني الحديث والقر�آن و�أدخل في يقيني �أن العقل هو ميزة ا إلن�سان ،و�أن الذي �أُر�سل رحمة للعالمين لا يمكن أ�ن يكون �أتباعه نقمة على خلق الله ..و�أن جوهر الدين واحد منذ بدء الخليقة �إلى الآن ،و�أن لكل مقام مقال ولكل مقال مقام ،و أ�ن الله جميل يحب كل جمال ..و أ�ن عل َّي �أن أُ�حكم عقلي في الأفعال وا ألقوال ..و�أن هناك فرق بين المدني والمكي ،و�أن التاريخ �صار منذ الخلافة ا ألولى تاريخ الم�سلمين لا تاريخ ا إل�سلام .وعلمني أ�نه لا �إيمان مع الخوف ولا �إ�سلام مع ا إلجبار ،ألن الله ع َّلم ا إلن�سان وخيرَّ ه أ�ن يختار .من �شاء �أن ي�ؤمن ومن �شاء �أن يكفر ..بعد 170
�أعترف �أن الطفل الريفي ال�ساذج الذي خرج من ال�سينما يومها لم يعد هو نف�سه الذي دخلها متعثر الخطى فوق ال�سجاد ا ألحمر عاب ًرا المدخل والممر الغام�ض الم�ؤطر بال�صور الملونة وا ألنوار الحية التي لا تكف عن الحركة ذها ًبا و�إيا ًبا � ..إلى الفراغ ال�ضخم الذي ت ؤ�دي �إليه ا ألبواب المتحركة حيث ب�شر كثيرون من رجال ون�ساء ملونون يحدثون �ضجي ًجا �صام ًتا ..ويتحركون كالظلال ولا يكفون عن الفرح تحت إ��ضاءة خافتة لا م�صدر لها �إلى �أن تنفرج �ستائر فاخرة ثرية عن �ستائر بي�ضاء هفهافة لتنفتح مع المو�سيقى ال�صاخبة نافذة لا �أفق لها على حياة �أروع كثي ًرا من الحياة ..وب�شر لي�سوا كالب�شر لحركتهم �سحر خا�ص ولكلامهم وقع عميق لي�س كالكلام ،تحمله �أجنحة المو�سيقى الغام�ضة إ�لى الوجدان .. �أي فرح كان يبعثه فينا القارب الذي تتقاذفه ا ألمواج تحت وابل القنابل ،يركبه رجلان على طرفي نقي�ض � .أحدهما نحيف كالع�صا والآخر �سمين كالفيل ..وترتجف قلوبنا إ�ذ ينقلب القارب ويجاهدان للنجاة تحت �سماء غا�ضبة وبحر عا�صف ..ليخرج ال�سمين من جوفه أ��سما ًكا حية ت�ضحكنا من القلب .رغم قنابل الطائرات اليابانية التي كانت تطارد القارب . ونحن نكاد نموت من ال�ضحك على ت�صرفات وهلع (الرفيع والتخين) وقاربهما التائه في البحر ،الذي لم يعد ي�شبه البحر .لكن تلك الطائرات وهديرها المخيف عمقت انتباهى -بعد أ�ن خرجنا من ال�سينما إ�لى تلك البنايات الكثيرة المهدومة ،ب�سبب طائرات ت�شبهها كانت قبل عام تق�صف هذه المدينة وتهدم بيوتها فوق ر أ��س أ�هلها والذين ُدفن بع�ضهم تحتها وعا�ش آ�خرون كثيرون يقتلهم الخوف والرعب دون أ�ن يثير ذلك أ�ي قهقهة �أو ابت�سامة . قالت العمة (�سعاد) �ضاحكة : 173
�أمام خ�ضم البحر المالح الذي لا �شطوط له .والذي �أ�سلمني له ع�شق ج�سدي لمياه النيل العذبة التي حولتني لكائن برمائي ي�سبح في جداوله وعروقه ،متحديًا �سركاريا البلهار�سيا وتوقيع والدي المعقد بالقلم الكوبيا على لحم فخذي ! و�شغفي المر�ضي ببوابات ومداخل ال�سينما في كل المدن القادمة التي زرتها في م�صر �أو في العالم ..والتي لم ت�ستطع �أي منها -على تنوع �أ�شكالها و�أحجامها وحركة الأنوار اللاهثة على جدرانها الملونة ، المتعددة ال�سرعات والمختلفة الإيقاع وزجاجها المل َّون عاك�س ا أل�ضواء الثرية وحتى تلك القروية ذات ا إلمكانات الفقيرة -أ�ن تن�سيني تلك الرجفة المتطلعة المبهورة التي غمرتني بها بوابة �سينما (الهمبرا) ألول مرة لتد�شن ولعي بالعوالم ال�ساحرة ا أل�سطورية التي يخطفني إ�ليها �سحر الظلام حين أ�عبر برزخها إ�لى ما وراء تلك البوابات من مدى لا تحده م�سافات ،غني با أل�ضواء وا ألنوار ،بال�سماوات ذات الأقمار ،والغابات ذات الأ�شجار والجبال المك�سوة بالخ�ضرة والمتفجرة بالنار والمدن التي تخطف الأب�صار ، والقرى الغارقة في غب�ش ا أل�سحار ؛ تجتاحها الجيو�ش والفر�سان وقطعان الوحو�ش وي�سعى في حقولها الفلاحون وت�ضيء ليلها ق�ص�ص الغرام .. �أ�صبحت كل تلك البوابات منذ بوابة �سينما (الهمبرا) هي بوابات الجنة بالن�سبة �إل َّي منذ �أخذتني (نور الهدى) فوق عربة حبيبها لنركب دون �أن يراها �أو يراني ..و أ�غرتني ( أ��سمهان) ب�شرب القهوة و�شراء الورد .و�أغواني (ب�شارة واكيم) بفاكهة الكلام المن َّغم المو َّقع المرح ..ودفعني للاحتماء ب أ�بي الذي كان يجل�س بجانبي رع ًبا من احت�شاد الأفق �أمامي بخيول فر�سان الحر�س الملكي في ت�شريفة ا أل�سرة العلوية وهم ين�شدون لملوكها منذ (محمد علي) على �أنغام المو�سيقار العا�شق القاتل (يو�سف وهبي) في (غرام وانتقام) . 172
الف�سيخ في احتفالية عائلية ذات نهار فاجع .وفي مرة تالية �ضاع نهارنا ونحن نبحث عن �أربع عجلات متماثلة للعربة التي �صنعها بنف�سه لنقل بطارية الراديو لكي ت�شحن في وابور الطحين يوم ًيا .واقت�ضى ذلك أ�ن نق�ضي الوقت في البحث والفح�ص الدقيق في �أكوام الخردة والم�ساومات مع تجار المهملات وا ألدوات القديمة ما بين مخازن (داير البندر) و�أ�سواق (ال�شيخ ح�سنين) (والعبا�سي) (والح�سينينه) لدرجة لم يتح الوقت لي �سوى التمني الم�ستحيل أ�ن يطفئ �أبي �أ�شواقي بعبور بوابة (عدن الذهية) التي كانت واجهتها تزدان ب�صور ملونة لفار�س على ح�صانه تلاعب الريح ثيابه العربية ي�شهر �سيفه لينقذ مع�شوقته الجميلة التي تحيط بها النيران وفي الناحية ا ألخرى �صف من الن�ساء الملائكيات الجميلات يرفعن �سيقانهن العارية في تنا�سق و إ�يقاع منغم واحد مذهل .بينما تقودهن للماء حورية من بنات الجن تك�شف عن �ساقيها – هي قائدة (ال�سابحات الفاتنات) كادت تدفعني �صورهن للبكاء و أ�ن أ�طلب من أ�بي – ونحن في طريق عودتنا بعد انتهاء اليوم ال�شاق – أ�ن نبيت الليلة عند خالي لندخل ال�سينما فنب�شت بثر �أحزانه وكان متعبا وهو الذي لم يكن من يومها يذهب لبيت خالي هذا حتى لا تفتت قلبه ذكريات مقتل ابنه فنهرني بحدة وهو يكظم حزنه محت ًجا بتعب اليوم ال�شاق. في الوقت الذي ظلت فيه تلك العربة العجيبة والتي تبدو وك أ�نها تنتمي لعالم الحكايات .يجرها رجل عجوز يتقدمه ويتبعه �آخران �أحدهما يدق الطبل والآخر ينفخ بو ًقا نحا�س ًيا يزفون في مرح ذلك الهرم الخ�شبي ذى الوجهين الملونين يحمل كل وجه �صو ًرا ملونة تعلن عن م�شاهد ألبطال الأفلام التي �أبكاني �أنني لن أ�راها .. كانت تلك العربة – وال�ض ّجة التي ت�صاحبها – تبدو لي ك أ�نها تطاردني 175
-طب ًعا ..ا�ضطررنا للهجرة عندكم خو ًفا ،فلم تكن الحرب أ�يامها فيلم يا ابو �سمرة ..واهي كانت فر�صة عظيمة ن�شوفكم وت�شوفونا ونو�صل حبل الوداد م�ش كده يا خال ؟ غمغم والدي مواف ًقا .و�أظنه كان �أكثر مني يعي�ش حالة وجدانية �سينمائية فهو الذي اختار ا ألفلام وال�سينما لي�شاهد (يو�سف بك) ولي�سمع (�أ�سمهان) ..وعرفت �ساعتها أ�ن �أبي لي�س على هذه الدرجة من الجهامة.. وبد أ�ت أ�كت�شف فيه أ��شياء �أكثر رقة ..هي بالت�أكيد التي دفعته فور عودتنا إ�لى �شراء الراديو الذي ميز بيتنا و أ�عطاه لم�سة مميزة عن بقية البيوت . اكت�شفت �أن الظلال المتحركة التي كان يج�سدها خيالي على الجدران �أ�شبا ًحا و�أ�شخا ً�صا وجنيات وعفاريت في �أم�سيات وليالي الحو�ش في بيت جدي �أثناء موا�سم الح�صاد ،تخلقت لي من وهمها عوالم موازية للواقع من الظل والنور هي التي هذبت وجداني ف أ�وقعتني �أ�سير �سحر ال�سينما الغام�ض تلك الليلة في الإ�سكندية حين غزت م�شاعري وروحي فيها الأ�ضواء والألوان والمو�سيقى وا أل�صوات التي تتج�سد فيها وبها تلك ال�شخ�صيات النوارنية التي لا ت�شبه �أح ًدا من عالم قريتنا التي لم تعرف بدعة ال�سينما بعد .حتى عا�صمة المركز (المنزلة) لم تكن عرفتها و لذا ارتبطت فى نف�سى غوايتها المبهرة بالمدينة الكبيرة فح�سدت أ�هلها .وهالني الفارق الرهيب بين متعها الملونة وليالي القرية الرمادية الكالحة . كانت رحلاتنا النادرة التي ا�صطحبني فيها أ�بي �إلى المن�صورة بعد رحلة الإ�سكندرية ،ق�صيرة وخاطفة ف أ�بي كان يكرهها .وكان ي�صحبني ليخفف من وط أ�ة �أحزانه �سبب م�أ�ساة مقتل �أخي (�سامي) يوم �سقوطه وموته الدامي على ا�سفلت ال�شارع من �شرفة منزل خالي ونحن ن�أكل 174
حلمي بمعاي�شة (ال�سابحات الفاتنات) الم�ضيئات على واجهة جنة (عدن) . ظلت الفكرة تطاردني وتملأ عل َى تفكيري ..ف�أخذت �أتحرى عن مواعيد القطارات الذاهبة �إلى (المن�صورة) وتلك التي تغادرها �إلينا .. و�أجمع القرو�ش قر�ًشا فوق قر�ش كبخيل أ�راري و أ�حرم نف�سي حتى من ال�ضروريات ولم تكن كثيرة ..خا�صة وقد ا�ستطعت �أن أ�قلل من (م�شاغلي) المحلية مثل رغبات ال�سباحة ومغامرات ال�سطو على جنينة (على �أبو ح�سن) .حتى تجمعت لدى كل ا ألدوات والمعلومات التي تجعل الرحلة لم�شاهدة (ال�سابحات الفاتنات) مي�سورة وقليلة المخاطر .ر�سمت خطتي أ�ن �أ�سافر في �أول قطار متجه إ�لى (المن�صورة) والذي ي�ستغرق ح�سب تحرياتي ثلاث �ساعات ون�صف تقري ًبا ..ف أ��صل إ�لى المن�صورة في العا�شرة والن�صف .ف إ�ذا ا�ستغرقت الم�سافة بين المحطة وبين ال�سينما ن�صف �ساعة أ�خرى وا�ستغرقت حفلة ال�سينما �ساعتين ون�صف ف�س�أجد أ�مامي وق ًتا مري ًحا كاف ًيا للعودة في �آخر قطار يغادر (المن�صورة) � .صحيح �أنه قطار ب�ضائع وي�ستغرق وق ًتا طويل ًا إ�لى قريتنا بحكم بطئه ال�شديد وكثرة المناورات التي يق�ضيها في معظم المحطات لقطر أ�و لترك عرباته المحملة بين القرى المختلفة.. ولكن كل هذا مقدور عليه (ف أ�نا ابن اخت فتوح أ�فندي) وهذا �سي�سمح لي علاوة على توفير تكاليف التذاكر ذها ًبا وعودة �سوف يعطيني فر�صة لركوب قطار الب�ضاعة ..أ�ما ت�أخري في الو�صول فلي�س مهما .. فكثي ًرا ما كانت مغامراتي المحلية ت�ستحوذ علي وتن�سيني مواعيد العودة المنا�سبة للحاق بموعد تناول الع�شاء العائلي المقد�س .. و�ضعت الخطة ..واخترت موعد ال�سفر .وحاولت أ�ن أ�ح�سن من علاقاتي بالعائلة و أ�كون مثال ًا للطيبة وال�سماحة وت أ�دية كل ما يطلب مني من طلبات وت أ�دية كل ما ت�أمرني به �أمي و�أبي و أ�ختي من مهام لدرجة 177
أ�نا بالذات لتزيد ح�سرتي ،فتلوح في لحظة عابرة في �آخرال�شارع الذي نم�شي فيه لتفاجئني وتقطع علينا الطريق ونحن في �شارع (داير البندر) .ثم تعود لتلحق بنا في (ال�سكة الجديدة) ثم تواجهنا ونحن على و�شك �صعود ال�سلم إ�لى محطة قطار العودة وفي كل مرة أ�عاود الإلحاح على أ�بي �أن يرق ويوافق على الا�ستجابة لإغرائها الغام�ض فنبيت الليلة لندخل ال�سينما بلا فائدة . كان أ�بي م�ص ًرا على العودة متجاهلا كل هذه الإغراءات للفرجة على تلك ا ألفلام ودخول جنة (عدن) !. وعدنا ..ولكن قلبي ظل يجوب �شوارع المن�صورة خلف تلك العربة الملونة بطبولها وبوقها وك أ�نني البهلوان ذى الطرطور الأحمر �أبو ال�شرا�شيب والبدلة المرقعة بع�شرات ا أللوان الذي يتقافز حولها يرق�ص ويغني مر�سلا خياله �إلى �إغفاءاتي مقتح ًما .غيامة الدمع الذي ظل يترقرق ح�سرة في عيوني ب�سبب القهر الذي يلاحقني لأنني لم ا�ستطيع �أن �أتذوق و�أ�ستعيد مرة �أخرى تلك الحالة التي �أده�شتني وزلزت كياني في �سينما (الهامبرا) .. وظل أ�بي يرا�ضيني معتذ ًرا عن رف�ضه تحقيق حلمي كلما مررنا بمن يبيع �شي ًئا من مغريات ال�صبيان ..لكن حزني كان �شدي ًدا لم تخفف منه �أكواب الع�صير (ال�سيفون) التي بهرتني ا آللة التي ت�شحن الليمون بالغاز فتعطيه طع ًما ومذا ًقا ح�ضريًا ..ولم ي ّحول كوز البطاطا ولا قرطا�س الترم�س والفول المع�صفر تك�شيرتي إ�لى ابت�سامة ر�ضا ..حتى الع�شرة قرو�ش الورقية الجديدة لم تفلح فى ذلك �إلا حين �أوحى ملم�سها لي بفكرة �أنني �أ�ستطيع عن طريقها مع بع�ض التفكير والحر�ص أ�ن �أدبر بهدوء لمغامرة محفوفة بالمخاطر �أ�ستطيع القيام بها دون ت�سلط من �أحد ..لكي �أحقق 176
تذاكر � .أن ي�شتري (لوكاندة) كاملة في حي (الح�سينية) ولذا خ�شى أ�ن �ألاحظ ذلك فتفلت مني خط أ� �أو و�شاية كلمة غير مق�صودة �أمام خالي عما �ألاحظه و�أراه . في محطة المن�صورة �أ�سرعت بالنزول من القطار والذوبان و�سط جموع الركاب حتى لا يلحظني (�صللي) �أفندي وي�سلمني لخالي و�إن خمنت �أنه لم يهتم بذلك .مثل ال�سواق الذي ان�شغل عني بمناورات الو�صول . �أ�سرعت في اتجاه باب الخروج قبل �أن ينتبه احدهم لي فيقوم بت�سليمي ! حين و�صلت البوابة اكت�شفت أ�ن الخروج �سيكون م�ستحيل ًا دون لفت الأنظار وكان علي أ�ن �أبرز تذكرة الركوب لي�سمح لي بالخروج موظف أ�بهة ذو كر�ش يليق ببا�شا يرتدي زيًا ر�سم ًيا أ�خ�ضر اللون تزينه �أزرار نحا�س ًيا و�شرايط ملونة على الذراعين ت�ضفي عليه هيبة بعثت الخوف في أ�و�صالي. فعدت �أبحث عن (�صللي) �أفندي إلنقاذي و إ�خراجي من هذه الورطة.. ولما لم �أره �أخذت �أردد بينى وبين نف�سي (�أنا ابن أ�خت فتوح أ�فندي) أ�هم�س بها ثم أ�تمتم محاول ًا تدريب نف�سي على نطقها دون �شبهة كذب �أو ا�سترحام .ولما اقتربت من الرجل المهيب الذي كان وجهه الم�ستدير المربرب الحليق يدل على مكانة �سامية توحي مع بدلته المكوية وك أ�نه رئي�س مجل�س ا إلدارة نف�سه .و�شعرت كم �سيكون محر ًجا ج ًدا لخالي أ�ن يعرف مثله �أن �أولاد �أخته و أ�قاربه يركبون القطار (�سفلقة) و�سيغ�ضب خالي لهذا ا إلحراج ج ًدا ..وهو الرجل الدوغري ! تقدمت م�ضطر ًبا من الرجل الفخم حار�س البوابة �أحاول أ�ن �أبدو عديم الخوف ..ونطقت الجملة التاريخية من طرف �أنفي ،عندما مد يده طال ًبا التذكرة ..ولا أ�دري هل �سمعني أ�م لا ..لأنه دون كلمة أ�و رد، مد ذراعه و أ�طبق بكفه على يا قتي ثم أ�طاح بي خلف ظهره ال�سمين. 179
أ�ثارت ده�شة الجميع ودفعتهم لتخمين �سبب هذه الروح الملائكية ،ولم يخطر لهم ببال �أنها ن�سائم عطرة من جنة �سينما عدن ..وبركة ال�سابحات الفاتنات .. في �صباح اليوم الموعود ا�ستيقظت مبك ًرا ..أ�و قل �أنني لم أ�نم تقري ًبا ليلتها من �شدة التوتر والانفعال .. ت�سللت مع دغمي�شة ال�صباح من البيت إ�لى المحطة ..في الوقت المنا�سب وحاولت أ�لا يلاحظني أ�حد وعندما وقف القطار �أ�سرعت وح�شرت نف�سي بين زحام ركاب ال�صباح البدري الذين وجدتهم يختلفون عن المتجهين في نف�س الوقت �إلى الاتجاه المعاك�س والذي تعودت أ�ن �أ�سلكه خلال �سنوات درا�ستي في مدر�سة الجمالية طوال عامي ما بعد الحرب .. لم يجادلني الكم�ساري طويل ًا ..بل ورحب بي عندما عرف �أنني (ابن أ�خت فتوح �أفندي) و�أنني ذاهب لزيارته في �شارع (�سيدي عبد القادر) (بالمن�صورة) ل�ش�أن عائلي .. -انت (�سمير ابن عبد الباقي �أفندي) .وم�سافر وحدك ليه يا �سمير؟. �أنت معاك زيارة؟.. -لا � ..أنا م�ش واخد زيارة ..دانا ح او�صل له ر�سالة ! في المحطة التالية ،جاء و�أ�شار �إلى أ�ن �أتبعه فنزلت وراءه ..ف�إذ به ي�أخذني إ�لى عربة ال�سائق ..ويطلب منه أ�ن يرعاني حتى ي�سلمني لخالي ي ًدا بيد !.. ورغم ابت�سامته الطيبة ومبادرته المجاملة � ..إلا أ�نني ف�سرتها برغبته في عزلي عن ميدان ن�شاطه ..حيث كان المعروف عنه لدى الجميع �أنه ا�ستطاع من خلال اختلا�س ن�سبة كبيرة من الإيراد الذي يح�صله دون 178
و أ�تبعها ب�ضحكته المميزة المجللة التي أ�حبها في الظروف العادية فهرب الخوف مني وا�ستعدت روحي خا�صة وقد عقد الرجل الفخيم ذراعيه على �صدره و أ��ضاءت ابت�سامة اعتذاره وجهه الذي بدا ك�سيد ق�شطة طيب ونبيل يقول : -هوه قال لي ..وقلت لازم أ�و�صله بنف�سي لح�ضرتك ! أ��سرعت �أنا ملهو ًفا خجل ًا �إلى ح�ضن خالي ..لكنه أ�م�سكني من كتفي وقد اختفت ابت�سامته وقد فهم ا ألمر . � -أوعى تكون ركبت القطر لوحدك ؟! بلعت ريقي وقلت أ�طمئنه : -لا أ�نا كنت مع (�صللي �أفندي) ..ب�س تاه عني وكنت هنا أ��س�أل عليه . عادت �إليه ابت�سامته الحانية وربت على كتفي وقال : -طيب يا للا ..ع�شان ت�سبقني على البيت ..يا (خ�ضري)!! �إن�شقت ا ألر�ض عن رجل طويل ب�صورة ملفته وت�سبق ر�أ�سه ج�سده اللاهث وك أ�نها تجره خلفها .لتعطي ما يكفي من حرية لحركة ذراعيه الطويلتين فتتطوحان بلا رابط ولا محاولة لحفظ توازنه فوق �ساقيه الفارعتين المرتبكتين : -نعم يا افندم !. -تاخد (�سمير افندي) وتو�صله إ�لى البيت .ت�سلمه لل�ست هانم ي ًدا بيد وترجع لي قوام .وتقوم لهم يح�ضروا الغدا على ما آ�جي ..يا للا يا (�سمير افندي) ! أ�عجبتني (�سمير افندي) هذه و�إن لم ت�ستطع �إخفاء ح�سرتي لأن ا ألمور تم�ضي على نحو لا أ�ريده ..وجود هذا الحار�س الفارع �سيف�سد 181
ووجدت نف�سي مح�شو ًرا بين الحائط المدهون بالزيت وظهره العري�ض ذى الت�ضاري�س التي خنقتني ..و�ألجمتني المفاج�أة و�شلني الرعب ..ولم ينطق هو بكلمة ولم يلتفت نحوي لدرجة ظننت �أنه لم ي�سمعني فقط بل ولم يرني أ��صل ًا .. ظللت م�شلول التفكير لفترة وحين ا�ستعدت نف�سي والتقطت �أنفا�سي بد أ�ت �أفكر في طريقة للهرب من الأ�سر والت�سلل بح ًثا عن �أي مخرج عبر �سور المحطة ..ثم �شلني تفكيري – كيف �سي�ستقبل خالي هذه الكارثة حين ي�صله أ�ن ابن أ�خته ظبط مت�سلل ًا من (ميت �سل�سيل) حتى (المن�صورة) بلا تذكرة ..م�ستخد ًما إ��سمه ؟! فج أ�ة �سمعت من بعيد خالي ينطق إ��سمي في ده�شة وا�ستغراب ب�صوته العميق الآمر الذي يجبر من ي�سمعه في ا ألحوال العادية على التزام حدود الأدب : � -سمير ؟! لم �أتبين حقيقة لهجته في البداية ألنني ظننت أ�ن ذلك �أحد هلاوي�سي ..لكنه كان �صوته وكان هو ب�شحمه ولحمه منت�ص ًبا �أمامي و�أنا مح�شور لا �أ�ستطيع الحركة خلف ذلك الفخم الذي تراخي �أمام ح�ضور خالي الطاغي ف أ�ف�سح مجال ًا لحركتي مواج ًها خالي : � -إيه اللي جابك هنا ؟ ..وواقف كده ليه ؟ لم �أجد فر�صة للإجابة ألن ل�ساني انعقد وتجمد في حلقي عندما ر�أيت ظهر الرجل الفخيم يلين ويلتفت إ�ليه ويرفع ذراعه التي �سجنتني بما ي�شبه التحية الع�سكرية ويقول فيما ي�شبه الاعتذار : -أ�نت تعرفه ح�ضرتك يا �سعادة البيه ؟ -ده ابن أ�ختي .!. 180
الغاز في �أكواب الع�صير .وكنت قد دفعت له الثمن مقد ًما ..وخرجت ب�سرعة قبل �أن يتنبه (خ�ضري) لغيابي وانطلقت في (ال�سكة الجديدة) بعي ًدا حتى و�صلت �إلى �شارع ي�ؤدي إ�لى (ال�سكة القديمة) ومنها إ�لى �شارع البحر قا�ص ًدا �سينما (عدن) .. حين و�صلت إ�لى ال�سينما �صدمت ..فلم تكن هناك حفلة في ال�ساعة العا�شرة ..ولم تكن ال�سينما تعمل �سوى حفلتين في ال�ساد�سة والن�صف وفي التا�سعة م�سا ًءا ولا ت�شتغل حفلات نهارية �سوى يوم الجمعة فقط !.. وحزنت لدرجة كادت تخنقني دموع الغيظ ..ولم يكن أ�مامي �سوى �أن �أذهب للبحث عن (خ�ضري) و�أدعه ي�سلمني إ�لى بيت خالي ..أ�و �أن �أعود مك�سور الخاطر �إلى القرية ،دون �أن أ��شاهد (ال�سابحات الفاتنات) . م�ضيت �أت�سكع �أمام ال�سينما أ�ت أ�مل ال�صور الملونة المعرو�ضة في الفيترينات الزجاجية ..وارتحت قليل ًا عندما علمت أ�ن (الفيلم) �سيعر�ض قريب ًا ولي�س الآن .وطيب هذا خاطري قليل ًا و�أخذت أ�دور حول ال�سينما حزي ًنا ..وقررت العودة أل�صل قبل انك�شاف غيابي لأهلي فقد يخفف هذا من تقريعي ،لما �سي�سببه �سفري دون �إذن من قلق وفو�ضى . تجنبت طريق (ال�سكة الجديدة) حتى لا يقابلني (خ�ضري) وم�ضيت �أقطع (ال�سكة القديمة) في اتجاه المحطة ..في (ميت حدر) وجدت نف�سي أ�مام �سينما �أخرى قر�أت ا�سمها (�سينما رك�س) وكان مدخلها يعج بعدد من ال�صبيان في مثل �سني يتطلعون ب�شغف لما على الحوائط خلف الزجاج من �صور � ..أكثرها لأفلام أ�جنبية و ألبطال يرك�ضون فوق الخيول ويطلقون الر�صا�ص ..ويقبلون ن�ساء في غاية الجمال ..وكان ال�صبية حولي يحدثون �ضجي ًجا عال ًيا ويقلدون أ��صوات الر�صا�ص ب�أفواههم ويتبادلون اللكمات الوهمية ..واندمجت في الفرجة عليهم ثم خفت أ�ن أ�تاخر فهممت 183
خطتي التي لم تعمل ح�ساب مقابلتي لخالي من أ��صله .لكنه لم يترك لي فر�صة بعد أ�ن �أ�صدر أ�وامره (للخ�ضري) وتركني له وم�ضى ليطلق �أوامر أ�خرى بينما �أ�صابع حار�سي الطويلة تقب�ض ب�شدة على ذراعي لتظهر مدى تفانيها في تنفيذ الأوامر .. خرج بي (الخ�ضري) من المحطة وقد تحطمت �أحلامي في �سرعة الانطلاق �إلى �سينما (عدن) ور�ؤية الأفلام والعودة كما رتبت وخططت.. وودعنا الرجل الفخيم بابت�سامة طفولية رائقة ك أ�نه ي�سخر مني لاف�ساده خطتي دون �أن يدري ..فقد �أ�صر على تحيتي ب�ضرب تعظيم �سلام وهو يقول را�ض ًيا عن نف�سه : -مع ال�سلامة .. لم أ�لتفت .ولم أ�رد عليه ,فقد كان كل همي �ساعتها �أن �أنفلت من قب�ضة (الخ�ضري) الفولاذية ..لأحاول �إنقاذ ما يمكن من خطتي لر�ؤية الأفلام والعودة ب�سرعة .ألنني لو و�صلت إ�لى بيت خالي ..فلن �أ�ستطيع �أن �أفعل �شي ًئا و�سيكون موقفي في غاية ال�سوء ..خا�صة لو عرف خالي حقيقة ال�سبب وراء مغامرتي التي يهددها الف�شل الذريع . بعد �أن عبرنا الكوبري ،م�ضينا في طريقنا و أ�نا لا �أكف عن التفكير في طريقة ل إلفلات من قب�ضة (خ�ضري) وجدت نف�سي �أمام محل الع�صير الذي �سقاني فيه أ�بي ع�صير الليمون المعالج ب�آلة الغاز .فطلبت من (خ�ضري) . �أن ن�شرب الع�صير لكنه اعتذر ب�أنه لا يحمل نقو ًدا ا آلن ..ف�أخبرته �أنني �سوف أ��ضيفه فتمنع ثم قبل بعد �إلحاح وخفت قب�ضة أ��صابعة .دفعته �أمامي لداخل المحل وتعمدت ان �أغريه بالجلو�س في عمق المحل ..بينما طلبت أ�نا من الرجل الذي يعمل على آ�لة الغاز (ال�سيفون) كوبين من الع�صير وحملتهما إ�لى حيث يجل�س (خ�ضري) وو�ضعتهما �أمامه ،وا�ست�أذنت منه ألدفع الح�ساب ..وعدت �إلى مقدمة المحل حيث الرجل المنهمك في �ضخ 182
عقدة من ل�ساني ... كنت في الثامنة تلمي ًذا في ال�صف الثاني الابتدائي ..في مدر�سة (الجمالية دقهلية) التي ت ْبعد �إلى ال�شرق من قريتنا م�سافة 5كيلو مترات تقري ًبا .. كنا نركب للذهاب إ�لى المدر�سة واحدة من اثنتين ..قطار �سكة حديد وجه بحري (الفرن�ساوي) ،الذي عادة ما يكون قاطرة ت�سحب عربة �أو عربتين ،مفتوحتين من كل جانب للهواء الطلق .إ�ن �أمكن �إغلاق بع�ض �شبابيكها في ال�شتاء تكون نعمة وف�ضل � ..أو يكون قاطرة طويلة ،هي القاطرة والعربة في نف�س الوقت ،حيث يجل�س ال�سائق في (كابينة) �ضيقة ج ًدا في المقدمة ،بينما الموتور ال�ضخم يم أل فراغ الجزء ا ألكبر من العربة. تتناثر حوله عدة دكك خ�شبية أ�و حديدية .في 185
بالإن�صراف �أ�س ًفا ..لكني لمحت عربة يد بجوار مدخل ال�سينما عليها كوم من ال�صور الملونة لممثلين وممثلات م�صريات و�أجنبيات ولما �س�ألت الرجل الذي يجل�س على طرف العربة قال �أن ال�صورة بقر�ش ولما ترددت قال : -بتعريفة ال�صغيرة والكبيرة ب�صاغ ! قاومت ترددي و أ�قنعت نف�سي �أن هذ قد يكون ت ْعوي ً�ضا كاف ًيا لعودتي دون ر ؤ�ية الفيلم � ..أخذت �أفح�ص ال�صور و�أقارنها و أ�ختار منها الأجمل . وكم كانت فرحتي حين وجدت واحدة لطابور (ال�سابحات الفاتنات) .. ودفعت تمن المجموعة وم�ضيت إ�لى المحطة �سعي ًدا رغم ت أ�كدى �أن الرجل غال َى فى الثمن ،ولكنى لم اكن املك وقتا للم�ساومة كما اقنعت نف�سى أ�ن �صرامته لن ت�سمح ب�أى تفاو�ض مما جعلنى �أم�ضى ..ن�صف مجبور الخاطر ..ن�صف قلق لما �سيفعله خالي عندما يعود (خ�ضري) إ�ليه ويعلنه فقد الابن الثاني (لعبد الباقي) في الزحام ! ت�سللت �إلى �شباك التذاكر وقطعت تذكرة (لميت �سل�سيل) وعبرت البوابة عندما ت أ�كدت �أن الرجل الفخيم لي�س هو الحار�س عليها .توجهت إ�لى القطار المغادر بعد قليل واختفيت في جوفه حري ً�صا على �ألا يراني �أحد. أ�راقب ف�ضاء المحطة في قلق . وقبل �أن يتحرك القطار توجهت إ�لى �أحد العمال الذى ي�شير للقطار بالرحيل وقلت له : -أ�نا ابن أ�خت (فتوح �أفندي) ..لو �سمحت لما تقابله قول له إ�ن (�سمير) ركب القطر ورجع (ميت �سل�سيل) . مت�صو ًرا �أن هذا قد يخفف قليل ًا من الا�ضطراب الذي قد يكون �سببه �ضياعي في الزحام. ••• 184
�أو المركز .ولم يحدث �أب ًدا طوال مدة درا�ستي -في مدر�سة (الجمالية) الابتدائية في الفترة الممتدة من قبيل -هبة الطلبة والعمال �ضد (النقرا�شي و�صدقي) والانكليز �إلى ما بعد نكبة � ، 48إن �سمعت زمارته تلك ولم �ألحق به إ�لا في مرات قليلة ..قد أ�حكي أ��سبابها �إذا �سمحت الظروف .فكل من ي�سمع �صوته ..يمكنه �أن يلحق به ..هذا هو قانونه العرفي الذي التزم به الجميع .والذي يرتب الكل عليه حياتهم �سواء كانوا تلاميذ �أو باعة .. �أو مدر�سين .. حين كنت لا �أفعل ،كنت انتظر عربة عم (عبده عواد) التي كانت ت�صل �إلى قريتنا بعد ال�سابعة بقليل ،وفي ذلك كانت مخاطرة كبيرة ، تعر�ضني و أ�مثالي لخطر تلقي وجبة إ�فطار ،من م�سطرة أ�و خرزانة الأ�ستاذ (ها�شم) مدر�س ا أللعاب الريا�ضية . و ألن ا أل�سطى (عبده عواد) رجل طيب وم�ؤدب ومجامل ،يعرفه كل ركاب الخط ..لم يكن يهمه الإ�سراع بقدر ما يهمه انتظار كل م�سافر براحته ..ومنهم الأ�ستاذ (ها�شم) نف�سه ..الذي كان غال ًبا ما يلمحه ا أل�سطى (عبده) من بعيد مختر ًقا حقول قريتهم (ميت مرجا �سل�سيل) ،التي تف�صل بيوتها عن ال�سكة م�سافة ما يقرب من ن�صف كيلو متر من الحقول ، في�ضطر لانتظاره حتى ي�صل �إلى الزراعية ،عبر الج�سور الزلقة بفعل الندى أ�و المطر .وهو �صاحب الج�سم ال�سمين الثقيل الخطو والحركة ..وبعد ذلك ينتظره الجميع �إلى �أن تتم بنجاح عملية �صعود (الأ�ستاذ) ،واختراقه كتلة الركاب التي ي�شكل الفراغ بجوار ال�سائق برو ًزا �شديد الكثافة منها ..لذا كانت عملية ح�شر ا أل�ستاذ (ها�شم) ت�أخذ وق ًتا حتى ت�ستوعبه الكتلة متعددة الر ؤ�و�س وتمت�ص الكتلة ذات الر أ��س الواحد .. 187
ال�شتاء يكون ركوبها نعمة في الحقيقة ،إ�ذ �أن الموتور رغم �صوته المزعج و�أبخرة الجاز والزيت المت�صاعدة منه ي�صبح ملا ًذا من البرد .خا�صة و�أن موعد تلك العربة (المكيفة) كان ال�صباح الباكر ج ًّدا ..قبل �شروق ال�شم�س بكثير .. يتكد�س الركاب في فراغ (الديزل العربة) حول الموتور وفوقه .. وكان ركوبها في ال�شتاء كما قلت ،نعمة حيث الزحام تلاحم والحديث �صراخ ،وال�ضجيج يخترق �سكون الريف الهادئ المدغم�ش ،ليعلن أ�ن هناك ما �سيقلق راحته إ�لى الأبد ،مبدل ًا الروائح والأ�صوات والمناظر والعلاقات داه ًما كل �شيء منذ ًرا بع�صر ال�صراخ وبخار الزيت والنفط والزحام .. كان اللحاق بالقطار على أ�ي �صورة ينجينا مما نتعر�ض له في المدر�سة � ،إذا ما فاتنا الموعد وا�ضطررنا لركوب الو�سيلة الثانية ،وهي �أوتوبي�س �شركة ال�شرق (ف ؤ�اد دروي�ش) ..مع �سائقه الأ�شهر الأ�سطى (عبده عواد) الذي كان في حالات روقانه ،يتركنا نزمر بدل ًا منه ،مطلقين ذلك ال�صوت الفريد العميق العري�ض الغام�ض ..إ�ذا ما �أ�سعد الحظ أ�حدنا ووجد مكا ًنا إ�لى جواره .. في ال�ساد�سة والثلث عادة ..كان الديزل ذو الموتور الهادر ي�أتي مهت ًزا ذات اليمين وذات ال�شمال على الق�ضيبين الرفيعين المتجاورين ك�أنه فقي في حلقة ذكر ،يكاد ي�صل إ�لى لحظة الاندماج ..مختر ًقا دغمي�شة ال�صبح غير مكترث بال�ضباب أ�و البرد أ�و حتى الظلام .. ن�سرع عبر الحواري ال�ضيقة الملتوية مع أ�ول �صرخة يطلقها عند مغادرته قرية (الكردي) ..تلاميذ وتجار �سمك وتاجرات خ�ضار وبائعوا �أق�شمة وح�صر وعمال وموظفون ومزارعون لهم م�شاكل في المحكمة 186
يحرجه ويحرمه �أن يقوم ولو لمرة واحدة -ب�إطلاق الزمارة العجيبة ذات ال�صوت الغام�ض ال�ساحر الممطوط .مثلما نفعل نحن . في تلك ال�سنة قررت المدر�سة الاحتفال بمولد (ح�ضرة النبي) احتفال ًا كبي ًرا ..ت�شترك فيه القرية كلها ..وخا�صة أ�ن الاحتفالات ومواكب المولد كانت م ؤ�جلة طويل ًا ب�سبب الحرب .. ا�ستعدت المدر�سة بتجهيز فرق الق�سم المخ�صو�ص والك�شافة.. وانهمكت مجموعات في حفظ أ�نا�شيد و أ�غاني دينية وم�صرية ..كما اختير عدد من الأولاد لحفظ والتدريب على تمثيلية دينية � ،ألفها مدر�س اللغة العربية (الأ�ستاذ المعاملي) ..والحقيقة �أن الا�ستعداد لهذا الاحتفال الكبير جعلنا نكت�شف ا أل�ستاذ (ها�شم) من جديد ..فقد كان �شعلة ن�شاط .كان الدينامو المحرك لتدريبات فرق الك�شافة والق�سم المخ�صو�ص ،باعتباره مدر�س الألعاب .ولكنه أ�ي ً�ضا كان يلحن ا ألنا�شيد و أ�ي ً�ضا هو الذي يقوم بتدريب فريق التمثيل الذي كنت �أحد أ�فراده .. كانت (كتلة) الأ�ستاذ (ها�شم) (تطز) ككرة خفيفة من المطاط العجيب بين الطوابير والمجموعات ..في ر�شاقة وخفة ..يتدحرج هنا وهناك ..يلقي تعليماته ب�صوت إ�وزة �سمينة تعرف أ�نها �سوف تذبح في الم�ساء ..كان قد اختبرنا في التمثيل وفي الحفظ ..ووقع اختياره عل َّي ألقوم بدور (الأمين) ..ولعب �صديقي (المر�سي) دور (�أبو جهل) ..و(عزيز) دور ( أ�بو لهب) ..بينما قام (عبد الحميد) بدور (عبد المطلب) ..وكمال بدور (�أبو طالب) ..و�آخرون ب أ�دوار (عمر) و( أ�بو بكر) والآخرين .. 189
والحقيقة �أن قلوبنا ،نحن تلاميذ مدر�سة الجمالية الابتدائية ،الذين لم ي�سمعوا زمارة الديزل مثلي -ولم يلحقوا به ..كانت ت�سقط في �أرجلنا. ونظل نتمنى وندعوا الله أ�ن تبوء محاولات إ�دماج كتلة ا أل�ستاذ (ها�شم) في الكتلة ا ألم بالف�شل .لكن طيبة (عم عبده) التي تفوق �سماحه لنا �أن نزمر بزمارته ..كانت تدعوه للوقوف حتى تتم عملية ا إلدماج ب�سلام ..ومن ثم يقطع الكيلو مترين الباقيين �سعي ًدا .يتبادل النكات مع الأ�ستاذ (ها�شم) الذي يكون ح�ضوره قد �ش َّكل ثقل ًا أ�خر�سنا ..وما أ�ن تقف العربة ..وتبد�أ كتلة الأ�ستاذ (ها�شم) مناورات الانف�صال عن الكتلة ا ألم ،حتى يدفع بنا تخلخلها ويقذف بنا خلفه �إلى ا ألر�ض .. يا ويله من يحاول منا ا إل�سراع كي ي�سبقه �إلى المدر�سة ..فالأ�ستاذ (ها�شم) يكون خلال وقوفه بجوار ال�سائق قد �أح�صانا وعرفنا واح ًدا واح ًدا ..وما �أن ي�صل موكبنا -وهو يتقدمنا � -إلى باب المدر�سة ..وما أ�ن يفتح الباب ويدخل ..حتى يتناول الع�صا من يد البواب أ�و ي�أمره ب�إح�ضار أ�ي �شيء ي�صلح للمهمة ..تعودنا لحظتها أ�ن نر�ص أ�نف�سها في طابور ونتقدم فاردين كفوفنا مقلوبة ،معر�ضين ظهرها لتلقي ما ي�سمح به كرم وعطف الأ�ستاذ (ها�شم) جزاء ت�أخرنا عن اللحاق بالديزل ..وم�ساهمتنا في ح�شره في زحام الأوتوبي�س .. هذا ما كنت �أعتقده أ�نا ..الأ�ستاذ (ها�شم) لم ي�صرح بذلك ،و إ�نما كان يجد �سب ًبا �أو آ�خر لعقاب كل منا ..هذا لم ينظف حذاءه ..ذلك لم يح�ضر منديل ًا ..والآخر لم يق�ص �أظافره ..و أ�نا لم �أق ِّر�ص �شعري .. ولكني مع ذلك كنت م�ص ًّرا على اعتقادي � -أنه �إنما يعاقبنا لا على الت�أخر عن موعد الطابور وبداية الح�صة الأولى ولا �أي �سبب مما يذكر ..و إ�نما لمزاحمتنا له على �سلم الأ�سطى (عبده) ولأن وجودنا بجوار ال�سائق كان 188
و�أولياء الأمور ..وحيث كانت خ�شبة م�سرح قد أ�قيمت بين حجرة الناظر وحجرة ا أل�شغال وهي �شرفة مربعة يظللها �سقف من الخ�شب ،علقت على مقدمتها �ستارة متحركة � ..صنعها الأ�ستاذ (الع�شي) مدر�س الر�سم ، بطريقة فنية .بحيث تفتح وتغلق ك�أي �ستارة م�سرح ،بوا�سطة حبل واحد يتولاه أ�حد التلاميذ . وكانت غرفة الناظر المح َّرم دخولها �أو الاقتراب منها لغير �ضرورة م�ؤكدة ،قد �أ�صبحت غرفة للملاب�س وللمكياج � ..شغلناها نحن الذين تدربنا على التمثيل لتغيير الملاب�س ،وو�ضع ما يلزم من دقون و�شوارب ، وكان ذلك ( أ� َم َلة) كبيرة .ارتدينا ملاب�سنا ..ارتديت أ�نا جلبا ًبا أ�بي�ض ، (ي�شرب الع�صفور من عليه ل�شدة بيا�ضه) � ،صنعته وغ�سلته وكوته أ�مي ، وقر�أت عليه (عد ّية يا�سين) مرات كثيرة عندما عرفت أ�نني �س أ�قوم بدور المباركات ا.لحو�سعانددمواهجيرتبتطهل عبل َّلييبالخهردتانيةيطوورقتلناليعبمالر�س.ب.عو�أرقنييام ألت (ا ألمين) قلبي حب من أ�عين (ا ألمين) الذي اختارني أللعب دوره .. تقدمت فرقة الغناء (جماعة الأنا�شيد) وقدمت عدة �أنا�شيد وتلتها جماعة الخطابة .حيث تبارى التلاميذ في �شرح حكمة المولد وحكمة الاحتفال به ..ثم أ�علن عن م�سرحيتنا التي أ�عدها مدر�س اللغة العربية و�أخرجها مدر�س الر�سم ..وقام بتدريبنا عليها الأ�ستاذ (ها�شم) الذي قوبل ا�سمه بت�صفيق حار ي�ستحقه .. وما �أن بد أ� التمثيل ..وارتفع �صوت �أهل مكة الكفار يت�صارعون ويختلفون حول و�ضع الحجر الأ�سود ،حتى �شعرت بريقي قد جف وقلبي يتوقف ..و�إن كنت �أ�سمع نب�ضه يدوي في �أذني ..و أ�نا �أن�صت للكلمات التي �أ�صبحت تملأ ال�ساحة ،ت�ضخمها مكبرات ال�صوت ،وت�ضاعفها الدماء التي اندفعت حارة لطبلة �أذني ..وما أ�ن نطق (المر�سي) يجملة .. 191
كانت القرية بقيادة المدر�سة ،والمدر�سة بقيادة ا أل�ستاذ (ها�شم) ، تقفان على قدم و�ساق لعدة �أيام �سبقت الاحتفال ُ ..نظفت ال�شوارع وتم كن�سها ور�شها ..انتظم الباعة في �أماكن بعينها ..بعي ًدا عن الم�سار المحدد للموكب و ُعلقت الزينات ..فوق واجهات الدكاكين وفي ال�شرفات .. أ�علام ملونة حمراء و�صفراء و�سوداء ..علاوة على علم م�صر الأخ�ضر الحبيب ذي الهلال والنجوم الثلاثة .. ابتد�أ الموكب من الم�ساحة الخالية �أمام المدر�سة ،يتقدمه مدير المديرية وم�أمور المركز والحكمدار وعمدة (الجمالية) .وطب ًعا ناظر المدر�سة ورجال مجل�س المديرية و�أعيان البلدة والقرى المجاورة ..وخلفهم كان طابور الخفراء والع�سكر و�أمامهم طابور الك�شافة والق�سم المخ�صو�ص في خطوة منتظمة على هدير دقات الطبول ..و�صفارة ا أل�ستاذ (ها�شم) الذي كان يتحرك في ر�شاقة وخفة كع�صفور . وخلف الموكب الر�سمي �سارت عربات الكارو تحمل كل واحدة رجال حرفة من الحرف ،حدادين ونجارين وخياطين وحلاقين ونقا�شين وترزية ومبي�ضي نحا�س .وق�صا�صين و�سروجية و�صناع ح�صر و�أقفا�ص.. �صيادين و�صناع مراكب ..وكل منهم يمار�س فعل ًا من �أفعال حرفته. وعلى الجانبين تجمع أ�هل القرية والقرى المجاورة .وانطلقت الزغاريد من ال�شبابيك وال�شرفات ومن فوق �أ�سطح المنازل ،حيث لاعبت الريح �شيلان وطرح وجلاليب الفتيات والن�ساء الملونة ..واختلطت �صيحات الفرح بالزغاريد ..بتهاليل المن�شدين ورنات �صاجات �أ�صحاب الطريقة مع المزاهر والدفوف .. مر الموكب في كل ال�شوارع الرئي�سية بالقرية ،ليعود مرة �أخرى �إلى حو�ش المدر�سة حيث جهزت مقاعد لعدد كبير من ال�ضيوف و�أهل القرية 190
ا�سترد المتفرجون �شهقتهم المنده�شة ..و�صاحوا مهللين �إعجا ًبا .. وهم يرون كفار قري�ش وكبارها يتقدمون طائعين .يحملون الثوب وفوقه الحجر ا أل�سود ،حتى ذلك الجدار الذي لم يكتمل بنا ؤ�ه في الخلفية ..ولما و�صلوا �إليه وقفوا حائرين ،ينظرون لي مت�سائلين ..تقدمت منهم مرة �أخرى ..حملت الحجر وو�ضعته في ب�ساطة متناهية في مكانه ..وقلت ب�صوت جهوري حازم : -الآن لا خلاف � ..أكملوا البناء .. لا �أ�ستطيع �أن أ�قرر بال�ضبط أ�و �أ�صف ما حدث بعدها ..فقد كنت �شبه غائب عن الوعي ..ولكن �أكف النا�س لم تكف عن الت�صفيق طب ًعا . لب�ساطة الفكرة العبقرية التي ح�سم بها (ا ألمين) الخلاف بين رجال قري�ش ..الذين �سوف يقاتلونه ويعذبون �أن�صاره فيما بعد .. فا�ضت الزغاريد وغطت على الأنا�شيد التي ختمت بها الم�سرحية .. وجدت مدر�س الر�سم يحت�ضنني �سعي ًدا ،وهو يقبل جبهتي .و�سمعت أ�مي بل ور�أيتها من خلال غيامة الدموع التي م ألت عيني ،تربت فوق ظهري وته ِّون عل َّي ما أ��صابني من رع�شة ،انتابت ج�سدي من �شدة الانفعال .. ولمحت ا أل�ستاذ (ها�شم) يخرج منديله ،ويم�سح به العرق الذي تفجر من جبيني ! بعدها لم ي�ضربني ا أل�ستاذ (ها�شم) على باب المدر�سة أ�ب ًدا ،مهما فاتني موعد الديزل ،وا�ضطررت �أن أ�زاحمه في أ�وتوبي�س (عبده عواد) .. بل ولم ي�ضرب �أي تلميذ �آخر بعدها لأي �سبب!! ••• 193
-ها هو (ا ألمين) !! حتى وجدتني مدفو ًعا بلا إ�رادة �إلى خ�شبة الم�سرح .لم �أعد �أب�صر �شي ًئا � ..سال عرقي على عيوني ..و�ساد �صمت خيل إ�ل َّي أ�نه دام إ�لى الأبد، لدرجة لم �أتبين ما قيل لي بال�ضبط ..ولكني �سمعت �صوتي يخرج هاد ًئا في موعده رزي ًنا عمي ًقا ُ ..خيل �إل َّي �أن �أمي ت�سمعه على بعد ما بين قريتنا و(الجمالية) ،بل خيل �إل َّي �أني �سمعتها تبكي وتدعو لي ف�صرخت : -إ�يتوني بثوب ! ولابد �ساعتها اندفع الكفار ،بعد �أن نظر بع�ضهم لبع�ض منده�شين ، تنفي ًذا لتعليمات الحركة التي ر�سمها ا أل�ستاذ (الع�شي) ..و�أ�سرع بع�ضهم ف أ�ح�ضروا قطعة قما�ش كبيرة من قما�ش (المحلة) ..خيل �إل َّي �أن بع�ضهم اقترب به مني ..إ�ذ وجدتني �آخذه منهم و أ�فر�شه على الأر�ض .و�سط ده�شتهم المفتعلة و�صمتهم ال�ضروري ،الذي �أجبر المئات من الم�شاهدين في الحو�ش وعلى ا أل�سطح المطلة على المدر�سة ..على ال�صمت الرهيب انتظا ًرا لما �سيفعله (ا ألمين) . لم أ�خيب رجاءهم .وتقدمت في وقار و�شموخ ..حملت (الحجر الأ�سود) الذي �صنعه الأ�ستاذ (الع�شي) من الورق المطبوخ � ..سمعت �شهقة جماعية من كل الحا�ضرين ..فقد بدت ال�صخرة المقد�سة خفيفة يحملها (الأمين) بكفيه الرقيقتين كمعجزة وخطوت بها و أ�نا �أدعي ثقلها ..ثم انحنيت أل�ضعها و�سط الثوب المفرود ..و أ�خذت أ�نظر م�ستمل ًحا ال�صمت ال�سائد في عيون الكفار وك أ�نني أ�قول لهم ( ..لو كنتم تفقهون!) وقلت : -لي أ�خذ كل منكم بطرف ! 192
أ�ن تزوده بطرق طهي الم�س ِّبك حتى يب ّر نف�سه ولا يكون (لخمة ومحروم) مثل من يحكي عنهم من التلاميذ .. المرة الأولى التي كان للعودة من الغرب طعم مختلف حزين ومر كالعلقم ..كان قبل (النكبة) ب�سنوات أ�ثناء الحرب ..و أ�بي يقودنا مكلو ًما ألن �أخي الذي ُرزق به بعدي ،مات بطريقة فاجعة لا يمكن تبريرها ولا تخطر على البال دون �أن تترك جرا ًحا غائرة لا تندمل � ،إلا بالا�ست�سلام إلرادة الله .إ�ذ لم يكن ع�سي ًرا علينا منع الفاجعة ببع�ض الحذر والحر�ص المفتر�ض توفره عند �أي منا أ�و عند الخالة ..كان (�سامي) مري ً�ضا وذهبنا أ�بي و�أمي و�أختي و أ�نا لبيت خالي في (المن�صورة) لعر�ض المري�ض على طبيب مخت�ص.. كانت ظروف الحرب تفر�ض على ال�سفر قيو ًدا �صعبة ،جعلت الرحلة حل ًما غام�ض الملامح ..ركبنا عربة مغلقة ،جل�سنا فوق �أر�ضها على كليم أ�و ح�صيرة ،حتى و�صلنا (المن�صورة) وهذا لم يكن متا ًحا �أو �سهل ًا إ�لا ألن خالي أ��صبح له �ش أ�ن في ال�شركة بعد ترقيته من ناظر محطة (المطرية) �إلى (مفت�ش مفاجئ) .. يخيل �إلى أ�نها كانت عربة (�سبن�سة) �أو على ما يبدو كانت (عربة ما�شية) جديدة .كنا نحن أ�ول من ركبها � ،أذكر أ�نه حين فتح بابها ال�ضخم ،عندما توقف القطار كانت له قعقعة ،جعلت �أختي ت�صرخ فز ًعا وكنت نائ ًما فانتف�ضت ..فاج�أتني الأ�ضواء الزرقاء الباهتة كالنجوم متناثرة معلقة تملأ �صفحة ال�سماء ..ت�ضفي على الليل �سح ًرا غام ً�ضا ،لم تكن نجو ًما كما خيل �إلي .حتى تبين لي أ�نها نوافذ بيوت عالية تحدق �صامتة ..وم�صابيح �أعمدة باهتة ..وك�شافات عربات ركوب وفواني�س عربات حنطور، تختلط وتتمازج مبهمة تهوم في ذاكرتي ،حتى الآن مثلما تلوح بها الانعكا�سات الغام�ضة المتحركة لأ�ضواء ال�شارع في النهار وفي الليل من خلال �شي�ش النوافذ القديمة العالية � .صانعة لوحات حية متحركة غام�ضة.. تبهت وتهم�س ..تقتحم رمو�ش عيني ن�صف الناع�سة ،في توا ٍز وتوا ٍل ، 195
ِقبلة تر�ضاها ... ( لميت �سل�سيل) طعم خا�ص في كل مرة أ�عود إ�ليها ..ومن �أي جهة أ�دخلها ..راك ًبا �أو ما�ش ًيا .. كنت أ�عود من الغرب دائ ًما في قطار �سكك حديد وجه بحري على مدى �سنوات طفولتي و�صباي � ..أحيا ًنا كثيرة قاد ًما من (دمياط) في الحادية ع�شرة من عمري -على مدد متفاوتة ، ألق�ضي الخمي�س والجمعة �أو ا ألجازة لمدة �أ�سبوع ،ملهو ًفا في ال�شتاء لدفء الأ�سرة ،ولطعم مح�شي الكرنب بالكوارع فوق ال�سطح الم�شم�س � ..أو ل�صواني (ال�صيادية) وا ألرز الأحمر التي طالما وفقت (�أم �سمير) مواعيدها مع مواعيد و�صول الابن البكري (الغريب فى مدن الأغراب) .وهي تحاول 194
وجهها الغارق في �شعرها المهو�ش المك�شوف ،مخترقة جمعنا المنهار ، فاندفعنا وراءها هابطين ال�سلم نحو باب البيت .. هناك ..كان (�سامي) مطرو ًحا على الأر�ض ا أل�سفلتية القا�سية �أمام عتبة الباب ال�صخرية ،جثة هامدة كحيوان أ�ليف �صغير لا حياة فيه .. ولا حركة �سوى م�سيل خيط الدم الأحمر الذي غمر لونه الغ�ض تلك ال�صورة القا�سية ،مختل ًطا بكل الظلال ال�سوداء ،وا أل�ضواء الزرقاء الباهتة التي حا�صرتني بها (المن�صورة) ليلة و�صولنا م�ؤطرة ب�صرخات لوعة �أمي و آ�هات الحزن الفاجع المكتومة في نهنهات �أبي المُ َّرة .وبكاء خالي ال�صريح كطفل �أو�سعته �أمه �ضر ًبا لذنب لم يرتكبه فك�سرت نف�سه بق�سوة .. بنف�س القطار عدنا في عربة مك�شوفة هذه المرة ..كان الدخان الثقيل الرطب يغمرنا طوال الوقت برائحة غريبة لبخار ماء حام�ض وخ�شب طري محترق ..بعد خروجنا من (كفر عل َّام) بم�سافة طويلة .. ر�أيت �أبي ي�صرخ وهو ينط قاف ًزا العربات المك�شوفة و�سط عا�صفة الدخان محاول ًا الو�صول �إلى القاطرة ليوقف القطار .في نف�س الوقت لمحت الحقيبة الجلدية الكبيرة التي و�َّسدوا فيها خفية جثة أ�خي ،ليدفن في القرية تجن ًبا للوقوع في تعقيدات قانونية ،وم�ساءلة لا يدري أ�حد كيف تنتهي ،طائرة مع الريح والدخان والغبار ثم تتدحرج على الطريق الزراعي المجاور ل�شريط القطر لت�ستقر مجهدة في حقل قمح . توقف القطار ،بعد أ�ن تنبه ال�سائق ل إل�شارات الغريبة المحذرة للنا�س ال�سائرين ..والعاملين في الحقول محاولين لفت نظره لمحاولات ذلك الرجل المكلوم الو�صول إ�ليه ف�أوقف القطار .وقفز �أبي ليح�ضر الحقيبة الهاربة .قبل �أن يغري الف�ضول �أح ًدا فيف�ضح �سرها الحزين . 197
على �سقف وجدران الغرفة ن�صف المظلمة في ذلك البيت العتيق ،المكون من أ�ربعة �أدوار في �شارع (�سيدي عبد القادر). كان خالي ي�سكن مع (�ست هانم) عرو�سه التي لم تنجب � .إذ أ�جه�ضت �أكثر من مرة .وكان هذا ي�ضفي على حياته مرارة وقل ًقا يطفئ وهج �شخ�صيته المرحة (الم�ستنيرة) . كان �أخي (�سامي) �أ�صغر مني .جاء بعدي ب�سنتين مب�ش ًرا ب�سلامة �أمي بعد معاناتها في مولدي ،وكنا �سنلتهم يومها بكل احتفاء على الغذاء � ،أكلة فاخرة من ف�سيخ (نبروه) ال�شهير ،جاءت هدية لخالي من عمدتها �شخ�ص ًّيا .وتطوعت خالتي التي كانت تقيم مع خالي ..للعب مع (�سامي) ال�صغير بعي ًدا عن معركة الف�سيخ حتى لا يت�شهاه وهو (محجوب) ب�أمر الطبيب . كان �صوت بكائه يلاحقنا فيثير تعليقات �ضاحكة �أو م�شفقة على الخالة التي حرمت نف�سها من الف�سيخ ،ويبعث فينا �شج ًنا غام ً�ضا �أحيا ًنا �أخرى.. حين كان ي�صمت ب�صورة غام�ضة مفاجئة فيثير قل ًقا أ�كثر . رغم معار�ضة أ�مي التي انهمكت في �إعداد الف�سيخ وتقطيع الب�صل والليمون � ،صعدت خالتي به إ�لى الب�سطة التي تتو�سط ال�سلم بين طابقنا والطابق الأعلى .وعلى قاعدة نافذة عالية من الزجاج الملون تطل على ال�شارع �أجل�سته على الحافة المرتفعة إللهائه بما يدور في ال�شارع ،واطمئن قلب �أمي وابت�سمت حين تحولت �صرخات نفيه �إلى �ضحكات غمرتنا بالارتياح ،وفتحت �شهيتنا جمي ًعا للف�سيخ اللذيذ الفاخر ..وفج�أة .. دهمتنا �صرخة ملتاعة �أخر�ستنا ،و ُغ َّ�صت بها حلوقنا ف�ش َّلت حركتنا ،حين جاوبتها آ�هة دفينة حادة من أ�مي وهي تحملق في وجوهنا : � -إبني !!.. خاطر غام�ض قا�س انطلق بنا جمع ًيا كالعا�صفة �صاعدين ال�سلم في الوقت الذي كانت خالتي تهرول نحونا وحدها وهي تولول وتلطم 196
تعوي�ض ما ،لفقدانها (�سامي) الذي ُتذكرها به دائ ًما �صفارة القطار القادم من الغرب .رغم ما م�ضى من �سنوات عو�ضها الله خلالها ب أ�طفال �آخرين بنات و أ�ولاد ..لهفتها عليه ي�شعلها ح�ضوره بالقطار من الغرب .لهفة لا يثيرها ح�ضوره من ال�شرق في الأتوبي�س عندما لا تقطع الأمطار الطريق ال�ضيق الملا�صق ل�شاطئ البحيرة .. عند �صاحبنا كان ل ألمر وجوه أ�خرى ،إ�ذ كان للقرية طعم ورائحة خا�صة في كل مرة يدخلها قاد ًما من ال�شرق عبر �سنين العمر الغ�ض .طفل ًا محمول ًا على كتف خاله (الخمي�سي) ،و( ِر ْجل هنا ورجل هنا) ت�أ�سر عينيه الظلال وتفوح ملاب�سه برائحة ن�شارة الخ�شب .متاب ًعا إ�لى الأفق غناء ال�ضفادع وزيز الحقول والقمر ..الذي ي�صر على ملاحقته حتى البيت .. �أو �صب ًّيا يف�ضل الركوب على �سلم عربات القطار الخ�شبي محت�ض ًنا حديده، تار ًكا للريح مهمة مداعبة �شعره .وملء ذاكرته ب�صور الحقول وخ�ضرة �أ�شجار ال�صف�صاف والتوت .. كان وهو التلميذ المتفوق في الدرا�سة الابتدائية ..يتباهي على أ�قرانه بر�سومه ،ومعرفته ب أ��سماء بلاد وعوا�صم الدنيا .وحكايات ال�سفن والخيول الطائرة وا آللهة التي ت�سكن جبال ًا في بلاد بعيدة ..تحدد �أقدار النا�س وتحمل ال�شم�س في عربتها الذهبية من ق�صر ال�شرق إ�لى بحر الظلمات.. �أو حين �أ�صبح طال ًبا فت ًيا يكتب ال�شعر غزل ًا في بنت (الهواري) � ..أو في عيون (مديحة) البر�سيم ..ت�سبقه ق�ص�ص نزواته وم�شاغباته ..حامل ًا �آثارها على ملاب�سه وج�سده �أو على كتبه الممزقة التي تزدحم هوام�شها بر�سوم وبدايات ق�صائده العديمة القيمة ..التي لم تنجح في اقتحام (قلعة) الفتاة التي أ�كلت جدرانها رطوبة حقول الأرز .. 199
ل�سنوات عديدة طويلة من عمري ..لم تلوث �أنفي رائحة الف�سيخ دون أ�ن تج�سد لعيني جثة الملاك الملقي على �صخرة الر�صيف ،و�صورة الحقيبة الطائرة و�سط الدخان والغبار .فتع�صر القلب غ�صة من خوف غام�ض حاد الأظافر .. لكن العودة �إلى (ميت �سل�سيل) من الغرب لم تكن دائ ًما على هذه الدرجة من الق�سوة . ف�صبي ال�سنة ا ألولى الثانوية في الحادية ع�شرة من عمره كان ي�ضطر كثي ًرا للعودة بالقطار نف�سه في �أيام ال�شتاء عبر (ميت الخولي عبد اللاه).. و(ميت الخولي م�ؤمن) ..عاب ًرا نف�س الم�سافة التي طارت عبرها تلك الحقيبة ،فتموت �أ�صابعه على ال�َّس َبت �أو الحقيبة المكتظة بملاب�سه غير النظيفة .وهو يخ�شى �أن يتكدر حلمه بطعم ح�ضن الأم ومذاق أ�طعمتها المميزة التي لم يعد الف�سيخ من بينها إ�لى ا ألبد .أ�و يف�سد �شيء ما لهفته للعودة ..لمرابع الطفولة التي ا�ضطر للاغتراب عنها في ذلك ال�سن المبكر. لتغ�سل عن قلبه مواجع المدينة .. يخرج ر�أ�سه مواج ًها برودة رياح ال�شتاء ،التي ت�صارع القطار حاملة �إلى رئتيه دخان الفحم الرطب ذي الرائحة الخا�صة ..وهو يتطلع �إلى حقول (ال ُخم�س) ونخلة (يا�سين) وترعة (مه ّدب) ..محاول ًا ا�ستخلا�ص رائحة زيت القدح المحترق وطعم الب�صل الأخ�ضر والكرات �أبو �شو�شة من بين مزيج الروائح الذي يخيم على القرية �ساعة الغروب ،م�شب ًعا بطعم الحقول والنباتات والب�شر والطين المحترق ..ليح�س معها بح�ضن ا ألم الفرحانة بعودته وبالا�ستجابة الربانية لدعواتها ب�سلامته ونجاحه وتفوقه على أ�قرانه .مخفية �إ�شفاقها الدائم عليه من الغربة باحثة فيه عما يمكنها من 198
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232
- 233
- 234
- 235
- 236
- 237
- 238
- 239
- 240
- 241
- 242
- 243
- 244
- 245
- 246
- 247
- 248
- 249
- 250
- 251
- 252
- 253
- 254
- 255
- 256
- 257
- 258
- 259
- 260
- 261
- 262
- 263
- 264
- 265
- 266
- 267
- 268
- 269
- 270
- 271
- 272
- 273
- 274
- 275
- 276
- 277
- 278
- 279
- 280
- 281
- 282
- 283
- 284
- 285
- 286
- 287
- 288
- 289
- 290
- 291
- 292
- 293
- 294
- 295
- 296
- 297
- 298
- 299
- 300
- 301
- 302
- 303
- 304
- 305
- 306
- 307
- 308
- 309
- 310
- 311
- 312
- 313
- 314
- 315
- 316
- 317
- 318
- 319
- 320
- 321
- 322
- 323
- 324
- 325
- 326
- 327
- 328
- 329
- 330
- 331
- 332
- 333
- 334
- 335
- 336
- 337
- 338
- 339
- 340
- 341
- 342
- 343
- 344
- 345
- 346
- 347
- 348
- 349
- 350
- 351
- 352
- 353
- 354
- 355
- 356
- 357
- 358
- 359
- 360
- 361
- 362
- 363
- 364
- 365
- 366
- 367
- 368
- 369
- 370
- 371
- 372
- 373
- 374
- 375
- 376
- 377
- 378
- 379
- 380
- 381
- 382
- 383
- 384
- 385
- 386
- 387
- 388
- 389
- 390
- 391
- 392
- 393
- 394
- 395
- 396
- 397
- 398
- 399
- 400
- 401
- 402
- 403
- 404
- 405
- 406
- 407
- 408
- 409
- 410
- 411
- 412
- 413
- 414
- 415
- 416
- 417
- 418
- 419
- 420
- 421
- 422
- 423
- 424
- 425
- 426
- 427
- 428
- 429
- 430
- 431
- 432
- 433
- 434